المحظرة المورتانية تجربة رائدة تستحق الإشادة: للكاتب/ عبد الله علي محمد الصومالي

images (1)في ظل الحملة الدعوية المباركة والرامية الى تفعيل الدور الريادي للحلقات العلمية في الصومال يطيب لنا أن نقف على تجربة رائدة وفريدة من نوعها تأتي في هذا السياق وهي تجربة المحظرة المورتانية، وكلمة المحظرة قد تبدو غريبة وجديدة على الأسماع والأفهام، وقد لايعرف الكثيرون معناها ومغزاها، وخاصة من ليس له المام يذكر بثقافة وتاريخ بلاد الشنقيط، الا أن أغلبنا يعرف أن كلمة الشنقيطي ــ نسبة الى حاضرة شنقيط ــ أصبحت ترمز للعلم الغزير والحفظ العجيب نظرا للمرتبة العلمية المتميزة التي وصل اليها العلماء المورتانيون، ويذكر المتابعون لتاريخ وثقافة هذا البلد أن المكانة العلمية والنهضة الأدبية التي يتميز بها علماء هذا البلد ماهي الا حسنة من حسناة المحظرة، فالأسماء العلمية المعروفة في مورتانيا والعالم نشأت وترعرت في حضن هذه المحاظر، ومنها أخذت مادتها العلمية الرصينة، فماهي المحظرة التي تحظى وتتمتع بهذا القدر الرفيع من المكانة والتقدير؟.

المحظرة المفهوم والنشأة:-

قد لاتسع ولا تسمح لي الإمكانات المتاحة في خوض غمار البحث حول هذه الظاهرة الفريدة واعطائها حقها من الدراسة الوافية والمتأنية، الا أن ذالك لايمنعني من ايراد بعض الملاحظات السريعة والمختصرة من جملة من الدراسات حول هذا الموضوع، وقد تثير هذه الملاحظات فضولا معرفيا عند أحد الباحثين الجادين ومن ثم يندفع الى مزيد من البحث والإستقصاء فيمدنا بنتائج أجمل وفوائد أوسع مما يأتي ويرد في هذه المقالة السريعة المتواضعة، ولنترك ذالك الأمر للباحثين ولنبدأ بسرد قصة المصطلح وظروف نشأته

يذكر الباحثون في المسألة أنه واذا كانت البادية في بعض المجتمعات توصف بأنها نقيض الحضارة والتمدن الا أن ظاهرة المحظرة المورتانية التي نشأت وترعرت في أحضان مجتمع بدوي تضاهي وتنافس بازدهارها مؤسسات ثقافية ذات جدور عريقة في التمدن والحضارة مثل مؤسسة الأزهر وغيرها من المؤسسات الشبيهة

ويكمن سر هذه المنافسة أنه واذا كان المتخرج من بعض تلك المؤسسات العريقة يتخصص في فن معين من فنون العلم فإن المحظري المورتاني يأخذ من كل فن بطرف ليصبح موسوعة معارف متنقلة متقدما بذالك أمثاله من خريجي مؤسسات مجتمع التمدن العريقة!.

اختلف الباحثون حول الإشتقاق الأصلي لكلمة محظرة وحول جذرها اللغوي، الا أنهم اتفقو على مدلولها المعنوي وذكرو أن المحظرة عبارة عن “جامعة بدوية شعبية متنقلة تلقينية فردية التعلم طوعية الممارسة”، واتفقو على أنها “مؤسسة تعليمية حرة يتلقى الطلاب فيها مختلف العلوم الشرعية واللغوية على يد شيخ متقن”، ووفق بعض المنظرين تعني المحظرة “مدرسة قائمة على شيخ واحد يدرس فيها أغلب العلوم الشرعية واللغوية ويسهر عليها وعلى طلابها تعليما وتأديبا حسبة منه لوجه الله تعالى”، وهي “مؤسسة دراسية جامعة لشتات المعارف وقد تتسع دلالتها لتشمل كتاتيب القرآن ولكنها تنصرف غالبا في الإصطلاح الى المدارس التي يتلقى الطلبة فيها مختلف المعارف تدرجا من المستوى الإبتدائي وصولا الى المستوى العالي”.

