العلم والعمل معا / بقلم الاستاذ:منير شيخ عبد الله الحاج عبده

بسم الله الرحمن الرحيم

علمبين العلم والعمل تلازم سهل لمن وفق، وصعب المرتقى لدى آخرين، كالعلاقة بين القول والفعل، أو النطرية والتطبيق حسب لسان العصر،فقد يحسن الانسان تحصيل العلم  بدرجات عالية، ويحفظ مجلدات  وأسفارا عن ظهر قلب، وينال إجازات أوشهادات علمية، والمحك الحقيقي في العمل والتطبيق، فقد يحصل المرء الصفر أو أدني من ذلك عند أول جلسة تطبيقية أو فعلية.

 فالمسافة بين القول والفعل قد تتباعد عندالكثيرين وتلك عين المصيبة في العالم الاسلامي، وقد يجمع العلم والعمل أقوام وقليل ماهم كماهو المشاهد، ولو تدبرنا القرآن الكريم لوجدنا أهمية العلم والعمل معا، فالعلم بلا عمل والقول بلا فعل يحذرنا الله كثيرا ومرارا في آي عديدة (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة:41، وعند مخاطبة أهل الايمان يكون العمل بالصالح مقرونا (إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات)، وبالمثل قد حاول البعض العمل بغير علم فأهلك نفسه وغيره، وتخبّط تخبّط الأعشى، فالعلم مطلوب قبل القول والفعل، ولوضربنا الأمثلة استقصاء لمن خالف علمه عمله لاستطال المقال، فقد ترى عالما أنفق زهرة عمره بالعلم وأصقع آذان المستمعين بالدعوة إلى القيم والأخلاق الحميدة،  يفشل عند ما يحلّ دوره، ويحسّ أن الأمثل ليس في صالح هواه، كان يدعو سابقا إلى الوئام وترك التدابر والتباغض والحسد وحبّ الإيثار والتنازل، فعند ما يرى قرينه أو تلميذه حاز قصب السبق في المضمار، وأصبح المجلى والباقي الوراء، وحظي متابعة الجماهير وكثرة معجبيه، يبدأ العالم المتعالم بتوجيه النبال، وكيل الشتائم والقذائف على المختار، ونسي ما كان يدعو إليه من زمان، و قد يلوى عنق النصوص ليحتال، لايستطيع طيّ هواه بالعمل، وكيّ نفسه بالرقائق، و كأنه لايدري أن الحاسد ابن إبليس أول حاسد في الكون كمافي قصة أبينا آدم عليه السلام، وصِنعته سمة المغضوب عليهم لأنكار نبوة المصطفى بعد ما جاءهم العلم بغيا.

عند ضيق اليد والحال المستور يتشدد البعض في مفهوم المال من طرق الكسب ووجوه الانفاق، ويجرّم الصور الكثيرة في المعاملات المالية ويجعلها في قائمة البيوع المنهية، بعدئذ يبسط الله الرزق للعالم المتعالم ويفهم نظرية التداول والربح والخسارة والعرض والطلب، وقد يصبح ذا سهم في الشركات، فعندئذ يبدأ في التحايل وجمع الرخص الفقهية والفتاوى الشاذة وغير الشاذة، وينبذ وراء ظهره شعاره المفضل قديما” الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب”، ونسي ما كان يدعو اليه سابقا من التورع عند الكسب والإسرار عند الإنفاق، وذمّ البخل والبخيل، والابتعاد عن فتنة المال، وأن التجار فجار إلا من اتقي وصدق وبرّ كما في الأثر، إنها المحك والمختبر وتظهر حقيقة حبّ المرء إما الحق والعمل به أو الدرهم واقتنائه.

 إن اختيار العرض الأدنى وبيع المبادئ بحفنة من المال بعد تعلّم العلم سمة من سمات أهل الكتاب كما قال تعالى: (فخلف  مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ). الاعراف:170،

في الاجتماعيات من يرفع صوته ويعج عقيرته كأن قوله نابع من الجنان وهو من اللسان فقط، يتحدث عن الكفاءة بين المسلمين والمسلمات ومساوات طبقاتهم عند التزاوج، فقد يغترّ بعض الناس بصيحته وإعلانه الموجه للعامة لا نفس الواعظ، ولكن ينكشف الغبار عند أول خِطبة-بكسر الخاء.

في المسموعات أو المرئيات سجل عن الواعظ آلاف من المحاضرات حول الأسرة والأولاد، والحقوق والواجبات بين الشريكين فقد يسقط القناع عند التصادم والشقاق تراه يظلم القوارير ويضيع الاطفال ، فيتعجب العامي والمشاهد، ويدرك الفرق بين القائل والفاعل، ومفعول الأعراف والعادات على التديّن.

  وقديما قال المتنبي: ( الخيل والليل والبيــداء تعرفنــــي*** والسيف والرمح والقرطاس و القلم)

فعند المواجهة بين وبين قاتله الذي وضع كمينا له همّ أن ينسحب ويفرّ إلا أن غلامه ذكّره قوله الفائت  فـــثبت شاعر الناس وشاغل الدنيا  فقاتل وقتل .

خير العلم ما قاد إلى العمل وإلا ضرره أكبر من نفعه، وشره أكثر من بركته * فجمال العلم إصلاح العمل

فالجاهل قد يعذر لجهله، أما المتعالم  فكما قال صاحب الزبد:

 فعالم بعلمه لم يعملن ***معذب من قبل عباد الوثن

ويروي أهل التراجم والسير وصية أم الإمام سفيان الثوري له، قالت أم سفيان الثوري لسفيان: “يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك من مغزلي. يا بني، إذا كتبت عشرة أحاديث -وفي رواية: عشرة أحرف- فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك؟ فإن لم تَرَ ذلك فاعلم أنه يضرك ولا ينفعك”.

   يالها من وصية  عظيمة، وصية في غاية الروعة، من أمّ حنون وحكيمة!

وفي وصية الألبيري لابنه :

إِذا ما لَم يُفِدكَ العِلمُ خَيراً  ** فَخَيرٌ مِنهُ أَن لَو قَد جَهِلتا

وَإِن أَلقاكَ فَهمُكَ في مَهاوٍ** فَلَيتَكَ ثُمَّ لَيتَكَ ما فَهِمتا

في البلاد اليوم  ثورة علمية مباركة، عمت المدن والقرى، فالمدارس والمعاهد والجامعات منتشرة في ربوع البلد أكثر من أي زمن مضى، والمساجد والحلقات العلمية معمورة في المدن الكبيرة، ودفعات التخرج والحفلات تتابع وتتوالى يوما بعد يوم، ومع ذلك عجلة الإصلاح تتباطؤ، وحمامة السلام والوئام لم تنزل بعد، ومقياس الفوضى في ازدياد، مما يوحي أن ثمر ة العلم-العمل- لم تنضج، وأن الأساس في اعوجاج خطير قد ينهار البنيان على بانيه، والدار على ساكنيها.

مما أثر عن الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه الحكمة البالغة، والوصية الذهبية فقال: “هتف العلم بالعمل فإن أجابه و إلا ارتحل”

فعلم بلا عمل لا ينفع، وقد ورد من النبي صلى الله عليه وسلم التعوذ منه: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع”  

جعلني الله وإياكم من العاملين بما تعلموا، والسائلين بما جهلوا، والصالحين في أنفسهم المصلحين لمجتمعهم.

 

 

 

 

التعليقات مغلقة