القات ودواءه لدى المجتمع الصومالي.

بقلم الأستاذ/ منير شيخ عبد الله الحاج عبده.

وباء قديم وجديد حلّ في الصومال من  زمن بعيد، ولكنه اليوم أكثر ضرواوة وشرارة لكثرة نسبة المدمنين على النبتة  الخبيثة، والمستهلكين لهذه البضاعة المشؤومة، ـ وانتشر  في المناطق الحضرية والفيافي البعيدة، ويدمنه الشيوخ والشباب، والتجار والفقير وفي بعض المناطق العامي والعالم ،  اسمه يحمل السمّ فهو خبيث لفظا ومعني، فالقات باللغة الصومالية هو الهلاك  فهو هالك ومتلف كل شيئ  من الأنفس والأموال ـ وقد سمعت شيخا  من أهل البادية يقول: بأن القات أصبح يهلك الإبل-وهو أعز شي يملكه الصوماليون- حيث أصبح رعاة الإبل يدمنون القات فتضيع الأنعام فيفترسها السبع، أو يبيع الولد الراعي لأجل ديون القات  بدون علم الوالد.

وللقات أضرار جمّة في الفرد والمجتمع والأمة  نوجزها بالنقاط التالية:-

1- الحروب والدمار.

كثير من المليشات  والجنود يدمنون القات ولا يتقاضون رواتب شهرية  في أغلب الأحوال بل يشتغلون بالحزمة المشؤمة من القات، ويفتعلون حروبا وفتنا كثيرة لاستجلاب القات من رؤسائهم وقادتهم، ولذا أصبح الجنود غير منضبطين  فيسرقون وينهبون اموال الشعب ويسلبون ما في جيوب المواطن المسكين ليحصل  قات يومه وليس قوته، وهل الحواجز في الطرق  الا مصيبة من  مصائب القات، وكم من سائق او راكب قتل أو جرح بحثا عن لقمة القات.

2– انتشار الانحطاط الاخلاقي.

 يمكن القول بأن القات أمّ للخبائث  حيث ينتشر المنكر في مجالسه ونواديه المعدة لتناوله من كذب ونميمة واشاعة الاباطيل والمفتريات، واذكاء نار العداوة بين الأفراد أو القبائل، وفيها تخطط المؤامرات والمكائد، بالاضافة  إلى انتشار الدعارة والفاحشة في مقاهيه، وإصابة الأمراض الخطيرة لمرتاديها، وحتى الباعة الذين يبيعون القات ولا يأكلون فسدت أخلاقهم لمجاورتهم وتعاملهم الدائم مع مدمني القات وقد قيل من تجالس تجانس، ومن مكث مع قوم أربعين يوما عبد ما يعبدون.

3– الانفكاك الأسري وضياع الجيل الناشي.

    فمن المصائب  إذا كان أحد الوالدين يدمن القات ولا سيما الوالد المعيل للأسرة، حيث ينفق الدخل المتدني  اصلا بتحصيل حزمة القات بدلا من قوت عياله وتكاليف الأسرة، وقد اشتهر في فكاهاتهم قول الولد للوالدة : “يا أمي  احفظ الدقيق(البر) من الوالد فإنه يسرق من البيت ليدفع ثمن القات” ، فيبدأ التشاجر والاختلاف مما يهدد  تهديم كيان الأسرة، وضياع العيال وتركهم في تعاسة العيش وهم صغار، و قد ارتفعت نسبة الطلاق في الآونة الاخيرة  لذالك، وقلّ من يصبر من  الشريكات بمقاربة ذاك  السفيه المخّزن، والمبذّر المسرف وفي الحديث الشريف (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) .

4- إضاعة المال واهداره.

 ينفق الصوماليون مليارات الدولارات باستهلاك القات، ويستوردون من الدول المجاورة  مثل إثيوبيا وكينيا وهناك شركات طيران مخصصة لاستيراد القات، وأخرى تنقله عبر البر بالسيارات، ولها فروع في كل المدن والقرى، ويفوق عن  التوقعات  الملايين التي يدفعها  الصوماليون للدول المجاورة يوميا وليس شهريا، ولو انفق الصوماليون هذه الأموال لتعمير البلاد وسبل الرشاد  وإصلاح العباد  لأصبحوا في مصاف الدول المتقدمة، ولكنهم  اختاروا  طريق الدمار وقتلوا أنفسهم بيدهم لا بيد عمرو.

5- إرهاق الأنفس وإتلاف الممتلكات.

كم من قاتل  ومقتول بسبب ربطة القات، وكم من مسكين  داست به ناقلات  القات التي تسير بسرعة جنونية وكم من حادث مروع  سببه القات،  كل هذا أصبح واقعا لا مفر ّله للصوماليين في شتى المناطق والبقاع، وليس هناك سلطان يمنع أو عقل يردع،   كل هذا غيض من فيض وقد أجاد وأفاد الشاعر الحكيم أبشر بعدله وأوصل اضرار القات الى ما يقارب ستين  ضرراً في قافيته المشهورة والتي مطلعها   (Boqlaal qorshoo wada qabyo ah qaadaw adigaaa leh)

 

الدواء لهذا الداء القاتل والسمّ الناقع.

 ما من داء إلا له دواء كما في الأثر ولكن  بعض الناس يتأقلم مع الداء ويتعافى عن الدواء، والبعض الآخر يلتزم تتبع الطرق الناجعة فيسعد بالشفاء وينسى الشقاوة فكم من تائب عن تناول القات والمخدرات يحكي لك كيف غيّر سبل حياته من الأسوء إلى الأفضل، ومن هذا الدواء:-

أولا: توعية المجتمع  والجيل الجديد والقيام بدراسات محكّمة عن اضرر القات ونشر هذه الدراسة  على كلّ وسائل النشر ولا سيما المسموعة حتى يكون الناس على علم ليهلك من هلك  منهم على بيّنة  من أمرهم.