 حين بدأ نزوح القبائل العربية الى مورتانيا قادمة من المغرب ابتداء من القرن العاشر الهجري وأحكمت سيطرتها على المنطقة اتخذت بعض هذه القبائل العلم سلاحا ومشغلا تسهر على حمايته وتمثله وعرفت تلك القبائل بـ “الزوايا”، وعلى يد هؤلاء تشكلت مؤسسات العلم الفريدة والمسماة بالمحاظر.

ويذكر الباحثون أن الطالب المحظري “يتميز بالقدرة الفائقة على الحفظ والتذكر اذ لا يخرج الطالب المحظري من المحظرة إلا بعد حفظ أمهات المتون المعروفة في الثقافة العربية والإسلامية ، ويدل الإنتاج الثقافي الضخم الذي خلفه خريجو المحاظر والذي يشمل كافة مناحي الثقافة العربية والإسلامية على مدى الازدهار الذي وصلت إليه المحظرة الشنقيطية” .

والوظيفة الأساسية للمحضرة تعتبر “نشر التعاليم والأخلاق الإسلامية بما يقتضيه ذلك من التركيز على ما يعرف بعلوم الغاية (القرآن والحديث والعقيدة والفقه)، غير أن استيعاب هذه العلوم يستدعي بالضرورة معرفة بعلوم الآلة، وخاصة العلوم اللغوية التي يتوقف على معرفتها فهم النص الديني من قرآن وسنة”.

النظام التعليمي للمحظرة:-

تنشأ المحظرة عادة في الأحياء البدوية ورغم أن المحظرة المورتانية تعتبر جامعة متكاملة بلافصول ولامدرجات الا أنها مجرد خيمة بدوية يجلس فيها طلاب العلم حول شيخ متقن ينهلون من ينبوع علمه الذي لايقتصر على القرآن وعلومه والفقه والفتاوى في شتى المذاهب والأحاديث فحسب بل يمتد ليشمل علم الفلك والحساب والطب.

