ماينبغي … من التمدّح الى التمثّل

ماينبغي … من التمدّح الى التمثّل

في مرحلة الطفولة يقدم لنا الآباء في صورة رسائل تربوية جملة من المبادئ والقيم النبيلة التي ينبغي أن نتمثلها في حياتنا، وسرعان مانقارن بين مدلولات تلك الرسائل وبين سلوك من نعده مثلا وقدوة أعلى لنا في الحياة، وكثيرا مانصدم حين تأتي الرياح بمالا تشتهي السفن!، وذالك حينما نكتشف أن أغلب تلك المبادئ والقيم التي يحاول الآباء غرسها فينا لازالت قيم معلقة وأجنّة في رحم الشعارات، إذهي لم توظف بعد في حياة الناس، وحظ الناس منها هو التمدّح والتفّاخر بوجود أسمائها فقط لاغير، نستغرب حينها ونصاب بالتضجر، ولكن سرعان مايزول هذا الإستغراب وذاك التضجر عندما نتبرمج تلقائيا ومن ثم نسبح مع التيار بسلام!.

سيتكرر هذا المشهد كثيرا في مسيرة حياتنا الممتدة، سنسمع نفس المطالب تتكرر وبإلحاح في المسجد، وفي دور التعليم، وفي مجالس الصالحين، وفي وصايا الموصين!، ولكنه للأسف يرتحل أغلبنا من هذه الدار الفانية دون أن يهنأ بالعيش في ظل تلك المبادئ والقيم!.

إن هذا المشهد يوحي بعدة حقائق نذكرها كالتالي:-

  1. إن مجرد دعوة الناس الى فعل الخير سيكون قليل الفائدة إذا لم يعقبه جهود حثيثة لتهيئة الظروف التي تسمح بفعل الخير

  2. مشكلة المشاريع الدعوية هي أنها تقتصر دائما على طرح ماينبغي أن يكون عليه الناس كشعارات، دون الإلتفات الى ابداع الآليات والمناهج والخطط التي تحول تلك الشعارات الى برامج عملية واقعية.

  3. مازلنا نشعر أننا ما فتئنا نردد الى الآن ماكنا نطالب به الناس قبل عقود من السنين كالتحذير من القبلية مثلا!،والمشكلة هي أننا نتجاهل أن الأفكار الإصلاحية تفتقر دائما الى الآليات والبرامج التي تحولها الى واقع معاش، ونردد فقط التحذيرات والصيحات.

  4. إن خطاب الناس بما يجب أن يكون بعيدا عن معرفة الواقع – الذي يمكننا من وضع الآليات والخطط التي تحول تلك الشعارات الى برامج عملية – هو تبسيط للأمور، لأن طرح الشعارات والأمنيات من الأمور السهلة البسيطة، ولكن المشقة تكمن في وضع المؤشرات، وتحديد المراحل والإستراتيجيات، وهو مربط الفرس، ومنتهى المقصود والأمل.

  5. إن ظاهرة الفتور والإحباط التي تصيب أحيانا بعض الدعاة ماهي الا انعكاس سلبي من نتاج الفكر الإطلاقي الذي لا يعتبر بالواقع العملي، ويشتغل بالتباهي بالمبادئ والقيم النبيلة دون التفكير في تحويلها الى برامج عملية، وسرعان مايكتشف هذا الفكر أنه مازال يراوح ويدور في الفلك نفسه، وذالك بعد استفراغ الوقت والجهد، وهو مايولد اليأس والإحباط.

مالمطلوب عمليا؟

تحويل المثل (المبادئ والقيم) من مجرد التمدّح والتفاخر بوجود  أسمائها الى التمثّل بمضامينها وتوظيفها عمليا يحتاج الى عدة إجراءت نذكر منها مايلي:-

  1. البحث المعرفي حولها وتعميق السؤآل تحتها حتى الوصول الى قناعة جماهيرية تقرر أن وجودها في الحياة تعتبر مسألة حياة أو موت للمجتمع مما يجعلها تتعالى على كل المبررات.

  2. تهيئة الظروف الصالحة لغرس المثل في واقع الحياة والقضاء على كل المبررات التي قد تصبح عائقا أمام تنفيذها.

  3. بعد الحفر المعرفي الذي يعمق قناعتنا تجاه المثل سنصل الى البعد الإجرائي والذي بدوره يحول تلك القناعة الى خطط وأهداف وبرامج ومشاريع واقعية تحقق تلك القناعة على المستوى العملي.

  4. توفير نظام يضمن الحماية للمشاريع والبرامج التي تجسد المثل على الأرض.

  5. تحتاج ممارسة هذه الإجراءت الى ثقافة عملية موسعة كالإلمام بعلم التخطيط ، وفن صناعة الإستراتيجة، وغيرها من العلوم الإنسانية التي تعتبر ضرورية لفهم وإدارة الواقع.

وكتبه:Untitled-1

Abuujacfar8@hotmail.com

التعليقات مغلقة