الدعوة والاحتساب بالقدوة الحسنة – د. آدم إبراهيمي

baxthi logo  القدوة: اسم من اقتدى إذا فعل مثل فعله وتابعه وتأسى به(1)، والمقصود به هنا: أن يكون المحتسِب مثلاً أعلى لمن يحتس عليهم في جميع أحوله.

  يكون المحتسب قدوة حسنة إذا قام بامتثال ما أمر الله به ورسوله من الأقوال الظاهرة والباطنة، وباجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يتصف بالأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، والسريرة السليمة، والرحمة الواضحة، وأن يُعرف بلين الجانب، وكف الأذى، وبذل الندى، وإغاثة الملهوف، ودوام ذكر الله تعالى، والاشتغال به عن غيره.

  إن ذكر القدوة والأسوة بالصالحين متضافرة في القرآن، قال تعالى:{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}[الأنعام:٩٠]، أي:(بطريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده، والأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة، اعمل)(2)، وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه}[الآية: ٤]، وقال تعالى:{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}[الأحزاب:٢١]، قال الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى-:(هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله)(3).

  إذا كان الداعي جميل السيرة، عاملاً بما يأمر به، مُنتهياً عما ينهى عنه لا يلقى تعباً كبيراً في استمالة قلوب المدعوين، وكسب طاعتهم، وصرفهم عن المنكرات قال تعالى:{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}[هود: ٨٨]، وينجو من معرة مخالفة العمل للقول المذكور في قول الله تعالى:{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}[البقرة: ٤٤].

  إن إتيان الداعي والمحتسِب للبر، والمبادرة إليه يَحمل المدعوَ إلى الاستجابة السريعة، وفعل المأمور بدون تردد ولا تأخُّر، ويكون أبلغ من القول في كثير من الأحيان، يشهد لذلك ما رواه كل من المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، قال: فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيلحقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً(4)، قال ابن بطال:(ففي هذه من الفقه أن الفعل أقوى من القول)(5).

  إن المتأمل لهذه الحادثة الفذة؛ ليدرك أن القدوة أبلغ من الكلمات، وأن الأفعال أرسخ من الأقوال، وأن كثيراً من أسباب إخفاقنا في الاحتساب ما هو إلا مخالفة الفِعال للأقوال المعسولة الـمُنمَّقة الخالية عن التطبيق، الفارغة عن الأداء، أو وقوعنا فيما نُحذِّر منه ليل نهار، ونَسْرُد من أجله النصوص الشرعية، والحِكَم الفريدة.

  وفي أول الإسلام كان يُسْلم زعيمُ القوم ورئيسُهم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل سيرته الحسنة، وسجاياه النبيلة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما عندك يا ثمامة)، فقال عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنْعِم  تُنْعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد فقال: (ما عندك يا ثمامة)، فقال: ما قلت لك: إن تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة)، فقال: عندي ما قلت لك، فقال: (أطلقوا ثمامة)، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد: والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دِين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحبَّ دين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت(6)، قال: لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة  حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم (7).

  فإسلام ثمامة ابن أثال كان سببه الرئيسي- بعد توفيق الله تعالى- ما لمسه من رسول الله صلى الله عليه وسلم- مدة ثلاثة أيام- من الصفات الطيبة، والأخلاق الكريمة، والسجايا العظيمة، والتواضع، وكرم النفس، ولين الجانب، والرحمة بأصحابه، وتقديره لهم، فانعكس ذلك عليه، فأظهر إسلامه، وجهر بحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نقل هذا الإسلام إلى صناديد قريش وعظمائها، وجهر بإيمانه واستسلامه لربه، وإتباعه لدعوة خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، بل أعلن الحرب الاقتصادي عليهم،  وأنه سيمنعهم حنطة اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  هذه هي القدوة الحسنة، والأسوة الحقيقية، والمثل الذي ينبغي أن يُحتذى به، أثمر إيماناً ظاهراً، ويقيماً ثابتاً، ونصراً للإسلام، وسنداً لأهله وأتباعه، ورفعاً لراية التوحيد والإيمان، وإغاظة لأهل الشرك والأوثان، وكسراً لشوكتهم، وتضييقاً لأرزاقهم ومِيْرَتِهم، وإسلام أهل اليمامة بإسلام رئيسهم وزعيمهم.

  وعليه يجب على الداعي أن يكون قدوة لغيره في كل مجال من مجالات الحياة، وأن يكون مثلاً أعلى في العلم والتقوى والصبر والرحمة وغيرها؛ فإذا حصل هذا فحريٌ بدعوته أن تنجح، وباحتسابه أن يُقبل.

______________________________________________

(1) ينظر: الصحاح للجوهري (7/ 309)، والتوقيف على مهمات التعاريف(ص: 577)، والمصباح المنير (255)].

(2) محاسن التأويل محمد جمال الدين القاسمي(6/2401).

(3) تفسير ابن كثير (3/621).

(4) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (2/974) رقم (2581).

(5) شرح صحيح البخاري لابن بطال علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي (8/133).

(6) كان المشركون يقولون للرجل إذا أسلم في زمان النبي عليه السلام : قد صبأ فلان.[غريب الحديث لأبي عبيد ابن سلام(1/245)].

(7) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال (4/1589) رقم (4114)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه (3/1386)، رقم (1764).

التعليقات مغلقة