الجلسة العلمية لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق حسين أحمد مع طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة / كتبه وأعده : الشيخ حسن بن المعلم داود السليماني


ددبحمد الله تعالى وفضله حضرت جلسة علمية تربوية لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق حسين، مع الطلاب الصوماليين بمختلف جنسياتهم في الجامعة

وكانت جلسة باهرة استمتع بها الحاضرون وأفادوا منها علما جما وأدبا جزلاً
وكان ذلك في الجامعة الإسلامية، ليلة الجمعة 19 ربيع الثاني 1437.
والشيخ زار الجامعة وهو من خريجيها، مشاركا في المؤتمر العلمي الدولي المقام في الجامعة بعنوان: ( تحقيق الاجتماع وترك التحزب والافتراق واجب شرعي ومطلب وطني ).
وهنا أحاول اختصار مضامين تلك الجلسة العلمية الفذة ، تقييدا للعلم وإفادة لغيري ، ولا يمكنني استيعاب ما جرى في الجلسة من فوائد نوادر وطرائف ظرائف وإشارات جميلات، ومن تعريف وتعليق وقصة وحكاية، لكني أحاول التقريب والتلخيص، وقد أضيف بعض العبارات تكميلا للمقصود، والله المعين على كل خير .
 افتتحت الجلسة بآيات من كتاب الله تعالى، تلاها الأخ داود الجيبوتي على قراءة أبي عمرو بن العلاء برواية الدوري.
ونبه مدير الجلسة الشيخ عبد العزيز محمد نوح على أن هذه القراءة هي قراءة بلدنا الصومال، وأنها لا تزال قائمة مقروءا بها في كثير من المناطق وإن زاحمتها قراءة حفص عن عاصم.
ونقل عن بعض مشايخه في الكلية أنه أوصاه بإحياء هذه القراءة في البلد إقراء وتدريسا ؛ ﻷنها قراءة ناحية متوارثة فلا ينبغي إهمالها .
  ثم تلا ذلك تعريف مختصر بفضيلته، قدمه شيخنا أبو عبد الله خضر حسن أحمد، بصفته أكبر طلاب الشيخ عبد الرزاق الموجودين في الجامعة.
الشيخ الدكتور عبد الرزاق حسين أحمد، أستاذ التفسير وعلوم القران المشارك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع جيبوتي .
ولد الشيخ في مقدشو ونشأ فيها وطلب فيها العلم، حتى قبوله في الجامعة الإسلامية عام 1409 .
تخرج الشيخ في الجامعة الإسلامية كلية القران الكريم سنة 1412 ، ووفقه الله لمواصلة الدراسة في الجامعة فشرع في الدراسلت العليا وأخذ شهادة الماحستير سنة 1417 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى ، وكان مشرفه أ.د. حكمت بشير .
ورسالته طبعت في دار ابن عفان بالقاهرة عام 1420 الموافق 1999م في مجلدين كبيرين باسم : ( المكي والمدني في القرآن الكريم (دراسة تأصيلية نقدية للسور والآيات من أول القرآن الكريم إلى نهاية سورة الإسراء) .
وقد أكملها الباحث الدكتور محمد بن عبد العزيز بن عبد الله الفالح في بحثه : (تحرير القول في السور والآيات المكية والمدنية من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس) وطبعت رسالته كذاك.
ورسالة الدكتور عبد الرزاق مشهورة متداولة بين أهل العلم، وقد أثنى عليها العلماء كثيرا، ونالت استحسان الباحثين المهتمين بالقرآن الكريم وعلومه.
وللفائدة هي مرفوعة على الشبكة ويمكن تحميلها من هذا الرابط :
http://library.tafsir.net/book/5922
هنا عرض سريع لمحتوى كتاب الشيخ عبد الرزاق
http://vb.tafsir.net/tafsir20911/
وهنا تعريف صوتي بكتاب الشيخ من إذاعة القرآن الكريم، يقدمه الدكتور عبدالرحمن بن معاضة الشهري، أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود :
http://www.tafsir.net/lesson/5121
ثم استمر الشيخ حفظه الله في الترقي العلمي، وأكمل الدكتوراه عام 1423 الموافق 2003م .
وفي هذه السنة بدأ عمل الشيخ في المعهد الإسلامي التابع لجامعة الإمام، في قسم الدبلوم الذي تحول بعد ذلك إلى جامعة ، ولا يزال الشيخ مدرسا في المعهد إلى الآن لمدة تقري من 13 سنة .
