العنف التربوي في الثقافة الصومالية …! – عبد الوهاب محمد رشيد

qalimلا أعتقد أنني سأحيط بمشكلة  العنف التربوي في مقال واحد ، تشخيصا ، وتحليلا ، ومعالجة ،ولست من أرباب هذا المجال لأتكلم عن دقائقه وتفاصيله ،  إلا أنني أريد فقط من خلال هذا الطرح تسليط الضوء على  العنف التربوي أشكاله وألوانه  في المجتمع الصومالي ، لاسيما في الكتاتيبوالمدارس ،وأعتقد أن العنفلعب دورا كبيرا في تخريب البلاد وتدهور الأحوال .

العنف عندنا رديف الإنسان من فترة ما قبل الولادة ، فالرجل يعاشر زوجه بفظاظة وغلظة بالغة ، ويأتي الولد في ظل تلك الظروف العنيفة ، ويتربى بالعنف ، ويذهب إلى الـ دوجسي [1]”  فيرى ما يفوق العنفالأسري ، ويخرج إلى المجتمع فيجدهم تمثال للعنف ، فعلام نلوم هذا الجيل المتوحش ؟! ؟!

لو عدت بذاكرتي فإنني لا أنتهي من سرد مشاهد عاصرتها تنبئ عن مدى انتشار العنففي الأوساط الصومالية ، مع أني أعتبر نفسي الأقل خبرة من بين الصوماليين في هذه القضية ،     وأنسى تلك المشاهد المريرة عندما أسمع إلى الآخرين ، أحدهم يقول :

أنه عاصر موت طفل على يد معلم القرآن ، بعد ضرب مبرح .
وآخر يقول أن شقيقه مصاب إلى يومه هذا بألم في رأسه لا ينفك منه بسبب معلمه القرآن الذي عاقبه ذات يوم ثلاث ساعات متتاليات ، ذهبت بصحة عمره .

ومن المشاهد ما انتشر قبل فترة  على المواقع الإخبارية  ، أن طفلا مات بيد زوج أمه بعد أن أوسعه ضربا ، علما بأن هذا الطفل ليس إلا ابن عمي ، تابعت قضيته عن كثب ، هذا لتعلموا مدى صحة الخبر ، وأنه ليس من القيل والقال .

وإن أنسى فلا أنسى أبدا ما عانينا من قبل بعض المعلمين في صغرنا ، وأجزم في يومي هذا أن ضرب بعض المعلمين لنا أو معاقبتهم لم تكن تهدف إلى التأديب أبدا ، فكنا نُضرب ضربا مبرحا لأنا لا نقرأ القرآن بذلك الصوت الذي يسمعه الجار العاشر ، أو لأنا نلتفتُ أثناء القراءة ، وكنا نجلس الساعات لقراءة القرآن بصوت تبح من إثرها الحناجر ، ونحن متربعون ووجوهنا  نحو الجــدران ، والشيخ من ورائنا يحمل أنبوبا ، أو سلكا سميكا ، أو ربما هراوة غليظة ، فإن تنحنحتَ أو سعلتَ أو التفتَ إلى ورائك ، فهذا يعني أنك  لن تنام الليلة على ظهرك ،ولا على جنبك ولا قائما ولا قاعدا ، فبأي ذنب يضرب طفل إلى هذا الحد ؟!

ثم إني دون أي مزايدة أو مبالغة ، أقول بأني شهدت إغماء ابن خالتي بعد ضرب دام لساعات من قبل معلم متوحش ، لأنه لم يستطيع أن يقرأ سورة الفجر بالتجويد ، وهذا لثقل لسانه ، علما بأنه كان قد تربى بداية طفولته في الغرب ، ولم يدرس الدراسة الأساسية كما يفعل أطفال الصومال، وما أكمل شهرا في وجودها معنا بعد عودته من “لندن” وعندما أقول : “أغمي عليه ” فإنني والله أعني بذلك الإغماء الحقيقي الذي يُفقد الشخص الوعي تماما ، والغريب في هذه القضية أن أحد أقاربنا وهو من كبار السن “شارك في ضرب الولد لأنه حاول أن يقاوم الأستاذ ، فكان يساند ذلك المعلم المشئوم ، وصار الناس يلومون الولد ويعاتبونه بأنه قاوم معلمه وهذه يعتبر من الجرائم العظمى  في ثقافة شعبنا المبارك وما على المعلم ملام..!

ولو قلت في هذا الصدد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف طفلا في حياته أبدا ، وهو قدوة المسلمين ، وأسوة الصالحين ، حينها أكون قد شبهت التبر بالتبن ، وفي المقابل  أطفالنا ليسوا كأنس بن مالك رضي الله عنه حتى لا يعنفوا ، ولست أدافع عن الأطفال ،ولا أبرر أخطائهم ، ولا أزعم أنهم لا يخطئون ، حاشىوخطأ الأطفال وارد ولا شك ، بل الخطأ في تصرفاتهم هو الأصل ، لأنهم في فترة التعلم ، ولكن ما أفعله هو فقط مقارنة بين الذنب الذي اقترفه الطفل ،  والعقاب الذي سيعاني منه  ، وعلى هذا الأساس أبني انتقاداتي .

