علو الأمه في علو الهمة / الأستاذ : حمزة محمد جامع 

     علو الهمةبسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنشأ وبَرَا، وخلق الماء والثَّرى، وأبدع كل شيء ذَرَا، لا يغيب عن بصره دبيب النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن علمه ما عَنَّ وما طَرَا، اصطفى آدم ثم عفا عمَّا جرى، وابتعث نوحًا فبنى الفُلْك وسرى، ونجَّى الخليل من النار فصار حرها ثرى، ثم ابتلاه بذبح الولد فأدهش بصبره الورى: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ [الصافات: 102].

أحمده ما قُطِع نهارٌ بسيرٍ وليلٌ بسُرى، وأصلي على رسوله محمد المبعوث في أمِّ القُرى، وعلى أبي بكر صاحبه في الدار والغار بلا مِرَا، وعلى عمر المحدَّث عن سرِّه فهو بنور الله يرى، وعلى عثمان زوج ابنته ما كان حديثًا يُفترى، وعلى عليٍّ بحر العلوم وأَسَد الشَّرى، وعلى عمه العباس الرفيع القدر الشامخ الذُّرَى.

3- الحمد لله عالم السر والجهر، وقاصم الجبابرة بالعز والقهر، مُحْصي قطرات الماء وهو يجري في النهر، فضَّل بعض المخلوقات على بعض حتى أوقات الدهر: ﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]، فهو المتفرِّد بإيجاد خَلْقِه، المتوحِّد بإدرار رزقه

أما بعد

مما لا شك فيه أن سر عظمة المسلمين وخيريتهم وتفوقهم على الأمم : هي علو الهمة فصلاح الأمة علو الهمة .

وكم صنف المتقدم والمتأخر في بيان فضل علو الهمة  وشرفه والحث عليه ، والمقصود من كلامنا التالي إلقاء الضوء على قسيم العلم وشريكه في صناعة المجد ، وإحياء الأمة ، ألا وهي علو الهمة

ماهي علو الهمة ؟

معنى العلو لغةً:

العلوُّ مصدر من علا الشيءُ عُلُوًّا فهو عَليٌّ وعَلِيَ وتَعَلَّى،… ويقال: عَلا فلانٌ الجبل إذا رَقِيَه وعَلا فلان فلانًا إذا قَهَره، والعَليُّ الرَّفيعُ، وتَعالَى تَـرَفَّع، وأصل هذه المادة يدلُّ على السموِّ والارتفاع) .

معنى الهمَّة لغةً:

الهِمَّةُ: ما هَمَّ به من أمر ليفعله، تقول: إنه لعظيمُ الهَمِّ، وإِنه لَصغيرُ الهِمَّة، وإِنه لَبَعيدُ الهِمَّةِ والهَمَّةِ بالفتح   .

معنى علو الهمَّة اصطلاحًا:

الهمة في الاصطلاح هي:

 (توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق؛ لحصول الكمال له أو لغيره)  ) .

وأما علو الهمة فهو

(استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وطلب المراتب السامية)

وقال المناوي:

 (عظم الهمة عدم المبالاة بسعادة الدنيا وشقاوتها)  .

وقال الراغب الأصفهاني:

 (والكبير الهمة على الإطلاق: هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه، فلا يصير عبد رعاية بطنه، وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة) ) .

أهمية علو الهمة

أيها الأخوة المؤمنون :

علو الهمة من الصفات المهمة التي ينبغي ، بل يجب أن يتصف بها المؤمن ، الذي يريد الله والدار الآخرة ، فالمؤمن الصادق الحريص على دخول الجنة ، لا يكون إلا ذا همة عالية ، لا يعرف العجز ولا يألف الكسل ، ولذلك قال أحد الصالحين : همتك فاحفظها ، فإن الهمة مقدمة الأشياء ، فمن صلحت له همته وصدق فيها ، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال .

أيها الأخوة المؤمنون :

علو الهمة ، أمر مطلوب شرعا ، وفي ذلك يقول النبي في الحديث الصحيح عن أبي هريرة

الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجِزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ لوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَل فَإِنَّ لوْ تَفْتَحُ عَمَل الشَّيْطَانِ

ولكي ندرك ـ أيها الأخوة ـ أهمية علو الهمة ، وضرورة حرص المسلم عليها ، نتأمل قول النبي

في الحديث الذي رواه البخاري ـ رحمه الله ـ عن أبي هريرة ، يقول

: (( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ

فالجنة ـ أيها الأخوة ـ كما في هذا الحديث مائة درجة ، والنبي r يقول اسألوا الله الفردوس ، أفضل منزلة من منازل الجنة ، ففي هذا الحديث أشارة إلى أن يكون المسلم ذا همة عالية ، وأن لا يعجز عن العمل ، وأن يكون يومه أفضل من أمسه ، وغده بتخطيطه واحتسابه وعزيمته ، أفضل من يومه بإذن الله تعالى .

أيها الأخوة :

لقد أصيب كثير منا بضعف الهمم ، فصار المسلم تمر به السنون ، وتتوالى عليه الأيام والشهور والأعوام ، وهو على ماهو عليه من عمل ، فتجد أحدهم قد بلغ من العمر مابلغ ، وما زال لا يصلي الفجر مع الجماعة ، أو لا يحافظ على السنن الرواتب ، أو لا يعرف قيام الليل ، ولا يزال لم يحفظ شيئا من كتاب الله ، بل منهم من نسي حفظه ، حيث كان يحفظ شيئا من كتاب الله ، ولكنه لعدم مراجعته لضعف همته ، ومنهم من جعل كبر سنه مبررا له لترك الواجبات ، نسأل الله السلامة والعافية .

أيها الأخوة :

ضعف الهمة ، هو كارثة الأمة ، وهو سبب ضياع شوكتها ، وتداعي الأمم عليها ، لتمزيق وحدتها ، وتفريق كلمتها ، ونهب خيراتها ، وهو الأمر الذي حذر منه النبي في حديث ثوبان الصحيح ، حيث قال r : (( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا )) . فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ (( بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ )). فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ : (( حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) . فضعف الهمم كارثة الكوارث على المجتمع بل وعلى الأمة بأسرها .

وفي حديث آخر صحيح ، يقول الرسول

: (( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُم))

فهذا الأحاديث وغيرها تدل على أهمية علو الهمة

هذا ووصيتي لكل قارئي هذا المقال ان يتحلو بعلو الهم

وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة وبركاته 

أعده وكتبه حمزة محمد جامع طالب من طلاب الجامعة  شرق إفريقيا فرع عير جابو 

التعليقات مغلقة