تاريخ القضاء في الصومال – الشيخ طاهر محمود نور

قضاءالصومال: تعريف موجز

الصومال دولة عربية إسلامية سنية, تقع شمال شرقي إفريقيا أو ما يسمى بالقرن الإفريقي, يحدها خليج عدن شمالا, والمحيط الهندي شرقا, ودولة إثيوبيا غربا, وجيبوتي في الشمال الغربي، وكينيا في الجنوب الغربي.

نزل العرب المسلمون بسواحل الصومال في القرن السابع الميلادي واستقروا بها ونشروا الدين الإسلامي, ثم احتلها البريطانيون عام  1302هـ , وأنشئوا في الجزء الشمال منها محمية عُرفت باسم الصومال البريطآنى,كما احتلّها الايطاليون عام 1307هـ وانشئوا على ساحلها الشرقي محمية باسم الصومال الايطالي, وفي عام 1360هـ احتلّ البريطانيون الصومال الايطالي إلا أن الإيطاليين استعادوا سيطرتهم مرة أخرى على محميتهم عام 1370هـ. ثم اتحد الصومال الايطالي والصومال البريطاني وكوَّنا جمهورية الصومال المستقلة عام 1380هـ, برئاسة آدم عبد الله عثمان, وانضمت جمهورية الصومال إلى الأمم المتحدة عام 1380هـ, وإلى منظمة الدول الإفريقية عام 1383 هـ, وفي سنة 1394هـ, انضمت الصومال إلى جامعة الدول العربية واتخذت اللغة العربية لغة رسمية. يدين الشعب الصومال بالدين الإسلامي حيث تصل نسبة المسلمين إلى 100%, ويتبع غالبة سكانه المذهب الشافعي.

ومن المعروف تاريخيا أن أول هجرة إسلامية اتجهت إلى الساحل الشرقي لإفريقيا كانت على عهد النّبي _صلى الله عليه وسلم_ حينما خرج جعفر بن أبي طالب وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم من مكة إلى الحبشة, وكان ذلك قبل هجرة النّبي _ صلى الله عليه وسلم _من مكة إلى المدينة بنحو ثماني سنوات.

 

دور نشأة الدويلات الإسلامية في القضاء الشرعي

لا يوجد معلومات كثيرة متوفرة عن معالم القضاء في الصومال قديما إلا ما يمكن الالتماس به من خلال قيام دُولٍ إسلامية في الصومال كإمبراطورية زيلع التي كانت تحكم بالشريعة الإسلامية وتلجأ إلي القضاء الشرعي في فصل الخصومات بين الناس والتي تأسست خلال القرن السابع الهجري واتسع نفوذها بقوة في القرن الثالث عشر الميلادي فشملت مسافات ممتدة من خليج عدن إلى مدينة هرر وعرفت باسم إمبراطورية “عدل “.

وفي القرن السادس عشر الميلادي انتقلت عاصمة الإمبراطورية إلى هرر , وكان أشهر حكامها الإمام احمد بن إبراهيم ( 912_950هـ) الموافق (1506_1543م ) الذي نجح في اجتياح إثيوبيا, واضطر إمبراطور إثيوبيا أن يلجأ إلى الجبال بعد هزيمة قواته, واستعان بالبرتغالين الذين استطاعوا هزيمة قوات إمام إمبراطورية “عدل” مما أدي إلى نهاية الإمبراطورية. بعد زوال إمبراطورية عدل, صارت زيلع وغيرها من الأقاليم التي  كان يحكمها زعماء صوماليون تابعون لليمن وبالتالي أصبحت جزءا من الدولة العثمانية. وبالرغم من أن المناطق الساحلية كانت تحت حكم العثمانيين, إلا أن الأجزاء الداخلية كانت تحت حكم زعماء صوماليين، وكان القضاء أثناء حكم الإمبراطوريات الإسلامية  كإمبراطورية “عدل” وخلافة العثمانيين إسلاميا, وكانت المحاكم الشرعية منتشرة في مدن الصومال كلها, إلا أجزاء داخلية مستقلة تحت حكم زعماء صوماليين يحكمونهم بأعراف وعادات قبلية في جلّ القضايا ما عدا النكاح والطلاق.

