أثر الحكم القضائي في التحليل والتحريم, الشيخ طاهر محمود نور

طاهرالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

وبعد:

فان الله تعالى أكمل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم دينه القويم وهدى به إلى الصراط المستقيم وأسس شرعه المطهر على أحسن الطرائق واحكم القواعد وشيده بالتقوى والعدل وجلب المصالح ودرء المفاسد ,وأيده بالأدلة الموضحة للحق وأسبابه المرشدة إلى إيصال الحق لأربابه,

ولما كان علم القضاء من اجلّ العلوم قدرا  وأعزّها مكانا  وأشرفها ذكرا -لأنه مقام عليّ ومنصب نبوي, به الدماء تعصم وتسفح,والأبضاع تحرم وتنكح والأموال يثبت ملكها ويسلب ,والمعاملات يعلم ما يجوز منها  ويحرم ويكره ويندب ,قال مالك بن انس  رحمه الله إمام دار الهجرة كان الرجال يقدمون إلى المدينة من البلاد ليسألوا عن علم القضاء وليس كغيره من العلوم -كان من المهم أن نتطرق الى مسألة مهمّة جدا وهي  مسألة “أثر الحكم القضائي في التحليل والتحريم”وهل ينفذ  الحكم ظاهرا وباطنا أم لا؟ فنقول

اتفق الفقهاء على أن جميع الأحكام تنفذ ظاهرا , وان حكم القاضي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا,لقوله تعالى “ ولا تأكلوا أموالكم  بينكم بالباطل وتدلوا بها  إلى الحكّام لتأكلوا فريقا من أموال النّاس بالإثم وانتم تعلمون “[1] قال ابن عباس  رضي الله عنهما “هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة فيجحد المال ويخاصم إلى الحكّام وهو يعرف أنّ الحق عليه وهو يعلم أنّه آثم آكل الحرام [2]  قال ابن كثير في تفسير الآية  بعد أن ذكر حديث أم سلمة,-الآتي-  فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث علي أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر فلا يحل  في نفس الأمر  حراما هو حرام ولا يحرم حلالا هو حلال , وإنما هو ملزم في الظاهر فان طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره [3]

ولحديث أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض،فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار[4]

 قال النووي -رحمه الله -“والقول بان حكم الحاكم يحل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح [5]

وقال الشافعي –رحمه الله- في هذا الحديث دلالة علي أن الأئمة إنما كلفوا  القضاء على الظاهر [6]

مثال: فإذا ادعى إنسان على آخر حقا وأقام الشهود علي ذالك وحكم القاضي للمدعي فانه يحل له أن يأخذ هذا الحق متى  كانت البينة بينة صادقة  وعلي هذا فان حكم القاضي في هذ الحالة ينفذ ظاهرا وباطنا وأما ان كانت البينة التي أقامها المدعي كاذبة كأن كان الشهود شهود زور فحكم له بمقتضى هذه الشهادة  فان الحكم لا يغير الواقع ولا يبيح للمدعي أن يأخذ الحق المدعي به, لأنه على ملك صاحبه.وعلى هذا فيكون الحكم في هذه الحالة ظاهرا لا باطنا

 ولم يختلف احد من الفقهاء في هذا إلا أن أبا حنيفة قال :إن القضاء في” العقود والفسوخ فقط ينفذ ظاهرا وباطنا”, فان شهد شاهد زور عند القاضي على طلاق امرأة فحكم القاضي بالطلاق  طلقت من زوجها بقضائه , وجاز لها أن تتزوج من آخر , كما يجوز أن يتزوجها من شهد بطلاقها زورا .[7]

وما ذهب إليه أبو حنيفة من التفرقة بين قضايا الدماء والأملاك , وقضايا العقود والفسوخ -كالنكاح والطلاق والعتاق- غير صحيح لأنه لافرق بين هذا وذاك ,وخالفه في ذالك أصحابه ,

ودليله علي هذا  ما روي عن عليّ –رضي الله عنه -:أن رجلا أقام عنده بيّنة على امرأة انه تزوجها , فأنكرت ,فقضى له بالمرأة , فقالت: انه لم يتزوجني , فأما إن قضيت عليّ فجدد نكاحي , فقال :لا أجدد نكاحك , الشاهدان زوجاك .[8]

وجه الاستدلال انه لو لم ينعقد النكاح بينهما باطنا بالقضاء لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها ورغبة الزوج فيها وقد كان ذالك تحصينها من الزنا .

واستدلوا بالمعقول: قالوا أن القضاء شرع لقطع المنازعة بين الخصوم من كل وجه فلو لم ينفذ باطنا لما تحقق الهدف من القضاء وكان في ذالك استمرار الخصوم .[9]

الترجيح : والراجح هو ما ذهب اليه الجمهور لأمور,

1-لان رأي الجمهور اقرب الى روح الشريعة والغاية من القضاء وهو اقامة العدل ودفع الظلم وهذا ما يدعوا إلى محاسبة النفس وترك التظالم وتحكيم الضمير ومراقبة الله تعالى.

2-عدم استناد الرأي المخالف لأي دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع .

3-ضعف الدليل المعتمد لهذا الرأي وهو ذلك الاثر المروي عن عليّ –رضي الله عنه-لما ورد عليه من مقال, لأن الأثر غير معروف عند أهل الحديث وقد صرح ابن حجر بأنه قد تعقب فلم يثبت عن عليّ –رضي الله عنه-[10]

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



[1]  سورة البقرة الآية 188

[2] تفسير ابن كثير 1/ ص384

[3]  تفسير ابن كثير 1/ ص225

[4]  صحيح مسلم 3 / ص 180

[5] شرح النووي ج12/ ص 6

[6]  الام ج 6 /ص 199

[7] حاشية ابن عابدين ج 5 /ص 406

[8]  المرجع السابق

[9] البحر الرائق ج7 /ص 14 لابن نجيم الحنفي

[10] فتح البارئ ج 13 / ص 176

التعليقات مغلقة