أهمية الوقت – د. عبد العزيز علي أحمد

أهمية الوقتالحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكور، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه وتعمه المتتابعة، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى سبيل القويم، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم المآب. أما بعد:

فإن الوقت هو الحياة، وهو كنز وثروة لا يدانيه ثروة؛ لأنه من ركائز الحياة البشرية، ومن خلاله تكتسب الكنوز والثروات، ومن خلاله يتقدم من شاء ويتأخر من شاء، ومن خلال استغلاله بالحكمة يتقدم الفرد والمجتمع.

هذا الوقت يسير في اتجاه واحد لا يتوقف، الذاهب منه لا يمكن رده، والقادم منه لا يمكن دفعه ولا توقيفه، ولذا كان من اللازم أن يفطن اللبيب الناصح لنفسه أهمية هذا الوقت، ويجتهد في استثماره فيما يعود عليه بالنفع القاصر والمتعدي.

من هنا أردت أن أبرز في هذه المقالة ما هو معروف لدى الجميع ألا وهو أهمية الوقت من خلال نصوص الشرع، ثم بعد ذلك أردفها بمقالة في كيفية استثمار هذا الوقت، ولم أرد بذلك إلا الإصلاح وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.

تتجلى أهمية الوقت في النقاط التالية:

أولا: أن الله سبحانه وتعالى أقسم بالوقت في غير ما آية في كتابه العزيز، كقوله سبحانه وتعالى ( والليل إذا يعشى )الليل: ١ ، وكقوله تعالى ( والضحى والليل إذا سجى ) الضحى:١ – ٢  وكقوله  سبحانه وتعالى ( والعصر ) العصر: ١

وأقسم سبحانه بالعصر لما يقع فيه من تحولات وعجائب، وهو في نفسه آية في ماضيه لا يعلم متى كان، أو في حاضره كيف ينقضي، أو في مستقبله ما ذا يكون فيه.

ومن هنا فهم المؤمن وفطن بأهمية الوقت؛ لأن الله سبحانه وتعالى عظيم، ولا يقسم إلا بما هو عظيم.

ثانيا: الرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى أهمية الوقت في غير ما قضية، ألخص ما فهمت من تلكم القضايا بما يلي:

  1. بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الفراغ والصحة نعمتان لا يفطن بهما كثير من البشر، فقال عليه السلام ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة    والفراغ )، (أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ، رقم 6049). وكان على المسلم أن يشكر على هذه النعمة؛ ليرشد إلى استثمارها على الوجه اللائق.
  2. بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أول شيء يسأل العبد يوم القيامة هو بما يتعلق بالوقت، فقال عليه الصلاة والسلام ( لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه )، (أخرجه الدارمي، والطبراني في الكبير والأوسط، وحسنه الشيخ الألباني )، قلت: العمر هو الوقت، والشباب وقت من العمر.
  3. أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اغتنام الفرص وعدم إهماله، فقال عليه الصلاة والسلام ( اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك )، ( أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ الألباني ). وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف الموجز البليغ ما تناوله الباحثون في أسفار متعددة من مؤلفاتهم؛ إذا تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن قيمة الوقت وأهميته والمبادرة إلى استثماره، واغتنام قوة الشباب، وفرص الفراغ في الأعمال الصالحة المثمرة، التي تنفع الفرد والمجتمع.
  4. أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية التبكير في إنجاز الأعمال وذلك في دعائه الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم ( اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار )،. وكان الراوي الذي هو صخر بن وداعة الغامدي تاجرا فكان يبعث تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله. ( أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الشيخ الألباني )

ثالثا: إن العبادات وشرائع الإسلام وفرائضه تثبت أهمية الوقت؛ لأن كل عبادة وشعيرة موقوتة بوقت معين، التقدم عليه لا يجزئ، والتأخر عنها من غير عذر يوقع في المأثم. فقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه قبل وفاته عمر رضي الله عنه، وقال له: ( اعلم إن لله عملا في النهار لا يقبله في الليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار )، ( أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف، وأبو داود في الزهد، وذكره ابن شبة النميري في تاريخ المدينة المنورة ).

رابعا: تاريخ الإسلام المجيد يدل على أن السابقين من سلفنا الصالح كانوا من أحرص الناس على أوقاتهم؛ لأنهم علموا أهميته، فصاروا شحيحين بوقتهم. يقول الإمام الحسن البصري: ( أدركت أقواما كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه )، ( رواه ابن المبارك في الزهد ). والتعليل لذلك هو أن الدرهم والدنانير يمكن تعويضها، وأما فوات الوقت وذهابه فلا يمكن تعويضه. وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ( إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا والآخرة )، ( أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف، وأبو داود في الزهد، والبيهقي في الزهد الكبير ).

هذه النصوص والآثار تدل على أهمية الوقت، وأنه حياة الإنسان، وما كان بهذه المثابة يكون أغلى من الدراهم والدنانير، ولا ينبغي للمرء العاقل أن يفوت الوقت الذي يمره في ليله ونهاره بلا استثمار، والله سبحانه وتعالى أعلم.

أخوكم في الله: عبد العزيز علي أحمد. مرحلة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

تعليق واحد

  • أبو صلاح الدين المدنيقال:

    مقال رائع، نسأل الله أن نكون ممن يستفيد منه، فما أحوجنا إلى التطبيق، لا إلى التنظير، وإلى العمل، لا إلى العلم فحسب، نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، ويتولانا في الدارين