التقاضي إلي العادات والأعراف

وبعد سقوط الإمبراطورية الإسلامية وانتهاء نفوذ الخلافة العثمانية أصبح البلد مقسما إلى أقاليم قبلية كل قبيلة تحكم بنفسها, وكان الدستور القضائي في تلك القبيلة ما وضعه واتفق عليه شيوخ العشائر من عادات وتقاليد, أما دور علماء الدّين فكان محصورا في النكاح والطلاق وتعليم النّاس بأمور العبادات, ولا شأن لهم في القضاء عموما إلا في حالات نادرة، وذلك مثلا إذا لم يحسم القضاء من قبل شيوخ العشائر ترفع القضية إلى علماء الدين ويسمّون هذه الحالة” القضاء العدائي” وهذا مخطط من قبل رؤساء العشائر لتنفير الناس من التحاكم إلى شرع الله وتصويره بأنه قضاء لا رحمة فيه، وأن الرحمة تكمن في الأعراف والعادات القبلية, والدافع لهم في ذالك إبقاء السلطة في أيديهم, واستمر الحال على هذا المنوال حتى جاء الاحتلال البريطاني والايطالي والفرنسي وطبّقوا عليهم قوانينهم إلا أنهم لم يتدخلوا في مسائل القضايا الشخصية مثل النكاح والطلاق والعبادات.

لم يكن هناك فرق من حيث المنظور الشرعي بين سلطة الاحتلال وسلطة العشائر في القضاء فكل منهم كان  يعتمد قضاؤه علي ما وضعه البشر من قوانين مكتوبة أو عرفية, إلى أن جاء عهد السيد محمد عبد لله حسن الذي جاهد وقاتل  ضد الاحتلال البريطاني ومن تحالف معهم من الأحباش وغيرهم في حقبة من الزمن بحركته المشهورة باسم ” الدراويش “. وقد أحيي السيد محمد عبد الله حسن سنة التحاكم إلي القضاء الشرعي في المناطق التي كانت تحت سيطرته إلا أنّه كان يؤاخذ عليه تشدّده في بعض المسائل القضائية. وبعد انهيار ثورته  جرَّاء قصف الطائرات البريطانية الحربية – لأول مرَّة في تاريخ إفريقيا – مواقعه عاد القضاء مرّة أخري إلى سلطات العشائر القبلية إلى أن قامت ما يعرف الآن بدولة الصومال المستقلة سنة 1960م.

 

القضاء ما بعد الاستقلال

هذه الحقبة تبدأ حينما استقل الصومال الإيطالي والصومال البريطاني وتم اتحادهما في 1380هـ, وكوّنا جمهورية الصومال, وتم انتخاب آدم عبد الله عثمان رئيسا للجمهورية الجديدة, وتم تأسيس جمهورية الصومال الديمقراطية المبنية علي التعددية الحزبية, وكان دور القضاء الشرعي محصورا في عدة قضايا كالنكاح والطلاق, وظل هذا الأمر سائدا حتّى عام 1389هـ حينما اختير محمد زياد بري رئيسا للمجلس الأعلى لقيادة الثوار بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام السابق ثم اختير هو فيما بعد رئيسا للجمهورية الصومالية, فأوقف العمل بالدستور وألغى الأحزاب السياسية, وأصبحت كل السلطات الحكومية في يده ويد مجلس ثورته.

