الجالية الصومالية في الغرب والخوف من الغرق

kkkkkkk

نزح معظم من استوطن الغرب من الجالية الصومالية إلى الغرب بعد اندلاع الحرب الأهلية في الصومال عام 1991، كما نزحت أعداد قليلة قبل ذلك التاريخ بسبب الحرب الأثيوبية الصومالية عام 1977 بالإضافة إلى قلة أخرى لجأت إلى الغرب بعد حرب الشمال عام 1988

وألقى النازحون رحلهم بعد عناء ومشقة أودت بحياة كثيرين منهم في أمريكا ودول غرب أوروبا، وتقدر أعدادهم بما لا يقل عن مليون وخمسمائة نسمة حسب الإحصاءات غير الرسمية، ويتمركز معظمهم في بريطانيا وأمريكا الشمالية بالإضافة إلى الدول الإسكندنافية. ويلاحظ أن أعدادهم في ازدياد مطرد مع وجود نسبة قليلة عادت إلى البلاد الإسلامية بعد ما اكتسبت الجنسيات الغربية، لكنها أقل بكثير من الأعداد الجديدة التي لا تزال تتدفق على الغرب .

دوافع هذا النزوح وأسبابه

الاغتراب صعب على النفوس، وقطع آلاف الأميال بما فيها الصحاري والبحار إلى ديار الكفر أصعب منه لا سيما بعدما تبين للجميع ما يحف ذلك من مخاطر ، فما هي ياترى تلك الأسباب التي حملت النازحين على هذه المغامرة؟.

تعود تلك الأسباب في نظري إلى أحد العناصر التالية:-  

   -انفجار الأوضاع الداخلية في الصومال ونشوب الحرب الأهلية، التي أكلت الأخضر واليابس، وكان بمثابة البركان الذي تفرق الناس بسببه أيدي سبأ، بحيث ترك الكثيرون بيوتهم على عجل يبغون النجاة بأنفسهم ، وكان غاية ما يحلمون به أن يصلوا إلى أقرب نقطة آمنة، ثم لما لم ينعموا بالأمن الذي كانوا ينشدونه في داخل بلدهم ، رأوا لزاما عليهم أن يغذوا السير فعبروا الحدود ثم صعب عليهم التكيف مع الأوضاع الجديدة بسبب قلة ذات يدهم ثم انتهى بهم المطاف في إحدى البلاد الأوروبية. 

    -الاحتلال الذي سيطر على الصومال قريبا من 70 عاما غرس في النفوس أهمية أوروبا والدول الغربية عموما، بفعل المناهج الدراسية التي وضعهالتنشأ عليها الأجيال، وفعلت هذه المناهج فعلها واغتبط كثير ممن أشربها أن يرى مدن وعواصم أوروبا وأمريكا يوما بأم عينيه، لينعم بما فيها من تقدم ورفاهية لا سيما بعد انعدام الأمن في بلده وضآلة الفرص التي تمكنه من العيش السوي.

   -الآلة الإعلامية الغربية فعلت كذلك فعلها وزينت للناس أوروبا وكرهت إليهم بلادهم، بحيث تنشر عنهم وعن بلدهم كل ما هو محزن ومحبط في حين تنقل عن  أوروبا وأمريكا صورا وردية تخيل إليهم وكأنهم عالم مثالي يجب البحث عن الانتماء إليه بكل وسيلة.

   -السياسات الأوروبية والأمريكية القائمة على استيعاب المهاجرين لسد النقص البشري  الذي تعاني منه دولهم، وتوفير عمالة، غر كثير من البسطاء وظن ذلك إنسانية ورحمة،لا سيما بعد امتناع الدول العربية الغنية من استقبالهم، وتسوية أحوالهم القانونية بعد الهجرة غير الشرعية.

  -البحث عن حياة أفضل لم يكن غائبا عن مشهد النزوح لأن كثيرا ممن لجأوا إلى بلاد الغرب كانت أوضاعهم المعيشة مريحة، وكانت لديهم دخول تفي بإعالة أسرهم إضافة إلى أنهم كانوا في أماكن آمنة قبل شد رحالهم إلى الغرب.

   -الغربية بغية الاعتزاز بها كان أيضا عاملا آخر حدى بكثيرين إلى ركوب الصعب والذلول للظفر بجواز أوروبي أو أمريكي يمكنه من التنقل بحرية عبر العالم لا سيما بعد رفض معظم الدول التعامل مع الجواز الصومالي.     