ثانيا : كتابة قصص الهلكى والمدمنين بالقات  مما يقزز الضمير الحر ليعتبر الناس  بالقصص  الواقعية المريرة التي يعانيها “المقيّلون” أو المخزنون وكثير من الغافلين. 

ثالثا : تشجيع الزمرة التائبة وتخصيص مكافئة مالية وجائزة  وتوفير  فرص عمل له ليبني حياته من جديد ويبتعد عن اصدقا ء أمسه، كيلا  يعود إلى الحضيض والتعاسة التي أنقذ ها الله منه، وليقتدي الباقون به، ومن قصص التائبين أن مدمنا للقات  كان قاطنا في نيروبي فأراد أن يذهب إلى  مزارع القات ليباشر بيده قطع الأغصان ، فلما ذهب إلى المزارع شاهد بعينه  عمال مزراع القات فرأى الدرن والأوساخ في ملا بسهم، والقيح والجروح في أجسادهم، فجثى بركبتيه  فقاء طيلة يومه وليلته وأقلع عن القات وحذر ندماءه وأقرانه.

 رابعا :- الاشتراط بعدم تناول القات والمخدرات  عند التقديم للعمل في الشركات ولدى قبول الجامعات لراغبيها والتأكد بالفحص  عن ذالك من العامل والمنتسب، وقد قام سلفا كثير من شركات الاتصالات والحوالة  بهذا الأمر مما أنقذ جيلا من الشباب وساهم في تو بة المدمنين والاقلاع عن المخدرات ، فهل تنتهج هذا المنهج القويم المؤسسات الحكومية؟وهل يمكن تطبيق ذاك على السياسيين والقادة ، في نظري  يمكن ذالك اذا كان القادة يريدون اصلاح البلاد والعباد

خامسا: الأسرة مسئولة في تربية الناشئ قبل الشارع والمدرسة   كما قال الشاعر:

وينتشأ ناشئ الفتيان منا ** على ما كان عوّده أبوه

فما دان الفتى بحجا     ** ولكن يعوه التدين أقربوه

 فمن الغرابة ان يمضع الوالد القات ويحاول ايضا ان يمنع القات من الولد والاقربين، وهذا قريب من المحال كما قال الشاعر

 لاتنه عن خلق وتأتي مثله ** عار عليك إذا فعلت عظبم

 فعلى الآباء أن يبعدوا أولادهم عن البيئة الفاسدة التي يسود فيها أكل القات وتناول المخدرات،

 وأن يمنعوا بناتهم من القران بالمدمنين قبل الندم بعد فوات الأوان.

سادسا: على الدعاة أن يبذلوا قصارى جهدهم في إرشاد الغافلين المدمنين للقات ويسجلوا زيارات دعوية  لمقاهي القات  وسوق باعة القات ( الوق- كبر له) وقد حازت جماعة التبليغ قصب السبق في ذاك الشأن فإنهم يقومون بجولات دعوية خصيصة  لنوادي القات وأسواقه، كما شاهدتُ.

سابعا : على الحكومة محاربة المخدرات وتقليل انتشار القات  لدى المجتمع إن لم تستطع منعه كما فعلت بعض الدول، ويمكن لها زيادة الضرائب حتى يصبح غاليا لا يمكن للطبقة الوسطى شراءه، بله الأدنى ، بالإضافة إلى تجريم تناوله في الأماكن العامة، وداخل أروقة المجالس الحكومية.

ثامنا: من الأدب الصومالي الرائع القصيدة القافية  للشاعر الحكيم  أبشر بعدله لذم القات وسرد اضراره العاجلة والأجلة ،  فعلى المسئولين في التربية والتعليم ادراج هذه القصيدة في المقررات الدراسية  والمناهج التعليمية  وعلى الأدباء تخميسها- ان صح التعبير- او معارضتها بالمثل ، وشرحها بإيراد الشواهد والأمثلة  في كل بيت من أبياتها   ويمكن ترجمتها للغات الحية في العالم ليعمّ النفع للمعمورة.

وعلى الأطباء  اثبات ذلك الأضرار بالتجربة الطبية ، ومناصحة المرضى بترك  تناول القات  فهو اصل كل داء.

 

عدد التعليقات 3

  • مصطفى شيخ محمودقال:

    هذا الداء الفتاك الذي أورد شعبنا المهالك وأذاقهم الويلات ,, كم نحتاج إلى باحثين يقومون بالتحذير من هذا الداء ويكتبون عنه مثل كاتبنا الفاضل …
    شكرا لك أخي الفاضل …

  • جزاك الله خيرا أخي الكاتب وأنا أضم صوتي إلى صوتك وأضرار هذا المخدر كثيرة جدا تبلغ المآءت لو أردنا نسرها فقد أذهب أموال المجتمع المسلم إلى أيد الكفار الذين يصدرونه إلينا من مزارعهم وأذهب صحتهم وكم كدر الحياةبين زوجين وفرق بينهماوإلى الله المشتكى وما أروع قصيدة الشيخ الشاعر أبشر بعدلي رحمه الله في وصفه وبيان أضراره.

  • جامع ياسينقال:

    هذا مقال نافع،وطيب،ينبغي الإكثار من أمثاله من المواضيع التي تعالج مشاكل المجتمع،وتداوي علله