مذكرات الحركة الإسلامية في الصومال برواية الشيخ عبد القادر نور فارح رحمه الله تعالى 4/10

sh. cabdiqaadirالاشتراكية طعنة خطيرة في عقيدة الأمة
تبنى نظام الثورة للفكر الاشتراكي، وقد مثل ذلك طعنة خطيرة في عقيدة الأمة، استفز كيانها، وأضر بها في أعز ما تملك، وهو عقيدتها وأخلاقها، ومما بقي في ذاكرتي قبل توجهنا إلى السعودية أنه في عام 1970م كان سياد يوجه خطابه السنوي في ذكرى الثورة للشعب الصومالي سرنا أنا وزميلي الشيخ يوسف من تري بيانو Three piano (أي العمارة ذات الطوابق الثلاثة وتقع في شارع مكة المكرمة في مقديشو) قاصدَينِ ميدان الجندي المجهول daljirka dahsoon بمقربة من دار البرلمان الصومالي السابق، حيث الخطبة وإعلان الاشتراكية. ارتسمت في ذاكرتي تلك الخطبة بكلماتها وعباراتها، وكأن صداها يرنُّ في أذني؛ لشدة اهتمامي بمتابعة ضلالات الثورة، وأثر ذلك على الدعوة وكنت قد قرأت كثيرا عن الشيوعية وخداع الشيوعيين للبلاد الإسلامية وبكائهم على “الإصلاح” و” التقدم” ولكن بمناهج مستوردة غريبة على عقيدة الأمة.
كان مما قال سياد برى في خطبته النارية: “تبنينا المبدأ الاشتراكي[1] وقد يتساءل البعض منكم ( والكلام لسياد برى): من أين لكم هذا ؟ لم نأت به من مصدر آخر، إنما أخذناه من دين الإسلام، وما جاء به النبي محمد (رضي الله عنه) ( كذا قال سياد ) فقد ثبت أنه في بعض غزواته ( والكلام ما زال له ) حين قل الزاد جمع ما عند الناس فخلط بعضه ببعض ثم قسمه بينهم”. ثم استطرد سياد حديثه قائلا:” قد يرد في أذهانكم تساؤل مشروع حول من يملك حق تفسير الاشتراكية للناس؟ أقول : يملك ذلك العلماء المتخصصون، ويملك ذلك أيضا العالم حقا المتبحر في الدين، أما وَداد حُومى Wadaad xume-أي رجل الدين المزيف- ضحل العلم فلا مكان له في تفسير الاشتراكية ومبادئها للناس” ( قال الشيخ: وهذه أول مرَّة يسمعها الناس لمصطلح وداد حمى) وهو فسَّره وقال : أعني بهذا الاسم من درس نتفا –أي قليلا- من الدين ثم يدعي: الاشتراكية والإسلام لا يلتقيان”.
المهم أن سياد برى أطلق هذه التهديدات؛ لأنه كان يستشعر معارضة من العلماء، وهو هنا يحاول أن يخدع الجماهير ليقول إن اشتراكيته من النوع المسمى بالاشتراكية الإسلامية.. وكان يقصد من وراء هذا-أيضا- أن يتدرج في فرض مبادئ الاشتراكية حتى لا ينفر الناس في البداية. وهو بهذا الكلام يزعم أنه توصل إلى خلطة مثالية عن طريق مزج الشيوعية بالإسلام.
ويتضح من ذلك أيضا أنَّ إعلان الاشتراكية عند سياد بري مرَّ بمرحلتين: المرحلة التي نادى بها الاشتراكية الإسلامية. والثانية هي المرحلة التي سماها بالاشتراكية العلمية، وهي اشتراكية لينين وماركس وأنجلز.
ففي ذكرى الثورة الخامسة سنة 1974م تقريبا أعلن سياد برى أن الاشتراكية شيء واحد وليست أنواعا متعددة، وقال: إن الاشتراكية التي تبنيناها هي الاشتراكية العلمية، وهي التي توارثها ماركس ولينين..( وهي في الحقيقة إنكار الغيب والوحي) وقال: عندما نصل إلى عام كذا وكذا ستقوى الاشتراكية وستتحقق كل الإنجازات التي وعدناها وستكون قوية. وسياد برى جعل من تطبيق ذلك إصداره لقانون الأسرة وسحق كل مَن عارضه، وكان يرى أن الخطورة الشديدة ستواجهه من رجال الدين والعلماء الكبار. .
بعد التخرج: أيام في النيجر
بعد تخرجنا من الجامعة الإسلامية مباشرة في منتصف عام 1974م انتدبتنا رئاسة الإفتاء إلى النيجر أنا وصديق عمري الشيخ يوسف للدعوة هناك.