والطالب في المحظرة متفرغ للعلم والتعلم حيث أن المحظرة تمتلك نظام اعاشة متكامل، وشيخ المحظرة أو المرابط كما يطلق عليه محليا يقوم بالإشراف على كل شؤون المحظرة مجانا دون مقابل، ويتم توفير النفقات التي تصرف في السكن والإعاشة في اطار تكافل وتعاون المحسنين من أبناء البلد، وفي الفترة الأخيرة بدأت الحكومة تغطي نفقات بعض المحاظر وتهتم بها أكثر من السابق وذالك بعد استحداث ادارة حكومية خاصة بـ “محو الأمية” ومن ضمن اختصاصها تنظيم المحاظر، هذا وتبدأ علاقة الطالب بالمحظرة منذ أن يستقيم لسانه، ويراعى مبدأ التدرج في تعليم الطلاب، ففي المحاظر يوجد تسلسل منطقي لتلقي العلوم يبدأ الطالب بالكتب الصغيرة والقصيرة أولا، ثم يدخل في التعمق بعد ذالك، وطالب المحظرة لايحتاج الكثير من الأغراض، عليه فقط اصطحاب لوح خشبي وقلم وحبر، ويكتب الطالب الدرس في اللوح، ثم يقوم بضبطه على الشيخ استعدادا لحفظه، ويلتزم الطالب بكتاب واحد حتى يكمله، وذالك بعد حفظه للقرآن الكريم، ويمنع في نظام المحظرة قراءة أكثر من كتاب وفن في ذات الفترة، ويبدأ الطالب في الفن المقرر بأسهل كتاب في الفن يكتبه في اللوح، ثم بعد ذالك يشرحه له الشيخ، ثم بعد ذالك يقوم بـ “التكرار” والمقصود به المراجعة، وذالك لثبيت المعارف وترسيخها، فقد شاع في المثل المورتاني “ألف قراءة للحفظ ومائة مرة للشرح”، فكأن الطالب يقرأ نص الدرس ألف مرة حتى يحفظه حفظا غير قابل للنسيان ثم يراجع معناه مائة مرة بعد ذالك!، متبعا في ذالك الطريقة التي ذكرناها آنفا (كتابة الدرسة، ثم حفظه، ثم قرائته على الشيخ ليشرحه جملة جملة)، وهذه الخطوات متلازمة ومترابطة ولايسمح بتجاوز أية واحدة منها في عرف المحظرة،” ويوزع الطلاب أحيانا إلى مجموعات باختيارهم تسمى المجموعة منها “الدولة”، تدرس كتابا من الكتب المعتمدة في المحظرة، وتقوم بالمراجعة الموحدة، ويتولى أحد الطلاب قراءة النص على الشيخ فقرة فقرة أو كلمة كلمة حسب المقتضى، ويفضل أن يكون أجود المجموعة، ويشرح الشيخ الدرس باللهجة المتداولة”، ويبدأ الطلاب بعد حفظ القرآن الكريم بدراسة علوم الآلة ويقصد بها “النحو والصرف والبيان وفنون اللغة الأخرى والمنطق ومبادئ الحساب” ثم يثني الطالب بعلوم الغاية وهي “علوم التفسير والحديث والفقه والعقائد”، “تبدأ حياة الطلاب في المحظرة قبل الصبح بساعة تقريبا، حيث يستيقظون ويوقدون نارا كبيرة ليراجعو على ضوئها، وفي ذالك الوقت يحفظون الدرس الجديد تحضيرا لعرضها على الشيخ، ويستمرون في ذالك حتى صلاة الصبح، فإذا صلو الصبح رجعو للمذاكرة أيضا وذالك حتى طلوع الشمس، وبعد طلوع الشمس بساعة يجلس الشيخ في مجلس علمه تحت الخيمة، وينحلق حوله الطلاب، ويقدم كل طالب درسه الذي حفظه سابقا، ويشرحه له الشيخ جملة جملة، ويبقى الشيخ في هذا المجلس حتى بعد صلاة الظهر لكثرة الطلاب عادة، وكل طالب حين يقرأ درسه يذهب الى أحد الطلاب المتقدمين فيكرر له المعنى كما فعل مع الشيخ وبعد ذالك يذهب هو ويكرر المعنى لنفسه حتى يتقنه جيدا، ثم بعد الظهر يأخذ لوحه ويكتب فيه درسا جديدا ليوم غد، وفي المساء يتفرغ الطلاب لاستذكار محفوظاتهم ومراجعة استشكالاتهم على الشيخ الذي يواصل بعد العصر للجلوس للتدريس لمن لم يدرس أول النهار، وبعد صلاة المغرب يجتمع الشيخ وطلابه أمام الخيمة في الهواء الطلق، ويتدارس معهم غرائب العلوم، ويسألهم عن عللها ويجيبون، وبعد أن يصلي الناس العشاء يقيم الطلاب سهرة الندوة الشعرية وهي طريقة مورتانية رائعة لإستعراض القوة في الحفظ حيث يقرأ مثلا أحد الطلاب بيتا من الشعر والحرف الأخير منه يجب على الآخر أن يأتي ببيت جديد يبدأ بنفس الحرف وحين يعجز أحد عن المجيئ ببيت شعر يخرج من لعبة الإستحضار والحفظ، ويتواصل الخروج، وقد يقترب الصبح أحيانا ولا زال في السباق عشرات وهكذا يطوي الطلاب يومهم في انتظار يوم جديد”

“وللمحظرة نظام تقويمي محكم يندرج من التقويم التكويني وهو تقويم مستمر في المحظرة يأخذ شكل اختبارات وتمرينات يختبر الطلاب بعضهم بعضا ويطلع الشيخ على سير هذا التقويم للإستفادة في رصد مستويات الطلاب، ثم يأتي بعد ذالك اختبار القافلة وهو أن يتعرض الطلاب للقوافل ويطلع العلماء بمهمة اختبار مستوياتهم العلمية ويمنح للناجحين من هذه الإمتحانات مكافأآت مستحقة ومقدرة، ثم يأتي بعد ذالك التقويم النهائي بعد انتهاء كل فن أوبعد الإنتهاء من كل الفنون وفيه يجسد الشيخ قراره بمنح الإجازة وهي نوعان اجازة مقيدة وتختص بفن واحد، واجازة مطلقة وتمنح للأفراد النابهين الذين استكملو جميع العلوم في المحظرة وأخذ كل ماعند الشيخ، وقد يؤسس هؤلاء محاظر جديدة”.