وللشيخ جهود دعوية علمية، ونشاط ملموس في الدعوة إلى الله في جيبوتي وغيرها .
واتفقت كلمة كل من عرف الشيخ أو صاحبه على تميزه  بحسن الخلق وطيب المعاشرة ولطف المعاملة وحب المعاونة على الخير والنصح لإخوانه وحب الخير لهم، خصوصا مع طلبة العلم فإنه يبذل لهم النفس والنفيس ويتفانى في خدمتهم كما شهد بذلك الدارسون عليه والوافدون إليه .
وللشيخ أربعة كتب مطبوعة زيادة على رسالتيه، وهي متداولة في المملكة ، وتوزعها المكتبات القريبة من الجامعة كالسلفية والنصيحة.
■ خلاصة المحور الأول
قسم الشيخ رعاه الله كلمته إلى محورين :
● المحور الأول : توجيهات عامة لطلبة العلم
○ قضية تشغل بال طالب العلم في المرحلة الجامعية، وحاجة ماسة يحس بها كل غيور على العلم.
وهي قضية سماها الشاطبي ( التربية العلمية ) في الموافقات 1/124 ، وسماها ابن القيم ( قانون الطلب )، ويسميها المعاصرون ( التأصيل العلمي ).
○ كيفية تكوين البرنامج العلمي :
يجعل الطالب لنفسه جدولا لتحصيل أهم العلوم في مدة إقامته بالجامعة وتفرغه للعلم .
○ من أهم المواصفات في التربية العلمية :
1. الإخلاص ﻷن العلم عبادة، وقد روى ابن ماجه بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار”.
فيجب على طالب العلم إحسان النية في طلب العلم، ومن طلب العلم كما ينبغي أوصله العلم إلى الإخلاص، كما قال كثير من السلف : طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا لله.
ومن طلب العلم للشهادة فسيضيع عمره ويقل نفعه، بل قد يكون شبه عامي لا نفع به في العلم والدعوة.
2. لكل عبادة مرجع، ومرجع العلم : التلقي عن العلماء، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخذ العلم عن جبريل، والصحابة أخذوا عنه، وهكذا…
ولا يكون المرء معلم نفسه، فلا يوجد من علم نفسه إلا توما الحكيم الفيلسوف كما ترجم له الذهبي.
وكان يرى نظرية أن الإنسان يكمل نفسه، وهو الذي امتثل به أبو حيان الأندلسي حين قال:
يظن الغمر أن الكتب تجدي .. أخا ذهن ﻹدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها .. غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ .. ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتيس الأمور عليك حتى .. تصير أضل من توما الحكيم
– ولا يقتصر طالب العلم على شيخ واحد لئلا يفوته ما عند غيره، بل يأخذ كل فن من العالم المتخصص فيه.
– وهناك عبارة جميلة جدا قالها الشيخ عبد القادر بن بدران في المدخل ص 485، وهي قوله :
( اعلم أن كثيرا من الناس يقضون السنين الطوال في تعلم العلم بل في علم واحد ولا يحصلون منه على طائل، وربما قضوا أعمارهم فيه ولم يرتقوا عن درجة المبتدئين، وإنما يكون ذلك ﻷحد أمرين :
أحدهما : عدم الذكاء الفطري وانتفاء الإدراك التصوري، وهذا لا كلام لنا فيه ولا في علاجه.
والثاني : الحهل بطرق التعليم..).
– وطالب الجامعة إذا انشغل بالمقررات فقط ولم يجالس العلماء المبار فاته خير كثير وحرم بركة العلم، فأتصحك بتنظيم وقتك، ولا تترك المدينة إلا ومعك برامج علمية أنجزتها بإتقان .
– مما يدل على أهمية الأخذ عن العلماء: العبارة المشهورة عند العلماء، وهي : ( لا يفتي الناس صحفي ولا مصحفي ).
وإذا وجدت في ترجمة شخص عبارة: (كان صحفيا ) فهي ذم وجرح، ويستعملها الذهبي كثيرا .
– كان العلماء يسمون كتاب القواعد الفقهية لابن رجب: ( الفتاح ) ، ولما سألت بعض مشايخي عن سبب التسمية قال : لغل ذلك ﻷن عباراته صعبة تحتاج إلى تفكيك ولا يفهمه إلا جاد حريص على العلم.