وفي البداية رفض الرئيس النيجري وجودنا، واعتبر دخولنا أمرا غير شرعي، وأمر بإخراجنا فورا ولكن تدخلت الحكومة السعودية عبر إحدى سفاراتها الإفريقية؛ فمكثنا فيها قرابة شهرين تقريبا في ضيافة الملحق الديني في السفارة السعودية بالنيجر وأصله من النيجر ولكنه مولود في السعودية، وقد أساء معاملتنا، ولذلك كرهنا البقاء في النيجر، وعزمنا الانتقال إلى الصومال في أقرب فرصة، ونحن نعرف ما يحمله قرار الرجوع إلى الصومال من المخاطر لنا، في هذه المرحلة، فقد يكون الأمر مجازفة بحياتنا؛ فتخرجنا تزامن مع عنفوان الثورة الاشتراكية.
في هذه الأثناء كان محمد سياد بري رئيس منظمة الوحدة الإفريقية يقوم بجولة في أغلب البلدان الإفريقية حوالي 14 دولة على الأقل، وحين وصل إلى النيجر زرناه وسألَنا هل ترغبون البقاء في النيجر أم تريدون العودة إلى الصومال؟ فقلنا نريد العودة إلى بلادنا، وحينئذ استاء الرئيس النيجري، وركبنا الطائرة مع الوفد وكانت طائرة روسية، وخلال إحدى الرحلات وجدنا سياد برى جالسا بجانبنا فجأة! بعد أن تحرك من الجناح الأمامي المخصص له، وأخذ يجادلنا ويهددنا ويتوعد بالعقاب، واحتد مزاجه وبدأ يصيح قائلا : نعرفكم أنتم رجال دين سوء” وداد حمي”[2] أنتم أنجاس، حتى تجمع بعض الوزارء والحاشية حوله وهدأوه، وفهمنا فيما بعد أنه كان يقصد بذلك جس النبض لأن قرار تصفية العلماء كان يدور بداخله، وقد وضع الخطة من قبل.
بقينا بصحبته بضعة عشر يوما نتنقل معه في تلك البلدان الإفريقية، وفي كل رحلته بدا صارما يبشر بالاشتراكية بكل جهده وكأنها رسالة نذر حملها على عاتقه! وأذكر خطبته في توجو، وفي داهومي كان يتحدث طول الليلة يلقي الخطاب بالإنجليزية المكسرة، فيصفقون لكلامه بحرارة وهو يرغي ويزبد… وكانت تلك البلدان الإفريقية تعتبره زعيما ثوريا! على الأقل تجب مسايرته ومجاملته. أما هو فكان معجبا برأيه يخاطبهم من موضع الأستاذية. وبعد رجوعنا إلى مقديشو بأيام أصدر قانون الأسرة المشؤوم والذي عرف بـ ” حيرك قويسكا” يتزامن رجوعنا كذلك الجفاف المشهور ” دباطير” وأيضا بعد رجوع الطلاب من حملة محو الأمية بنشر الكتابة الصومالية في الأرياف والمناطق النائية.
وبعد رجوعي إلى مقديشو أذكر أنني اشتغلت في إحدى المحاكم مدة خمسة شهور بعد أن تلقيت دورة تدريبية، فأردت أن انتقل إلى وزارة التعليم فكتب إلى زميلي الشيخ عبد الله محمود عيسى الذي تقدم ذكره رسالة يحاول إثنائي عن القرار يقول في رسالته :” سمعت أنك تريد الانتقال من وزارة الجور إلى وزارة الانحلال، لا تفعل ذلك يا أخي” يريد بذلك وزارتي العدل ووزارة التعليم.
مأساة مقتل العلماء: جرأة خبيثة وتداعيات خطيرة
مقتل العلماء كان جرأة خبيثة من سياد بري، وكان هؤلاء العلماء الذين قتلوا عام 1975م لم يكونوا منتمين إلى الحركات الدعوية المعاصرة حتى إن أكبرهم الذي أبلى بلاء حسنا كان من رجال الطريقة الصالحية، وقد جاء من مدينة برعو شمال الصومال.
ما زالت صورة احتشاد الناس في ساحات مسجد المقام( مسجد الشيخ عبد القادر) عالقة بذهني، وكان للمسجد مكبرات خارجية للصوت، وحين تفاقم الأمر واشتد الهياج وانفلت الأمر جاءت الشرطة، وقطعت جميع مكبرات الصوت الخارجية، ورجال الشرطة لم يتعجلوا في البداية بل أصغوا إلى الكلمات وسجلوا ما كان يلقى من الخطب حتى تكون لديها الأدلة لإدانتهم، وبعد أن أنهوا كلماتهم اقتادتهم الشرطة ومعها الأشرطة التي سجلت فيها كلماتهم.