وأما بالنسبة للقضاء العام فكانت المحكمة العليا هي أعلى سلطة قضائية في البلاد, وكانت تمارس سلطاتها القضائية في الأمور المدنية والإدارية، وفرض العقوبات في إطار الحقوق الدستورية”الديمقراطية”, وكانت هناك محاكم للأقاليم والمقاطعات, وكان جلّ الدستور وضعيا مما أدي إلى إصدار عدد من القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، كقانون إلغاء المواريث، والتسوية بين الرجل والمرأة في كل شيء حتى المواريث, ونتج عن ذالك اعتراض ثلة من العلماء تجاه هذه القوانين الوضعية مما أدي إلى إعدام عدد منهم –رحمهم الله- علي مرآي ومسمع من الشعب الصومالي.

وظل الأمر على تلك الحال حتى سقطت دولة الصومال  سنة 1991م  على أيدي جبهات قبلية فبعد سقوطها دخل البلد في حالة حروب دامية ذات طوابع مختلفة “القبلي الديني الإقليمي” انقسم البلد إلى دويلات وولايات شبه مستقلة كدويلة بونتلاند وصوماللاند …. ومناطق تخضع لجماعات ومليشيات إسلامية ولكل جهة من هذه الجهات لها نظامها الخاص بها.

 

محاكم القضاء بشكل عام

وبعد الاستقراء والتتبع  يبدوا أن الجهات القضائية التي يتحاكم الناس إليها في الصومال  تنحصر على ثلاثة أنواع:

 

أولاً: محاكم تابعة للسلطات المحلية وهذه المحاكم نفوذها ضعيف وأكثر الناس لا يتحاكمون إليها بسبب ضعفها وعدم قدرتها على تنفيذ أوامرها وقراراتها.

 

ثانيا: محاكم زعماء العشائر والقبائل: نستطيع أن نقول هي أقوي سلطة قضائية في الصومال, والزعماء هم الذين يفصلون بين القبائل  فيما اختلفوا فيه  سواء كان الأمر صلحا أو قصاصا أو دية أو غيرها, والناس ملزمون بقراراتهم وأوامرهم ويعتمد أكثر قضائهم علي الأعراف والتقاليد القبلية المتعارف عليها.

 

ثالثا: محاكم شرعية مستقلة اختيارية “نظام التحكيم الشخصي”: وهذا النوع من المحاكم يقوم عليها العلماء الشرعيون, ومعظم الناس يتحاكمون إليها بما تتمتع  من ثقة الناس وقضاء عادل معتمد على الشريعة الإسلامية. ليس لهذه المحاكم سلطة تنفيذية غير أن  الناس يتحاكمون إليها برضاهم،  ولا يفصل الحكم إلا برضا الطرفين. وليس لهذه المحاكم مبانٍ مخصصة في الغالب, ولا يتقاضي القائمون عليها رواتب من السلطات المحلية فلها إصدار الحكم الشرعي في القضايا المتنازع عليها وليس لها سلطة التنفيذ فهو متروك للطرفين.

 

مشكلات تواجه نظام القضاء في الصومال

في خلاصة القول هناك عقبات كثيرة ومشكلات عدة تواجه النظام القضائي في الصومال يمكن إيجازها في النقاط التالية:

1- فقدان سلطة قوية نافذة في الصومال مما أدي إلي جعل القضاء اسما  فقط.

2- الفوضى العامة وعدم الاستقرار مما حصل بسببه تعطيل المحاكم.

3- فقدان دراسة جدية توثّق وتمهد الطريق إلي إنشاء نظام قضائي فعال وقوي .

 

وفي الختام أوصي جميع المسلمين التحاكم إلي شريعة الله الغرّاء أوصي طلبة العلم والطلبة الصوماليين بصفة خاصة القيام بكتابة بحث مستقل عن معالم القضاء في الصومال يناقش العقبات التي تواجه ويطرح الحلول المناسبة لإيجاد نظام قضائي مستقل يعتمد علي الشريعة الإسلامية في فصل الخصومات وإرساء العدل بين الناس.

هذا، فما كان منّي من صواب فمن الله وحده  وما كان من خطأ  فمن نفسي والشيطان.

الشيخ طاهر محمود نور طالب في مرحلة الماجستير بكلية الشريعة قسم القضاء – الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

عدد التعليقات 3