 وهنا ذكر الشيخ كلمة للإمام الشافعي في تضييع العلم. فاتني قيدها.
3. التدرج في الطلب.
وهو منهج رباني كما هو معروف لقوله تعالى: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا }، وقوله: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ).
حقيقة : ما أخذ بالتدريج رسخ في النفس، ومن طلب العلم جملة ضاع جملة .
فافهم الأولويات ولا تبدأ بالمطولات بل بمتون العقيدة والفقه واللغة .
ومن أسباب المشاكل والفتن العلمية في هذا العصر : عدم المنهجية في طلب العلم والبدء بالخلاف، ولا شك أن المرء كلما ازداد علما نضج وتحمل من الناس أكثر.
– طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية في عرض المسائل العلمية جميلة جدا، وهي أنه لا يهمل ذكر قول المخالف بل يذكره دائما، وكان يقول : ( المسألة لا تحرر إلا باستيعاب الأقوال )
○ لذة العلم 
إن للعلم شهوة ألذ من شهوة الطعام ، وتجد أمثلة ذلك في تراجم العلماء. بل تجد أحدهم يكون مريضا ويتناسى ألمه بمطالعة كتب العلم كما حصل لابن تيمية رحمه الله .
– طرفة عجيبة تدل على لذة العلم، ذكرها الذهبي في السير .
قال الأستاذ العميد محمد بن الحسين بن محمد الكاتب المتوفى سنة (360هـ) وكان يُضرب به المثل في عظم الجاه ورفعة القدر :
( ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوةً ألـذَّ من الرياسة والوزارة التي أنا فيها حتى شهدت مذاكرة سليمانَ ابنِ أيوب بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجِعَابي بحضرتي فكان الطبراني يَغلب بكثرة حفظه ، وكان الجعابي يَغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد ،حتى ارتفعت أصواتُهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبَه.
فقال الجعابي : عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال : هاتِه ، فقال : حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب وحدّث بالحديث .
فقال الطبراني : أنا سليمان بن أيوب ومني سمع أبو خليفة ، فاسمع مِنِّي حتى يعلو إسنادك ؛ فإنك تروي عن أبي خليفة عني ، فخجل الجعابي وغلبه الطبراني.
قال ابن العميد : فودِدتُّ في مكاني أن الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني وفرحت مثل الفرح الذي فَرِح الطبراني لأجل الحديث ).
انظر: الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (2/275)، وترجمة أبي القاسم الطبراني لابن منده (ص 346).
– والإمام السنرقندي الحنفي صاحب تحفة الفقهاء لم يزوج ابنته الملوك والأمراء، بل من طالب شرح كتابه تحفة الفقهاء، وهو الكاساني صاحب بدائع الصنائع.
وتمام القصة كما في الجواهر المضية للقرشي 2/244 : ( تفقه صَاحب الْبَدَائِع على مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي أَحْمد السَّمرقَنْدِي المنعوت عَلَاء الدّين وَقَرَأَ عَلَيْهِ مُعظم تصانيفه مثل التُّحْفَة فى الْفِقْه وَغَيرهَا من كتب الْأُصُول وزوجه شَيْخه ابْنَته الفقيهة العالمة وَسَتَأْتِي قيل أَن سَبَب تَزْوِيجه بابنة شَيْخه أَنَّهَا كَانَت من حسان النِّسَاء وَكَانَت حفظت التُّحْفَة تصنيف والدها وطلبها جمَاعَة من مُلُوك بِلَاد الرّوم فَامْتنعَ والدها فجَاء الكاساني وَلزِمَ والدها واشتغل عَلَيْهِ وبرع فى علم الْأُصُول وَالْفُرُوع وصنف كتاب الْبَدَائِع وَهُوَ شرح التُّحْفَة وَعرضه على شَيْخه فازداد فَرحا بِهِ وزوجه ابْنَته وَجعل مهرهَا مِنْهُ ذَلِك فَقَالَ الْفُقَهَاء فى عصره شرح تحفته وزوجه ابْنَته ).
4. استثمار الأوقات
فلا يحصل شيئا من لم ينظم وقته، ولا ينجح المتشتت الفوضوي .
– كثير ممن لم يرزقوا ذكاء وفقهم الله لتنظيم الوقت ففاقوا غيرهم في العلم .