عرفت أن أحد هؤلاء العلماء وكان يسمى الشيخ موسى يوسف تحدث في مسجد “سيغالى ” يوم الجمعة بكلام موجز وسمعت أنه قال: اللهم إنك تعلم أننا والروس لسنا مشتركين في الدين ولا في التقاليد اللهم افتح بيننا وبينهم ” كان زاهدا لم يتزوج كان عمره لم يتجاوز آنذاك الأربعين[3].
كنا في مقدشو عند وقوع هذه الأحداث -وبعد تخرجنا – ولكننا أنا وزميلي يوسف لم نكن من الوجوه المعروفة في الساحة لكن من جانب آخر فإن سياد برى يعرفنا وقد توعدنا، وكان مما أعلن للصوماليين: إن الاشتراكية في سنة كذا ستحقق الإنجازات كاملة.
أنا وزميلي لم نكن من العلماء المعروفين في الساحة، ولم يكن لنا حضور قوي ووجاهة في المجتمع بعد، ولكن سياد برى عرفنا وبقينا في ذاكرته، ويتابع أحوالنا بعين فاحصة، وكان معه في سفره الذي أخذنا فيه معه في الطائرة محمد جبريل وهو رجل مخابرات قوي، وحين حدثت الاضطرابات احتاج إلى محاربة الدين بالدين نفسه بعد اعتقال الكثير من العلماء وزج بضع وعشرون منهم في سجن (لانتا بورو) ( موضع في محافظة شبيلي السفلي بين أفجويي وشلامبود) وصدور أحكام سجن على كثير منهم لسنوات طويلة دون أن يجد النظام حيثيات إدانة يحاكمون على أساسها سجن أكثرهم في ورشيخ ( مدينة قديمة على ساحل المحيط الهندي شرق مقديشو) أو بمكان سري آخر، سجنوهم في غرفتين ضيقتين فلا تسأل عن المعاناة وبعد شهور من السجن أطلقوا سراحهم .
وبما أن القضية كانت تتعلق بالدين احتيج إلى رجال دين من أصحاب العمائم يسوغون للنظام إجراءاته القمعية ضد معارضيه، ويصوِّرون الثوار من العلماء بأنهم فتَّانون يستحقون ما نالهم من العقاب بل أكثر.
في المحنة تم استنطاق أكثر العلماء لتحسس مواقفهم، ولم يكن هناك من تصدى ووقف موقفا حازما تجاه القضية. الشيخ محمد معلم كان من الأعلام البارزين، ووسط دائرة الضوء، وكان موظفا في دائرة الشئون الدينية من الوزارة يتقاضى مرتبا من الحكومة دعي إلى وسائل الإعلام – الإذاعة – ليتحدث إلى الجمهور فكان موقفا حرجا لم يتحدث كما أرادت الحكومة، ولم يبين الأمر للعامة بل سلك مسلك التورية، وتخلص من المحنة بذكاء، وكان حاله يقول: انج سعد فقد هلك سعيد.
قصتنا مع زعيم المخابرات
ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا ** إلا أنه من بلدة الكفر أنجاني.
أنا و زميلي الشيخ يوسف لم نزل في ذاكرة سياد برى – منذ أن اصطحبناه في الطائرة – فكان يبحث عنا ويسأل: من رأى هؤلاء الرجال – يعني أنا والشيخ يوسف– ويقول: “يجب إحضارهم” ونحن –يومئذ- أناس غير معروفين، وما زال يبحث عنا حتى أخبره رجل كان يعرفني من عشيرة وغرطع المريحانية فكلفه بالبحث عنا فورا، وفي نهاية المطاف عثر علينا فأخبرنا بأن محمد جبريل[4] يطلبنا حالا فجئناه على عجل وهو في ( فيات ) FIAT أنا و زميلي الشيخ يوسف فبدأ حديثه بقوله: لماذا فُقِدتم ؟ لماذا اختفيتم ؟ هل انضممتم إلى الشيوخ الثوار المعارضين للحكومة؟ فقلنا: لو كانت فينا هذه الرجولة لرأيتمونا(يعني في ساحة المواجهة) ثم ترجَّل معنا قليلا في الشارع وقال – ونحن في الطريق- اسمعوا مني إن الكبير (الرئيس) أرسلني إليكم، والدولة تبحث عن شباب – وكنا يومئذ شبابا– عندهم معرفة بالدين.. الناس تمايزوا إلى صنفين: صنف يؤيد الدولة وبرامجها وسياساتها، يقول الحقيقة عن الدين ويبين للناس خطأ من يعارض النظام ونحن نساعدهم في مقابل ذلك ونحمل لهم الوفاء (تذكر نحن يومئذ نتقلب في أحضان البطالة ليس بأيدينا شيء) وتابع جبريل حديثه