وفوجئ النازحون الذين كانت تحدثهم أنفسهم في أحلام اليقظة أثناء رحلتهم المرعبة  بأنهم سينسون العناء ويرتاحون من كد السفر إذا القوا عصى الترحال في أروبا وأمريكا ، فوجئوا بأشياء كثيرة غير سارة ومنها:-

  • ·     محدودية دخل الفرد بالنسبة للمصاريف التي يحتاج إليها سواء استفاد من الضمان الإجتماعي أو عرض نفسه على سوق العمل الذي لا يسعفه إلا بأردء الوظائف وأقلها مردودا ، ما أجبر كثيرا من الوالدين على إلقاء الأولاد في دور الحضانة والعمل معا لتغطية النفقات اللازمة وتوفير بعضها لإرسالها إلى الأهل والقرابة في الصومال.

  • ·     مشاكل في العبادة والتدين،بحيث وجدوا أنفسهم فجأة في عادات وأديان تختلف بشكل كلي عن موروثهم الثقافي ، فلا يوجد مسجد بالمعنى الحقيقي الذي ألفوه في بلادهم، وإن وجد فالوصول إليه صعب لبعده أو لظروف العمل، ولذلك اختار بعضهم العمل ليلا ليتسنى له أداء صلاة الجمعة ،بالإضافة إلى ما يلاقونه من مضايقات في شعائر دينهم مثل الحجاب ، علاوة على تعرضهم لمحاولات تنصير ممنهجة أثمرت إرتداد بعض التعساء أمثال أيان حرسي.

  • ·      تذويب مبرمج أقامت له الدول الغربية وزارات سمتها بوزارات الدمج والهجرة ، فلاحقتهم الأنظمة والقوانين في كل تصرفاتهم، وانسدت كثير من الفراغات القانونية أمامهم كلما حاولوا استغلالها  لتحسين أوضاعهم والتمسك بهويتهم، فأصبحوا كالأسير الذي يمسك به القيد إذا حاول الانطلاق أو التحرك.

  • ·      برد قارس ومناخ لم يألفوه جعل كثيرين منهم عرضة لأمراض نفسية لم تكن موجودة في بلدهم الأصلي، ووجد مرض التوحد في أطفال الجالية في منيسوتا بنسبة 1 من كل 28 طفلا وهو أعلى نسبة في العالم ومثل ذلك وجد في السويد ، وعُزي ذلك إلى نقص الفيتامين د الذي نتج عن نقص أشعة الشمس بالإضافة إلى لقاحات التطعيم التي يتلقونها عند وصولهم لتك البلاد، كما ظهرت في الجالية الصومالية أمراض نفسية غريبة كانوا في عافية منها قبل استيطان الغرب. 

  • ·     لم تكن لهم سفارات في تلك البلاد ولم تكن لهم كذلك منظمات ولا جمعيات تعتني بشؤونهم ، فكان حتما على كل منهم أن يواجه هذا الواقع الجديد عليه بكل تفاصيله بمفرده، فكان كمن قيل في شأنه .    

ألقاه مكتوفا في اليم وقال له   إياك إياك أن تبتل بالماء

علما بأن الحقوق هناك لا توهب وإنما تنتزع انتزاعا ، وهذا يحتاج أن تنظم الجالية نفسها بشكل دقيق يتيح لها أن تؤثر في صناعة القرار والضغط لصالح قضاياها الحيوية كما تفعله الجاليات الأخرى، بيد أن الجالية الصومالية لا تملك رابطة سوى القبيلة أو الفخذ وجل منظماتها الأهلية قائمة على هذا الأساس الواهي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، بل يزيد الطين بلة ويمعن في التفريق بين المتفرق أصلا بدلا من جمعه والتقريب بين فصائله وأطرافه.

  • ·      أصبحت الأسرة التي كانت من أعز ما يملكونه أول حصن ينهار بفعل السياسات المتبعة في تلك البلاد فتمردت المرأة على الرجل وتفرق الأطفال وأصبح الأب لا يملك شيئا من القوامة على بيته ولو كان يسيرا بل أصبح كاليتيم على مائدة اللئام، وضاعت بذلك أسر كثيرة  وانتهت مسيرتها بالطلاق.

  • ·      فشل كثير من الأطفال في الدراسة ، وحصل أبناء الجالية ،على أدنى نسبة نجاح في كل من بريطانيا والدنمارك، وبلغت نسبة نجاحهم في بريطانيا إلى 34%، بل إن تقريرا رسميا بريطانيا أشار إلى أن 97% من أطفال الجالية فشلوا في التعليم، كما انتشر في كثير منهم الجريمة وتعاطي المخدرات ، ووجد منهم نزلاء كثر في السجون ومستشفيات الأمراض النفسية، وفئة الشباب بشكل عام أقل من يرتاد المساجد والمراكز الإسلامية التابعة للجالية.