ومن أكثر وصايا ابن الحوزي في كتابه صيد الخاطر: الوصية بالوقت.
وأنصح طالب العلم بقراءة هذا الكتاب مطالعة أو مدارسة مع زملائه
5. معرفة كتب المطالعة من كتب التلقي
فمن قرأ كتب التلقي خرج صحفيا، ومن لم يغتنم كتب المطالعة فاته شيء كثير من العلم .
ولا تكن خنفشاريا..
6. قال الإمام الماوردي رحمه الله :
( اعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها. فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها.
ولا يطلب الآخر قبل الأول ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة؛ لأن البناء على غير أس لا يبنى والثمر على غير غرس لا يجنى ).
 [ قلت : وقال ابن خلدون “اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا فشيئا وقليلا قليلا، يلقى إليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال. ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن” ].
وبهذه المناسبة أثنى الشيخ على برنامج مداخل العلوم المنتشر حاليا في المملكة ، وكذلك أثنى الشيخ على مداخل الكتب الحديثية في برنامج قراءة الكتب التسعة في الكويت الذي يشرف عليه الدكتور فيصل العلي في الكويت فقد وضعوا لكل كتابا مدخلا مهما لتصور أبعاده ومحتوياته.
7. الخلق الحسن
جمال طالب العلم في التحلي بالعلم
وقد قيل :
العلم حرب للفتى المتعالي .. كالسيل حرب للمكان العالي
وقال حافظ إبراهيم :
لا تحسـبنَّ العـلمَ ينفـعُ وحدَه .. مـا لـم يتوَّج ربُّه بخلاقِ
والعلمُ إِن لم تكتنفهُ شمائلٌ .. تُعْليهِ كان مطيةَ الإِخفاقِ
والإسلام كان أكثر انتشاره بحسن الخلق، وأكثر من يسلم بسبب الخلق الحسن .
تم المحور الأول، وقد انتهى منه الشيخ عند تمام الساعة العاشرة والنصف ليلا .
ويليه المحور الثاني إن شاء الله تعالى ، وهو توجيهات للباحثين وطلاب الدراسات العليا .
■ خلاصة المحور الثاني
● المحور الثاني : توجيهات للباحثين وطلبة الدراسات العليا
○ كل طالب في المرحلة الجامعية يحتاج إلى ممارسة البحث .
○ وكما أن الممارسة والواقعية هما الأساس في الخطابة والحج مثلا ، فكذلك البحث العلمي ، لا ينفع في ذلك التنظير فقط .
فأنفع طريقة هي الممارسة بحيث يكون البحث جزءا من الحياة.
● أهم القضايا في البحث العلمي
○ وضوح الهدف والغاية من البحث العلمي لتكامل الرؤية.
وقد حدد ابن حزم أهداف التأليف فقال :
( التآليف المستحقة للذكر: التي تدخل تحت الاقسام السبعة التي لا يؤلف عاقل عالم الا في أحدها، وهي:
1. اما شيء يخترعه لم يسبق اليه.
2. أو شيء ناقص يتمه.
3. أو شيء مستغلق يشرحه.
4. أو شيء طويل يختصره دون ان يخل بشيء من معانيه.
5. أو شيء متفرق يجمعه.
6. أو شيء مختلط يرتبه.
7. أو شيء أخطأ فيه صاحبه يصلحه ).
1. الإبداع :
كان شيخنا أ.د. أكرم ضياء العمري يستنكر كلمة الإبداع في التأليف في العلوم الشرعية، ويقول : ما فيه إبداع .
وعبارته في كتابه (تعليقة في منهج البحث): ( ما الإبداع العلمي إلا في ترتيب الأفكار ).
نعم. قد يكون الإبداع نسبيا، وقد قال ابن مالك في مقدمة شرح الكافية الشافية: ( وإذا كانت العلومُ مِنَحاً إلهية ومواهبَ اختصاصيةً، فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف ).
2. تكميل الناقص :
 مثل كتاب المجموع للنووي أراد السبكي أن يكمله فتوفي قبل الإتمام، ثم شرع البلقيني في تكميله فتوفي قبل الإتمام، ثم كمله بعض المعاصرين.
وكثير من الكتب المفقودة وجدت أو بعضها في بطون كتب أخرى ، فيكون ذلك تكميلا لما نقص من المؤلفات المفقودة أو فقد بعضها .