وقد يقول قائل أنه يجب استعمال الترغيب والترهيب معا في ما يتعلق بتعليم الأطفال ، وأنا أتفق معه في هذا ، لكن هل فعلا ما يحدث هو مجرد ترهيب ؟! ثم أين الترغيب في أسلوب المعلمين عندنا ، إذ أنني لم أصادف معلما قط في حياة الطفولة رغبني أو جازاني بعد إنجاز سواء قولا أو فعلا غير معلم واحد أعطاني 500 شلن صومالي  ،”ويعلم الله مدى فرحتي بهذا يومئذ ” علما بأني تتلمذت على يد ما يجاوز العشرين من المعلمين خلال تنقلاتي بين المدن أو الأحياء في تجربتي مع الـ “دوجسي “، ولا يمكن أني لم أنجز إلا  ذلك اليوم  فقط  خلال ما يقارب عقدا من الزمن أو يزيد قليلا  .

ولا أنكر أن فيهم أفاضل ومن لا أزال أحمل لهم بالغ الاحترام ، وأعرف أن لهم باع في علوم القرآن ، لكني لو قلت بأن ثقافة الترغيب في بلادنا منعدمة فأظنني قد فقعت عين الصواب  دونما مبالغة ، بخلاف الترهيب الذي تفننوا فيه  وأبدعوا ، وأذكر أن أحد معلمينا كان له حفرة بجانب الـ “دوجسي ”  يرمي فيها من أخطأ أو ساء تصرفه من الطلاب ، بغض النظر عن ذلك الخطأ ثم يغطيه بصفيح من حديد ليبقى مدة بهذه الحالة ، ولا يمكن أن طفلا لم يبلغ الحلم يجرم جرما يستحق به الدفن ولو بهذا الشكل .


وعندما أتكلم عن العنفالجسدي فهذا بطبيعة الحال يعني أن العنف النفسي ليس من الممكن حصره في نماذج لكثرة انتشاره ،ولضيق المجال ، والغريب أنه مع هذا فإن المجتمع لا يبدي أي اعتراض أو ضجر من تلك المشاهد التي يعايشها  صباح مساء ، بل إن أول ما يقوله الأب للمعلم عندما يأتي بولده للمدرسة أو الـ “الدوجسي ” قولهم الشائع : “لك اللحم تفعل به ما تشاء ولنا العظم بعدك مما يعني : بإمكانك ضرب الطفل ولو أدى هذا إلى انعدام جلده حتى ولو جردته عن لحمه ، وإن لم يتأدب بعد ذلك فسوف أكسر عظامه ، وكان هذا هو القانون المطبق في هذا المجال  .
ونهج المعلمين في الألقاب كنهج العرب الأعراب أيام الجاهلية في التسمي بالأسماء المخيفة ، ومن النماذج في هذا أنني انضممت إلى مدرسة فتحت في حينها كنا أول من ينتسبون  إليها ، فقال جارنا والذي كان يشرف على هذا “الدوجسي “: هل تعلمون اسم معلمكم ، قلنا : لا فقال : اسمه ”  [2] macalin basbaas “وهذه هي بداية العنف  .

على كل فكما أخبرتكم أنني لا أستطيع أن أحصر مجال الحديث عن العنف التربوي في الصومالسواء كان ذلك العنفجسديا ، أو نفسيا ،أو غير ذلك من ألوان العنف ، ولكن أطرح عليكم المشكلة ، لعلنا نجد منكم العلاج المناسب ، ولعلي أطيل النفس في هذه القضية في أطروحات أخرى ، ويجدر أن أقول في نهاية المقالة  بأن تلك التي ذكرتها مساو في محيط  المحاسن ، وإنما انتقادي هذا فقط لتفادي الخلل ، ومجانبة العلل ، وأرجو ذلك بتوفيق الله ..

هوامش:


[1] هي كلمة صومالية تعني الكتاتيب وهي أماكن خصصت فقط لحفظ القرآن وهذا منتشر في الصومالوما من صومالي إلا وقد درس فيها  وعرفها ..!

 [2] – يقابل ذلك في العربية من حيث المعنى “المعلم الشرس” .

عدد التعليقات 2

  • أبو روضة الأثري السلفيقال:

    جزى اللكاتب خيرا على هذه الإلماعة التربوية.
    وأنتهز الفرصة هنا للتنبيه على خطأ دارج فليس العنف للتربية، ولا تصح النسبة إلى التربية بتاتا، وإنما العنف إنساني لكنه يحدث في الأوساط التربوية والمؤسسات التربوية، كالأسرة والمدرسة والرفاق وأماكن اللعب وما إلى ذلك،

    • مصطفى شيخ محمودقال:

      أولا أشكر أخي الكاتب عبدالوهاب على موضوعه الرائع وقد بذل جهدا في الحديث عن العنف عموما في المجتمع الصومالي …
      أضم صوتي لصوت الأخ أبو روضة فيما يتعلق بنسبة العنف إلى التربية ,,, وإنما يقال برايي الشخصي العنف في المجتمع الصومالي أو العنف في التعليم عند الصوماليين إن رايتم ذلك …
      أشكر أخي أبو روضة على التوضيح .
      وللكاتب الحرية في أخذ الملحوظات على عين الإعتبار أم ردها …