الإجازة الصّيفية بين الإضاعة والإستفادة

 1338234333

في وقت متأخر من اليل كنت في زاوية من البيت ،المكان هادئ ، والهواء طلق وصافية ، والحمامات تغرد وتنوح في كل مكان، ، وأزيز الرياح كانت تحرِّك الأشجار وتداعب أغصانها، وجلّ الناس دخلو في عالم النوم واستراحو من متاعب الحياة،ولكن تراودني أحلام … وفي خاطري أمل….أعيش في دنيا الخيال مع وقت كثير … تذكرتُ أيام الدراسة … دراسة متواصلة، حصص متتالية، بكور في كلّ صباح، أبواب مدارس ومعاهد وجامعات مفتوحة، أساتذة تدخل وتخرج، مراحل ومستويات كثيرة ، طلاّب بين مئات صادرة وآلاف واردة، تعوّدٌ روتيني، وفجاة كل ذالك تمَّ وانتهى، واستراح الجميع من متاعبه، ووقعت على كاهلهم أثقاله، وبدأت العطلة من جديد ، عندئذٍ مسكت القلم وبادرت إلى كتابة هذه السطور لنفسي وللقرّاء لتفتحَ لنا طرقاً مغلقاً ، وتنير لنا دروباً مظلماً.

 

وكما هو معروف لدى كلٍّ منا، فإننا نستقبل في هذه الأيام الإجازة الصيفية ، وذالك بعد إمضاء عام دراسي كامل في الجدِّ والمذاكرة، والبذل والتحصيل على تفاوتٍ في الهمم، وتباينٍ في العزائم، وتفوقٍ في الدراسة ، وتغايرٍ في المراحل ، والسؤال الذي يطرح في مثل هذه الأيام هو: مالذي ينبغي على طالب العلم ، والمسلم الجادِّ أن يفعله في هذه الإجازة المقبلة.

 

 

الإجازة الصّيفية فرصة مباركة، ووقت ملائم للجميع ، لاغتنام هذا الوقت فيما يرضي الله ، وما يقرّب منه سبحانه من سديد الأعمال وصالح الأقوال، وإن من أهمِّ ما ينبغي علينا – ونحن نستقبل هذه الإجازة- أن ننوي نية صادقة ، وأن نعزم عزيمة أكيدة ، على استعمال هذه الإجازة في طاعة الله، وأن نحذر أن ننوي نوايا غير طيبة، نمضي فيها أيام هذه الإجازة، وإن الله جلّ وعلا إذا علم من عبده صدق نيته ، وصلاح همته، وتمام رغبته، يسّر له الخير، وفتح له أبوابه، وهيأ له سبله، والتوفيق بيد الله وحده.

وفي وقت الإجازة الصّيفية ينقسم الناس إلى قسمين: قسم يهدر أوقاته ويضيع، يستيقظ من النوم في الصباح ، ويتناول الفطور، ويقوم بجولة في الأسواق،  ويسامر في الليل بحكايات قديمة وأساطير شجية، أو بمعاكساتٍ هاتفية تافهة، أو يشاهد أفلاماً خطيرة ومسلسلاتٍ سيئة،يتابع المباريات والأخبار التافهة،ويكثر فضول الكلام ويسبح في أمور لاناقة له فيها ولا جمل، ويقضي معظم وقته في شاشة الحاسوب والإنترنت..يدخل المواقع السيئة ..يلعب الألعاب ..يتجول في المواقع الإجتماعية، ويستخدمه بطريقة غير مواتية، ويعزف عن طلب العلم، فما أسوء من هذا وما أحزن، لقد وقع هذا القسم خطئاً جسيماً، وأصبح فريسة للصوص الوقت ، وسيزول عجبكم عندما أذكّركم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ”  والله المستعان.

 

وقسم آخر يعرف قيمة دقائق الحياة ، يعيش في كلِّ لحظة وكأنها آخر لحظة في حياته ، يستفيد من أوقاته، يتعامل مع وقته بجدّية..بحزم..بقوة، يقدّم الأولويات، يصل ويزورُ الرّحم، يقبل على كتاب الله قراءة وحفظاً، وأحياناً تفسيراً وتدبراً، ولا غرو في ذاللك فللسلف مجاهداتٌ من كثرة الختمات، يطلب العلم ويسهره في الليل، يحضر الدورات، ينتهي مئات الكتب، يعلّمُ الجاهل والصّغار، يدعو الناس إلى الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يكثر السنن والنوافل،يقوم الليل ويستغفر ربه ويتوب إليه، يتمتع في عالم القراءة، يتفاءل يالخير، فما أروع من ذالك وأحسنها، لقد فعلو أموراً ينبغي فعلها ويحثٌّها الإسلام ، واستفادو من أوقات قد تكون ضائعة ومهدرة عند الكثير، وتزوّدو من هذه الدّنيا خير الزاد ، وطوبى لمثل هؤلاء.

وفي الختام عقدت تللك المقارنة ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّى عن بيّنة، ليعرف الجميع أسباب ضياع الأوقات وهدمها ، وأيضاً أسباب اغتنامها وأساليب استفادها، وعلى المرء أن ينظم الأوقات وأن يبادر إلى نيل الفرص، وأن يتخذ من اختلاف اليل والنهار دروساً لا ينساه ، والمرء حين يضع نفسه ،وهنيئاً لمن استفاد من حياته،  ونسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء …وصلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه .

 

 

 

أحمد سعيد بلى

خريج من معهد الفرقان للعلوم الشرعية والعربية في مدينة لاسعانود

طالب جامعي في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

التعليقات مغلقة