3. إيضاح المجمل :
مثل كتب الشروح، فوضيفة الشارح : فك العبارة المستغلقة، وبيان المعنى الخفي، وتوضيح المراد بذكر الأدلة وتحليلها ودفع الاعتراضات.
4. تهذيب المطول :
وذلك باختصار الألفاظ مع الحفاظ على المقاصد الأصلية للكتاب ، وأمثلة الكتب المختصرة من كتب أخرى كثيرة جدا في كل الفنون.
5. جمع المتفرق :
مثل الكتب المؤلفة بعنوان: مرويات فلان ، أو آراء فلان ، ونحو ذلك فهي جمع لأشياء متفرقة يجمعها أصل واحد أو معنى واحد أو مقصود واحد .
6. ترتيب المختلط :
كترتيب صحيح ابن حبان على الأبواب الفقهية، وترتيب بعض المعاجم على الترتيب الألفبائي المعهود عند المعاصرين، خصوصا ترتيب ما وضع منها على شكل غريب مثل العين للخليل وتهذيب اللغة للأزهري.
7. إصلاح الخطأ :
وفرق كبير في هذا بين المتقدمين والمعاصرين؛ فالمقصود عند المتقدمين تصحيح المعلومة ونقد الأفكار دون جرح الشخص بعينه.
ومن أمثلة ذلك عند المتقدمين كتاب إصلاح غلط أبي عبيد لابن قتيبة.
● مما يحتاجه البحث العلمي
○ شروط مسمى البحث العلمي
1. الصياغة بلغة علمية وبالمصطلحات العلمية لا بلغة مسترذلة ولا بلغة الصحافة.
2. الرغبة في الإنتاج؛ فإن هذا يدفع الباحث إلى الإنجاز والإتقان.
3. بيئة مشجعة وزمن ملائم ومصادر متوفرة.
فبيئة الركود والجهل تعلمك الخمول، وبيئة النشاط والعلم تعلمك الإنجاز والإبداع.
والواحد يستغرب لما يقارن بين التأليف عند المعاصرين والتأليف عند المتقدمين، فالمتقدمون يكتبون الكتب الكبار في وقت قصير، أما المعاصر فيجلس أربع سنوات ليؤلف 200 صفحة !
4. تحديد المادة العلمية
ﻷن تحديد المقصود يصحح العمل ويقومه ويصوب وجهته.
5. المهارة في البحث
وهذه نقطة حساسة جدا، وهي من أهم النقاط الفاصلة التي تحتاج إلى الممارسة والتجربة، وهي التي تؤهل الباحث للإنتاج والتميز.
والمهارات المطلوب توفرها في الباحث منها:
-1- مهارة ربط الأفكار وتسلسلها وترتيبها وتهذيبها بعد جمعها.
ومما يساعد على ذلك: هضم المعلومات بالقراءة الواعية المستوعبة قبل جمعها وتقميشها.
مثلا : الباحث محمد إسحاق كندو، قرأ فتح الباري ثلاث مرات قبل أن يختار موضوعه : الآراء العقدية لابن حجر من خلال فتح الباري. وهذا أخبرني الباحث نفسه شفاهة، وكان زميلا لي في الجامعة، وكان موهوبا متميزا.
ومما يساعد على ذلك أيضا: أخذ الوقت الكافي وعدم الاستعجال.
فمثلا كتاب الدر المصون للسمين الحلبي، أفضل كتاب صنف في إعراب القران، وقال فيه ابن خلكان: أجل ما صنف في هذا الباب. بل قال عنه مؤلفه إنه حصيلة عمره.
هذا الكتاب حققه الشيخ الخراط في عشرين سنة.
وله فصة عجيبة وهي أنه قبل صدوره سرق منه وأصدرت طبعات مسروقة، حتى وصلت القضية إلى التحاكم وقضي للشيخ، ثم صدرت الطبعة الشرعية فكان المشايخ يحذرون الطلاب من الرجوع إلى الطبعات المسروقة والنقل منها .
وقد فصل الشيخ الخراط هذه القصة في المجلد الحادي عشر من الكتاب: الدر المصون.
-2- مهارة استخدام التقنية الحديثة
فإن هذه التقنية توفر لك وقتا كثيرا وتوفر عليك جهدا كبيرا.
ومن الأمثلة الدالة على عظم نعمة التقنية:
ان الدكتور عبد العزيز القاري عميد كلية القران، كان يشرف على الرسائل فكان ينسى كثيرا فقد يترك الرسالة في مكان ما فتضيع !
