رمضان فرصة لتهذيب النفوس الشيخ خضر طاهر سليمان

خضر 2 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

أحبتي في الله لا يخفى علينا فضل هذا الشهر الكريم, وما أعده الله تعالى للصائمين فيه من الثواب العظيم، فقد اختص الله تعالى لنفسه بثوابه وأضافه الى نفسه تشريفا لقدره وتعريفا بعظيم أجره كما جاء في حديث أبي هرير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخب، فإنْ سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه” رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث العظيم يدلنا على عظم الصوم ومكانته عند الله، لكن إخوتي الكرام ليس الصيام أن تمسك عن الأكل والشرب فقط، إنما الصيام صوم الجوارح عن الآثام، وصوم اللسان عن الغيبة والنميمة وفضول الكلام، وغض البصر عن النظر الى الحرام، وكف الأيدي عن أخذ الحطام، ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام، فالخلاصة أن الصوم أمانة فلا بد من حفظه حتى نجد ثمرته والأجر والثواب المترتب عليه من رب العالمين،

 وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته” رواه الخرائطي وحسن اسناده العراقي وقال ابن السبكي لم أجد له اسنادا.

  أيها الكرام إن الغاية الأولى من الصيام هي إعداد القلوب للتقوى والخشية من الله تعالى، “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”  فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب في هذا الشهر الكريم، والتقوى هي التي تحرس القلوب من إفساد الصوم بالمعصية،

 وهنا أحببت أن أشارككم في ذكر بعض الأمور التي تفسد الصوم أو تنقصه ويجب الاجتناب عنها، وبعضها انتشر في هذا الزمن انتشارا عظيما يعصب على المسلم الابتعاد عنها حتى في هذا الشهر الفضيل والله المستعان.

 فأولى هذه الأمور التي يجب على كل المسلمين عموما وعلى الصائمين خصوصا أن يتحلوا بها ويحفظوها، هي غض البصر عما حرم الله، وسأذكر ان شاء الله كل واحد من هذه الأمور بمقال قصير حتى يسهل على القراء قراءته، والله سبحانه اسأل التوفيق والسداد.

 أحبتي في الله إن غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله -عز وجل ــ مأمور به شرعا فقد قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن .) [النور: 30-31] .

فغض البصر أيها الكرام واجب شرعي أمر الله به المؤمنين والمؤمنات، وهو أدب نفسي واستعلاء على الرغبة وطهر للمشاعر، وارتفاع وعلو عن عدم الارتكاس إلى الدرك الحيواني الهابط، وإغلاق للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية ومن ثمراته حفظ الفرج.

فعن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عن نظرة الفجأة فقال: اصرف بصرك. رواه مسلم.

 وروي أن عيسى – عليه السلام- كان يقول: النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها خطيئة.

أخي المسلم: من أطلق طرفه كان كثيراً أسفه.

فحذار أخي الكريم  من فضول النظر فضلاً عن النظر إلى ما في التلفاز من فتن المارقات العاصيات، فجور وتكشّف وعري وتنزي كما تتنزى البهيمة، وما أكثرهن في هذا الشهر الفضيل تكشفن وتزين بكل أنواع الزينة ثم ظرهن أمام الملايين من البشر فتجدهن في كل القنوات الاخبارية والبرامج الرمضانية، وقد كثرت في هذا الشهر الفضيل مسلسلات هابطة فتن بها كثير من المسلمين والله المستعان، حتى جعلوا شهر العبادة شهرا يعصون الله بهذه القبائح.

لواحظنا تجني ولا علم عندها … وأنفسنا مأخوذة بالجرائر

ولم أر أغبى من نفوس عفائف … تصدق أخبار العيون الفواجر

ومن كانت الأجفان حُجّاب قلبه … أذِنّ على أحشائه بالفواقر

ولله در من يقول:

وأنا الذي اجتلب النية طرفه … فمن المطالب والقتيل القاتل.

أيها الاخوة في الله مما ينبغي للمسلم أن ينظر ويقرأ أخبار أناس مضوا كيف كانوا يخافون من إطلاق البصر وكيف كانوا يحفظونه,

 عن أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال: كان عندنا بالكوفة شاب متعبد لازم المسجد الجامع لا يكاد يفارقه، وكان حسن الوجه حسن القامة حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به وطال عليها ذلك، فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد فقالت له: يا فتى اسمع مني كلماتٍ أكلمك بها ثم اعمل ما شئت، فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله فقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها، فأطرق ملياً وقال لها: هذا موقف تهمة وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعاً، فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك ولكن -معاذ الله- أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم -معاشر العباد- على مثال القوارير أدنى شيء يعيبها، وجملة ما أقول لك: إن جوارحي كلها مشغولة بك فالله الله في أمري وأمرك، قال: فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي! فأخذ قرطاساً وكتب كتاباً ثم خرج من منزله وإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى الكتاب إليها ورجع إلى منزله، وكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: اعلمي أيتها المرأة أن الله -عزّ وجل- إذا عصاه العبد حلم، فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب فمن ذا يطيق غضبه، فإن كان ما ذكرت باطلاً فإني أذكرك يوماً تكون السماء فيه كالمهل، وتصير الجبال كالعهن، وتجثو الأم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري؟ وإن كان ما ذكرت حقاً فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة والأوجاع الممرضة ذلك الله رب العالمين فاقصديه بصدق المسألة، فإني مشغول عنك بقوله تعالى: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) [غافر: 18-19] فأين المهرب من هذه الآية؟!. ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها، فقالت: يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبداً إلا غداً بين يدي الله تعالى، ثم بكت بكاءً شديداً وقالت: أسأل لك الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك، ثم إنها تبعته وقالت: امتن عليّ بموعظة أحملها عنك وأوصيني بوصية أعمل عليها، فقال لها: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، وأذكرك قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) [الأنعام: 60] قال: فأطرقت وبكت بكاءً شديداً أشد من بكائها الأول، ثم إنها أفاقت ولزمت بيتها وأخذت في العبادة فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمداً، فكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي، فيقال له: مم بكاؤك وأنت قد أيأستها من نفسك؟ فيقول: إني قد ذبحت طمعها في أول أمرها، وجعلت قطيعتها ذخيرة لي عند الله تعالى، فأنا استحي منه أن استرد ذخيرة ادخرتها عنده تعالى”

هكذا كان الصالحون يحفظون بصرهم فحفظهم الله من الوقوع في الفتن، واليوم تساهل الكثير منا في هذا الأمر حتى لأكان الأمر من المباحات،

اللهم انا نسألك العمل بكتابك واتباع سنة نبيك والإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: خضر طاهر سليمان.

التعليقات مغلقة