!! .. ادخلوا عليهم الباب د. حسن صالح الحميد

!! .. ادخلوا عليهم الباب

لانزاع في أن تولي الأخيار مقاليد الأمور في بلادهم هو الأصل ، وهو المطلوب ، وهو مقتضى العقل ومن أعظم مقاصد الشرع..

إنما الخلاف والنزاع في مزاحمة الأخيار غيرَهم من الكفار أو المنافقين في حكم بلاد المسلمين ، والتعاون معهم عند الحاجة ، والقدر المسموح بقبوله من ذلك .

وتلك مسألة يجب تحريرها ، والاحتكام فيها إلى مقاصد الشرع التي محورها ومدارها على تحصيل ما أمكن من مصالح الناس في دينهم ودنياهم، وتقليل ما أمكن من المضار والمفاسد عليهم فيهما .

وإنه – بالاستقراء – لايمكن تحقيق ذلك كله بالمواجهة العسكرية ؛ بل منه ما يتحقق بذلك ، ومنه ما لا يكون إلا بالمدافعة والمزاحمة المدنية ، على قواعد الشراكة الحتميّة ، فإن المجتمع يكون فيه المسلم وغيره ، والصادق والمنافق ، والضعيف الأُذُنُ لغيره والقوي الأمين..هكذا كان المجتمع الأول ، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجاهد الكفار والمنافقين وأهل الكتاب بكل أنواع المجاهدة. ومضى على ذلك أصحابه وخلفاء الإسلام ، لم تضع الحروب والفتن أوزارها ، كلما رَتَقوا فتقا ، انفتق عليهم رتقٌ..فتحوا الممالك البعيدة فانتقضت عليهم الممالك القريبة ، وصار في الأمة إلى جانب السنة جماعات من المرجئة والصوفية والخوارج والرافضة ، والفساق والمجّان..وغيرهم. وتولى مقاليد الحكم رجال استأثر معظمهم بالمال والسلطة ، ولم يكن كثير منهم من أهل العلم والاجتهاد ولا نصروا السنة ولم يقمعوا البدعة..وكانوا في قرون خير مما نحن فيه اليوم !.

ولهذا فليس لمغالبة المفسدين ومزاحمتهم في الحكم صورة واحدة ، ولا يتوجّه ذمّ أو مدحٌ بإطلاق لصورة دون سواها ، بل الحاكم عليها والضابط لها ما جاءت به الشريعة – وهو ما قرره العلماء ، واستفاض في كلام الحبر الفقيه ابن تيمية – فإنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. ومطلوبها – أي الشريعة – ترجيحُ خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا ، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا. فما كان محققا لأيٍ من ذلك فهو مقصود للشارع ، ولذلك صور وتطبيقات لاتتناهى .. فمن ذلك مما نحن بصدده :

– أن الأقل ظلما ينبغي أن يعاوَن على الأكثر ظلما إذا لم يمكن دفعهما جميعا ، وأن نفرح بانتصار الأدنى على من هو أبعد منه عن الله ؛ فقد فرح النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه بانتصار الروم النصارى على المجوس، وكلاهما كافر؛ لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك سورة الروم ، لما اقتتلت الروم وفارس، والقصة مشهورة.

– ومن ذلك أن الأحوال تغيّرت بعد الخلافة الراشدة ، وصار غَالب المتأَخِّرين، وغالب الأمة من الملوك والأمراء وَالعُلَماء والعبّاد وأهل الأموال يَقع فيهم تلازم بين الحَسَنَات والسيئات ، لاينفك بعضها عن بعض ، فنُقدم عِنْد التلازم مَا ترجح مِنْهَا ؛ من إبقاء الحسنات مع مايلازمها من السيئات ، أو دفع السيئات مع فوات ما لابد من فواته من الحسنات الملازمة لها. وهذا يكون في الرئاسة والوزارة ونظام الحكم ، وفي العلم والإمامة وغيرها. قال شيخ الإسلام:

من لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات. ويرى ذلك من الورع كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعا ، ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع ، ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية ، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع .ومثل ذلك من يدع اجتماع الكلمة الذي هو أعظم المقاصد ؛ لما في الاجتماع من دخول أخلاط الناس ، ممن ليسوا على شرطه. ومن يزهد في المغالبة السياسية لما فيها من المفاسد ، ويذهل عن فوات مصالح مؤكدة تحصل بالمغالبة ، وتذهب بالمتاركة.