لم تكن هذه المفاجآت كل ما واجه الجالية الصومالية  في الغرب بل هي غيض من فيض ولا تزال مفاجئات أخرى غير سارة تنتظرهم ما لم يرجعوا إلى بلاد الإسلام.

ثم لما استقرت الجالية في الغرب بدأت تتلمس الحلول لكثير من المشكلات التي تعرضت لها فاهتدت إلى إنشاء مراكز دعوية تخدم مصالحها أسوة بمن سبقها إلى تلك الديار من الجاليات المسلمة كالأتراك والباكستانيين ونحوهم ، وتملك الجالية الآن أكثر من 100 مركز  بعضها مستأجر وبعضها مملوك للجالية ويوجد في أمريكا وحدها 14 مركزا نتشر في الولايات الأمريكية التي اتسوطنها الصوماليون، وكلف مركز واحد من تلك المراكز -وهو مركز أبي بكر الصديق في “منيسوتا”- الجالية أكثر من مليون وسبعمئة ألف دورلا ، ويقوم بتشغيلها دعاة من الجالية نفسها ، وخففت تلك المراكز من مشاكل الجالية وأصبحت لهم ملاذا آمنا يأوون إليه للاحتماء به من الفتن الهوجاء ، وتقوم المراكز بكثير من مصالح الجالية كتمثيلهم لدى الجهات الرسمية وإجراء عقود النكاح والدفاع عن حقوقهم ..إلخ ، بالإضافة إلى أنشطة دعوية مكثفة منها اليومي ومنها الأسبوعي ومنها المؤتمرات السنوية التي تقام في عطلات الصيف في كل من بريطانيا ، وأمريكا وكندا والدول الإسكندنافية ، ويحضر هذه المؤتمرات جموع غفيرة من كل الشرائح وأصبحت موسما ينتظره الجميع بفارغ الصبر ، وصارت بذلك الجالية الصومالية موضع إعجاب من كل الجاليات المسلمة في الغرب وسماهم بعض الدعاة لذلك ” رسل العالم” واقتدى بهم كثير من المسلمين في الحجاب الذي ترتديه نساءهم ، وهدى الله بسبهم كثيرا من الكفار الأصليين من أهل تلك البلاد، وتقيم لهم هذه المراكز برامج دعوية خاصة بهم .

بيد أن العدد الذي احتمى بتلك المراكز يعد قليلا، وأغلبه من الملتزمين من شباب الصحوة ، وكثير الشرائح الأخرى اندمجت أو أدمجت بالأحرى في المجتمع الغربي، والشباب ثم النساء هم الحلقات الأضعف الذين تستهدفهم برامج التذويب، ونعني بالتتذويب هنا بعملية المسخ الثقافي والقيمي الذي  يتعرض له المغترب ولا يعني ذلك بالضرورة أن يتقمص شخصية الغربي بل يعني أن ينتقل من موروثه الثقافي والأخلاقي بفعل الإغواء الذي يتعرض له إلى عابد للشهوة مقدس للمتعة لا يحفل بدين أو قيم.

وإنقاذ الجالية من الذوبان في المجتمع الغربي يتطلب فهما عميقا لواقعها وواقع المجتمعات التي استوطنت بلادها وقيمها وقوانينها ، ثم تنظيمها تنظيما محكما تحت مظلة المراكز الإسلامية،مع تطوير هذه المراكز وتحسين أداءها وتوظيف مؤتمراتها الدعوية لمعالجة مشكلات الجالية بشكل أكثر فاعلية يواكب المستجدات وينطلق من ثوابث الإسلام وأصوله ، إضافة إلى التعاون مع الجاليات الإسلامية الموجودة في تلك البلاد ، وتعتبر جميع تلك الخطوات مسكنات آنية لا يمكن اعتمادها كعلاج ناجع يضمن حماية الجالية من أن تنماع في محيط الغرب وقيمه، و الحل الأمثل وربما الأوحد سيكون الهجرة إلى بلاد الإسلام ، لأن النجاة من الغرق تستدعي السباحة إلى أقرب بر قبل أن تخور القوى ، والتعلق بقشة في ذلك المحيط  الهادر لا يعصم من الماء ، ويحتاج أولئلك المعرضون للفتنة في دينهم نجدة سريعة من الدول الإسلامية بأن تسمح لهم الإقامة في بلادها ريثما يتيسر لهم العودة إلى وطنهم الأم إذا هدأت رياح التدمير وسكن أوار الحرب الأهلية في الصومال .

والله نسأل أن يعصمنا وإخرواننا من الضلالة بعد الهداية، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

 

التعليقات مغلقة