قائلا: وأيضا هؤلاء يعملون مع الحكومة ويتحدثون إلى الناس في الإذاعة، ويُوظَّفون أيضا في وزارة العدل (عدة وظائف) ثم قال: “باختصار شديد هل أنتم ممن يعارضوننا أم أنتم مع الحكومة؟” فسبقت أنا إلى الحديث قائلا: “في البداية أؤكد لك أننا لسنا ضد الثورة –( قلتُ ذلك لأن السيف مصلت على رقابنا) وحين سمع قولي: نحن لسنا ضد الثورة ظنَّ أنني موافق؛ فدعا بسيارة أوتو أوتو كانت مارة في الطريق وقال: “اذهب بهم إلى دار الإذاعة … ” والحكومة في هذا اليوم أعلنت مظاهرات تؤيد إعدام العلماء غدا في ميدان عام .. ويا لهول الفاجعة! ويريدون أن يستخفوا بنا للتحدث عبر الأثير بعد ملأ أفواهنا بالحرام، يريدون أن نقول: “إن هؤلاء خارجون ومبطلون وكذا وكذا ” فقلت له: دعك عن طلب السيارة ليس الأمر بهذه السرعة .. المبادئ الاشتراكية نحن لا نرفضها ولا نعارض الحكومة ولكن …. كنا غائبين عن الوطن أربع سنوات كانت مبادئ الثورة تنتشر خلالها بين المجتمع، ومستوانا في فهمها ضعيف فضلا عن الدعوة إليها، وإذا تصدينا لنشرها وحالنا كما وصفت لك فربما أسأنا أكثر مما نصلح، ولذلك أرى أن العلماء الذين عايشوا الثورة وتلقوا الدروس الكافية مناسبون لمثل هذا العمل.. ” ثم قلت له ” ونحن سوف ننوي الالتحاق بـ (حلنى)[5] ( وكانت مدرسة لتخريج الإشتراكيين الثوريين) وربما نهتدي (!) ونتشرَّب المبادئ أكثر..!! ” الرجل حرَّك رأسه قائلا:” فهمت قصدك ( يعني أنك معارض للحكومة) ولكن اسمع أقول لك: إذا لم تكونوا معنا فوالله وبالله وتالله ستكونون حطب الحرب، فإياكم أن يصيب الرصاص صدوركم ..” .فقلت له: يا محمد، أطلعتك الأمر على حقيقته فإذا فهمته فهذا ما أريده، وإذا تصوَّرته على غير مرادي فأنت أعلم، فانصرفنا وهو يتهددنا بالويل.
—————- هوامش ———————–
1. في شهر يناير 1970 صدر من المجلس الأعلى للثورة الميثاق الثاني للثورة الذي يعلن بأن الجمهورية الصومالية الديمقراطية دولة اشتراكية وأنها اختارت نظام الاشتراكية العلمية هدفا منشودا لها بحل مشكلات التخلف الاقتصادي والاجتماعي التي يعاني منها شعبنا العزيز. [↩]
2. أي رجل دين مزيف، وكانت هذه التسمية جديدة على الصوماليين. [↩]
3. حادثة مقتل العلماء من أشهر الحوادث في تاريخ الصومل الحديث: وملخصها أن سياد برى خطب في الإستاذ الرياضي بمقديشو في 12/1/1975م بمناسبة يوم المرأة العالمي فقال:” أريد أن أخبركم بأن المجلس الأعلى للثورة قد توصل إلى قرارات تتعلق بمساواة الرجل بالمرأة من حيث الإرث، كان في الماضي إذا توفي رجل وترك ابنة واحدة، إنها كانت تأخذ نصف التركة والباقي إلى أشخاص لا حق لهم إطلاقا، أما اليوم وما بعد فالبنت الوحيدة تأخذ كل التركة، وأنها مساوية للولد في حالة وجوده، ولن يكون هناك ما يسمى بالنصف أو الثلث أو الربع….إلخ” وحين وصلت جرأة الحاكم إلى هذا الحد من استخفاف بالشعب في أغلى ما يملك، وهو الإسلام، قامت ثورة شعبية وهرع أفراد من الشعب إلى المساجد واعتصموا فيها منددين بتصرفات الحاكم، فأسرعت الحكومة قبل الانتشار فحاصرت قوات حكومية على مساجد العاصمة، واقتحم البوليس الرسمي والمتنكر المساجد حيث تم اعتقال العشرات، سحبوهم من المساجد، وانعقدت محكمة الأمن القومي كما كانت تسمى فأصدرت على عشرة من علماء الدين شنقا في يوم 22/01/1975م. (أحمد برخت ماح، ماذا يحدث في الصومال) [↩]
4. محمد جبريل ،، تاريخ مختصر عنه [↩]
5. كانت حلني مدرسة مشهورة للتجنيد ونشر أفكار الثورة.

التعليقات مغلقة