– ومن ذلك أن المتبعين لــ طَريقَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين [وهم خيار الناس اليوم] ليسوا هم أكثر الْأمة. وعليهم أن يعاملوا النَّاس بِمَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله من الْعدْل بَينهم واعطاء كل ذِي حق حَقه وإقامة الْحُدُود بِحَسب الامكان ؛ إذ الْوَاجِبُ هُوَ الامر بِالْمَعْرُوفِ وَفعله وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَتَركه بِحَسب الإمكان ، فَإِذا عجز أتبَاع الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عَن ذَلِك قدّمُوا خير الخيرين حصولا، وَشر الشرين دفعا . وهذا هو حال الأخيار مع عموم الأمة في عددهم ووظيفتهم.

– ومن ذلك أن مَن جاء إلى مُنكرٍ واقعٍ من فردٍ أو جماعةٍ أو نظامِ حُكمٍ فجاهد لإزالته فأزال بعضَه ولم يأت على إزالة جميعه ؛ إما لعدم القُدرة ، أو لخوف حصول مفسدةٍ أكبر من مفسدة مابقي من المنكر ، فإنه لا يقال إنه قد أَقرّ المنكر ، بل يقال إنه أزال بعضه..وفرقٌ بين ترك النهي عن الشيء إذا كان في النهي مفسدة راجحة ، وبين إذنه في فعله . وهذا هو حال من يغالب الفساق والمتآمرين.

والخلط بين الأمرين هو جهلٌ أو جَورٌ.

وتأسيسا على ما سبق فإن مزاحمة الكفار والمنافقين في الولاية الكبرى وفروعها ومكاثرتهم ومغالبتهم فعلٌ يُراد لما فيه من المصلحة ، لا للجهل بما فيه من ضرر ومفسدة لاينفك عنها، كالشيء الواحد الذي يُحَبُّ من وجه ويكره من وجه ، كما قيل:

الشَّيْب كُرهٌ وأكْرَهُ أن أُفارقه ***** فاعْجَب لشيءٍ على البغضاءِ محبوب

إن الرَّفْض والانسحاب من المواجهة وميادين المدافعة سَهلٌ ، ويَعتقد فاعلوه أنهم غَلّبوا جانب السلامة ، وأنهم استبرءوا لدينهم !! والحق الذي تشهد له قواعد الشريعة وتُصَدّقه مآلات الأحوال أن الرفض والانسحاب ليس إلاّ سلامة مؤقتة متوهّمة ، تُفضي إلى استضعاف وإذلال لأهل الخير ، واستعلاء وتسلط لأعداء الشريعة ، وأنه ليس استبراءً للدين، بل المجاهدة والدّفع بكل وسيلة ممكنة، عملا بقول الحق فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وقوله وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ذلك هو الإعذار والاستبراء للدين، و المسلمُ الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم . وهل مصابرة آحاد الفساق بهدف إصلاحهم أو درء ضررهم أعظم عند الله من مصابرة الملأ المتحالفين ضد دين الأمة بهدف مكاثرهم وإعاقة مخططاتهم والانتصار عليهم ؟.وخصوصا في مرحلة التأسيس وعند صياغة الدستور ووضع الأنظمة .

إن أهل الإسلام وحماة الشريعة إذا احتشدوا للأخذ لدينهم وأُمّتهم فلن يُغلبوا بإذن الله ، وإن ترددنا واختلفنا فلن يغني عنا أو يُعفيَنا من التبعة قول بعضنا : إننا نعتزل المجالس المشبوهة حتى لا نمنحها الشرعيّة ، ونقاطع تشكيل الحكومة وصياغة الدستور حتى لانكون شهود زور على الدساتير الكفرية..وهل اِلْتَاثَتْ هذه وعظمت مفاسدها إلا بتركنا فريضة مزاحمة المفسدين ، الذين لم يُصَدّقوا ما ترى أعيُنهم من إخلاء مواقعنا لهم قُرْبةً إلى الله !! وإنهم ليشكرون كلَّ من تَركَ مكانه لهم ، زُهدا أو قُربَةً إلى الله أو نِكاية بغيره ، أو أفتى غيرَه بترك التصويت والانتخاب ؛ لأن كل من ترك التصويت للمشروع الإسلامي هو تلقائيا يُرجِّح كفّة خصومه ، فكأنه صوّت لهم !!..ورُبّما فَرِح بعضهم بهزيمة الإسلاميين وإن لم يكن فَرِحا بفوز العلمانيين ، فهو في موقفٍ حائر ، يُنبِئُ عن اضطراب حُجّته. وإن ظن أن موقفه مبدئي مطّرد.. فالأمر من بعض وجوهه يُشبِه ما ذكر شيخ الإسلام من أنه قد يَجْتَمِعُ بُغْضُ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَبُغْضُ الْفُجُورِ وَأَهْلِهِ ، وَبُغْضُ نَهْيِهِمْ وَجِهَادِهِمْ ،كَمَا يُحِبُّ الْمَعْرُوفَ وَأَهْلَهُ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ وَلَا يُجَاهِدَ عَلَيْهِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ

إن الذين يبتعدون عن مواقع القرار ويتركون مزاحمة أهل الفساد يُسَوّون بين عهد الاستبداد الذي لايكون لمزاحمة المفسدين أثرٌ ، وبين عهد التمكين النِّسبي الذي يكون للمغالبة فيه أبلغ الأثر. ولو أن أحدهم تَمكّن من بعض حقّه الدنيوي لأقبل إليه واحتضنه ، ورأى ذلك عين العقل!. لكنه يُشيح بوجهه عن الأخذ بما يُمكنُ لدينه..ويتركُ التعاون مع إخوانه عمدا ؛ لِشُبَهٍ غلبت، وربما انتصر لهذه الشبه حتى يبلغ به الأمر أن يقف في الخندق المناوئ لإخوانه ، ويرى ذلك عَينَ الشرع !!. ثم يلوم على ما فات من الحق ، وهو الملوم ؛ لأنه نصر المُبطِل بتركه مناصرة من هو أقرب إلى الحق ؛ و هو الأرضى من الموجود، فلم يفعل خير الخيرين ولم يدفع شر الشرين .

وَلِمن لايتذكر مجريات الأحداث في الدولة الحديثة ، فإن سياسة إضعاف المؤسسات والشخصيات الإسلامية وعزلها عن قيادة المجتمع سياسةٌ بدأها الإنجليز في مصر ، حيث تمّ ضَرب التعليم الديني في الأزهر ، وحِرمان خريجيه من المناصب والمعارف الحديثة ، وحصر عملهم في الوعظ والخطابة والتدريس الديني ، بينما أنشأت بريطانيا التعليمَ العصريَّ الموازي في دار العلوم ليتخرج منها الوزراء والسفراء والمُدراء وقواد الدولة..برواتب مضاعفة وصلاحيات واسعة. وإلى اليوم فالأزهر لم يتجاوز ما رُسِمَ له..ثم عُمّمت التجربة وتعمّقت في ذاكرة الأجيال حتى أشاعوا أن السياسة نجاسة ، وأن الدين قِيَمٌ جميلة مُقدّسة ، وإن مِنْ تمام صيانته وأهله ألا يتلوّثوا بأوضار السياسة !! ثم قالوا : إن المتدينين لايفهمون في السياسة ويجب عليهم اعتزالها ، لأن لكل ميدان فُرسانَه..ثم أصبح كل من خالف معادلة : أنت متدين = أنت جاهل بالسياسة..كلُّ من خالف هذه القاعدة فهو طامعٌ بالحكم مُتاجرٌ بالدين ، مُسْتَغِلٌّ له ولأهله الطيِّبِين ، الذين لاشأن لهم بالحكم والسياسة..!!

ومن هنا نشأت صُورٌ من الجهل السياسي ومن الجهل بالسياسة ، أسهمت في تَفَرّق الكلمة وضَياع المكتسبات..حتى كَفَيْنا عدوَّنا مَئونة هزيمتنا .. وصدق فينا قول الأول:

مايبلغ الأعداء من جاهلٍ *********** مايبلغ الجاهل من نفسه

والجهل بالسياسة جَهلٌ لايرفعه العلم بأبواب أخرَ من العلوم الشرعية أو غيرها. كما لاينوب العلم بالشريعة عن علم الطب والهندسة.

ومن صوره أن مِنّا من يَقبل بدولة علمانية بحكم الضرورة ، ولا ينشط لتأسيس دولة إسلامية في حال الإمكان النسبي؛ بحجة أنه لن يتمكن من تطبيق كل الأحكام الشرعية. وينسى ويذهل أن القَدْر المعجوز عنه من أحكام الشريعة يسع تأخيره بحكم الاضطرار أيضا ، فالقاعدة في الكل هي ذاتها القاعدة في البعض ، مع فارق مؤثّر ، وهو أن البيئة ستكون مواتية لتطبيق المزيد من أحكام الشريعة ، بما تم اكتسابه من حريات وفُرصٍ للدعوة والإصلاح.

أيها المجاهدون والسياسيون المخلصون ضعوا يد بعضكم ببعض و ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

اللهم اشرح صدورنا لأحب الأمور إليك وأنفعها لعبادك.

المصدر

الموقع الرسمي للدكتور حسن بن صالح الحميد

http://h-alhomaid.sa//contents/show/69/

التعليقات مغلقة