وقد حدث ذلك للباحث حامد العلي فضاعت رسالته بعدما سلمها للشيخ ولم يستبق صورة منها، وابتدأ رسالة أخرى . وقد كنت أحترز ذلك عندما أشرف علي الشيخ عبد العزيز، فكنت أصور الأوراق قبل تقديمها للشيخ.
وقديما كانت الرسالة تكتب باليد ثم تكتب بالآلة الكاتبة، وهي لا تختلف كثيرا عن الكتابة باليد ﻷنه إذا أخطات في شيء تحتاج إلى مزيل لتصحيحه .
والآن سهل الله أجهزة الكمبيوتر المرنة، ويمكن أن تحفظ بحثك في أماكن كثيرة حتى لو ضاعت الرسالة المطبوعة لا ينقص من بحثك شيء.
-3- مهارة التعامل مع المصادر 
فينبغي لطالب العلم الاعتناء بكتب العلم والتعرف عليها، بحيث يستطيع أن يستحضر في ذهنه مظنة كل معلومة يريد تسجيلها.
ولا بد مم معرفة المصادر الأصيلة في كل فن، في المذاهب الفقهية، في شروح الحديث، في التراجم والمعاجم، وغير ذلك من فنون العلم .
-4- مهارة وضع خطة البحث مع حسن ترتيبها وربطها
فمن استقامت له طريقة وضع الخطة استاقم له ما بعده.
وأنصحكم – للمتخصصين في الفقه وأصوله خصوصا ولغيرهم عموما – بكتب الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان التي كتبها في البحث العلمي .
ومن أهم كتبه :
– منهج البحث في الفقه الإسلامي خصائصه ونقائصه.
– منهج البحث في أصول الفقه
فهما كتابان جميلان جدا أتمنى وجود أمثالهما في بقية تخصصات الدراسات الإسلامية الأخرى.
● عوائق البحث العلمي :
العوائق التي تؤثر في الباحث تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
1. عوائق شخصية:
وهي ترجع إلى حياة الباحث.
منها: وجود الباحث مع أهله وأولاده والانشغال بهم، فإن هذا يشوش قانون تداعي المعلومات؛ ﻷن تداعي المعلومات يحتاج إلى الهدوء وخلو البال من الشواغل، فينبغي الاعتناء بالجو الهادئ عند كتابة البحث العلمي.
ومنها: الانشغال بالكسب وتحصيل القوت عند ضيق المعيشة. وقد قيل قديما: ابن الفقير لا يتعلم .
2. عوائق مؤسسية:
وهي أمور ترجع إلى المؤسسة التي يعمل فيها الباحث أو ينتسب إليها.
فالمؤسسة قد تضيع عليك الوقت، كالمعلم المبتلى بكثرة الحصص فوق النصاب المعقول.
وقد تجبرك المؤسسة على الكتابة في موضوع مع عدم وجود الرغبة في نفسك، فهذا عائق عن تجويد البحث.
3. عوائق مجمتعية:
وهي أمور ترجع إلى الناس الذين تعيش بينهم والبيئة التي تقيم فيها.
فإذا كان المجتمع لا يقدر مكانة الباحث ولا يهتم به مع تكريمه للغمغنيات واللاعبين، فلا شك أن ذلك يجرح نفس الباحث ويؤثر في همته فلا يتشجع، وقد لا يصبر على الانعزال أو التغافل.
وعندما تفقد موهبة الإبداع المكان الصالح لها، تموت في نفس الباحث .
● أخيرا، أوصيكم ونفسي بالتأمل في الكلام الجميل الذي رواه الخطيب البغدادي في كتابه المبارك (اقتضاء العلم العمل)، عن الإمام الزاهد معروف الكرخي قال:
( إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا فتح له باب الجدل وأغلق عنه باب العمل ).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبهذا تمت محاضرة الشيخ عند الساعة الحادية عشرة والربع من ليلة الجمعة 20 ربيع الثاني 1437
جزى الله الشيخ خيرا كثيرا، وبارك فيه وفي علمه وعمله، ونفعنا الله بعلمه، ووفقنا لأحسن الطرق.
قيده : حسن بن المعلم داود السليماني، عفا الله عنه وعن والديه وعن مشايخه وجميع المسلمين.

 

المصدر: موقع مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

التعليقات مغلقة