نماذج من خريجي المحاظر:-

العلامة الشيخ عبد الله ولد الشيخ المحفوظ بن بيه حفظه الله :

“ولد الشيخ سنة 1935 و هو أحد أكبر علماء السنة في هذا العصر تلقى علومه المحظرية في شنقيط و لعل ما بوأه هذه المكانة الآنفة الذكر أن أباه كان أحد أكبر علماء البلد آنذاك و قد درس على غيره من العلماء إلى أن أتى على كل ما يدرس هناك من الفنون شغل حقائب وزارية متعددة في بلده قبل أن يسافر لنشر دين الله و بث العلم في صدور الرجال .

يعتبر الشيخ حفظه الله عضوا فاعلا في الساحة الإسلامية فكريا و عمليا من خلال محاضراته و أنشطته و كتبه التي أضاف فيها إضافة معتبرة إلى المكتبة الإسلامية

 شارك في كثير من المؤتمرات العالمية و الدولية .

و هو يشغل الآن :

ـ رءيس المركز العالمي للتجديد و الترشيد في لندن بابريطانيا .

ـ نائب رءيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (استقال أخيرا من هذا المنصب) .

ـ عضو المجمع الفقهي الإسلامي .

ـ عضو المجلس الأوربي للإفتاء و البحوث .

ـ عضو في المجلس الإسلامي الأعلى للمساجد .

ـ عضو مؤتمر العالم الإسلامي ـ كراتشي .

ـ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن و السنة .

ألقاب و جوائز :

ـ حاصل على وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة .

ـ تم اختياره من قبل جامعة جورج تاون كواحد من أكثر 50 شخصية إسلامية تأثيرا لعام 2009 .

ـ فاز بلقب  ( أستاذ الجيل ) في جائزة الشباب العالمية لخدمة العمل الإسلامي في دورتها السابعة في دولة البحرين”.

العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو حفظه الله :

“ولد العلامة الشيخ الددو عام 1964 تلقى دروسه الأولى على يدي والدته التي كانت من كبار العلماء فحفظ القرآن و درس عليها مبادئ الفنون و أخذ عنها سندا في القراءات العشر لينتقل إلى محظرة جده الشيخ العلامة محمد على بن عبد الودود الذي صحبه إلى وفاته سنة ( 1401هــ ــ 1982م ) و حينها كان عمره 18 عاما و كان وقتها قد درس عليه كل العلوم و الفنون من حديث و تفسير و نحو و صرف و منطق و بيان فقه و أصول فقه و تاريخ و سير فأعطاه الإجازة المطلقة بالإفتاء و التدريس في المعقول والمنقول و روى عنه كتب الحديث عامة بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و بعد وفاة جده لزم أخواله الثلاثة و هم علماء أجلاء فنهل من معينهم كما سافر إلى السعودية للدراسة فحصل على درجة الماجستير هناك و لقد ذكر أنه زار حوالي أربعين دولة إسلامية ليستفيد و يفيد في تلك الرحلات فاشتهر ذكره

 له الكثير من الأنشطة كالندوات و المحاضرات و الدورات العلمية و الدروس القيمة في أرجاء العالم استفاد منها آلاف البشر بل الملايين .

ـ أنشأ في بلده مركز تكوين العلماء بموريتانيا و اختار له نخبة من المتخصصين الدكاترة و لفيفا من العلماء و خيار الطلبة

ـ عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .

ـ عضو المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي”.

وقد ذكر الشيخ مصطفى حاج اسماعيل هارون في الطاقات المهدرة ــ ان لم تخني الذاكرة ـــ أن الشيخ يحفظ عن ظهر قلب أربعون فنا من فنون العلم وهذا شيئ مذهل يستحق الإعجاب حقا.

عبدالله علي محمد الصومالي

Ibnucabbaas2005@hotmail.c

 

التعليقات مغلقة