مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة / بقلم الشيخ عبد الرحمن أبوبكر عبد الرحمن

 

مفهومالحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى أله وصحبه أجمعين أمابعد:  فإن الله تعالى بعث رسوله بهذاالدين وبين في كتابه وفيما أوحاه لنبيه في السنة أصول الدين ومراتبه الذي يبني عليها.فجاءت النصوص مبينة أن هذاالدين أعمدته ثلاثة مراتب عظيمة تتفرع عنها سائر شرئع هذاالدين وهي :الإسلام والإيمان والإحسان.

 فهذا بحث في بيان مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة وهولمحة مؤجزة ,والذي دفعني للكتابة في هذاالباب مارأيته من مسيس الحاجة إلى بيان عقيدة السلف في الإيمان ,وقد زلت أقدام كثيرة من الفرق والجماعات ,وألتبست معالمه على بعض من ينتسب  إلى منهج أهل السنة والجماعة ,وقد بين أئمة السلف في هذا الجانب العقدي المهم في كتب الإعتقاد من المختصرات والمطؤلات إذ لا يكاد يخلو كتاب من كتبهم ,وقد أفرد بعضهم كتباخاصة في إبراز هذا الجانب المهم في باب الإعتقاد.

 تعريف الإيمان :—  الإيمان في اللغة:هو التصديق ,وهذا لتفسير ليس إجماعا كما إدعى البعض ,وقد رد شيخ الإسلام إبن تيمية من إدعى الإجماع من وجوه ,وبين أن تفسيره بالإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق, حيث قال((ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق ,والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الإنقياد)) الفتاوى 7/291  والإيمان في الشرع:قول باللسان,وإعتقاد بالجنان,وعمل بالجوارح والأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.وحكى هذا غير واحد من علماء السنة على ذالك منهم الإمام الشافعي وإسحاق بن راهويه والإمام البخاري وأبوعبيدة القاسم بن سلام وأبو عمر يوسف إبن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية الحراني وغيرهم.  قال الله تعالى:((ويزداد الذين أمنو إيمانا))  وقال النبي صلى الله عليه وسلم:((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه,فإن لم يستطع فبقلبه,وذالك أضعف الإيمان))راه مسلم.  فجعل صلى الله عليه وسلم عمل اليد ,وقول اللسان,وإعتقاد القلب من الإيمان.

 أقوال أهل السنه في حقيقة الإيمان الشرعي:-  يعتقد أهل السنة أن الإيمان إعتقاد بالقلب ,وقول باللسان,وعمل بالجوارح.  يقول الإمام أحمد رحمه الله:(( الإيمان قول وعمل,يزيد وينقص)) السنة لعبد الله بن أحمد1/303  ويقول الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله:((ومن مذهب أهل الحديث:أن الإيمان قول وعمل ومعرفة,يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية))عقيدة السلف ص/264  ويقول الإمام أبوبكر الإسماعيلي في وصف معتقد أهل السنة((ويقولون:إن الإيمان قول وعمل ومعرفة ,يزيد بالطاعة ,وينقص بالمعصية))إعتقاد أهل السنة ص/34  ويقول الإمام الشافعي رحمه الله :(( وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا:أن الإيمان قول وعمل ونية,لا يجزي واحد من الثلاثة عن الأخر…))أخرجه اللالكائي في شرح أصول إعتقاد أهل السنة 5/886-ونقل ايضا شيخ الإسلام في الفتاوى 7/209 ,887  ويقول الإمام  البخاري رحمه الله:((لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز,ومكة,والمدينة,والكوفة والبصرة,وواسط,وبغداد ,والشام ,ومصر,لقيتهم كرات ,قرنا بعد قرن ثم قرنا بعد قرن,فمارأيت واحد منهم يختلف في هذه الأشياء:ـأن الدين قول وعمل …))اخرجه اللالكائي في الإعتقاد1/173-174  ويقول الإمامان أبو زرعة وأبوحاتم الرازيان(أدركنا العلماء في جميع الأمصار:حجازا,وعراقا,وشاما,ويمنا,فكان من مذهبهم:أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص))المصدر نفسه 1/176   ويقول الإمام إبن بطال المالكي رحمه الله((مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها:أن الإيمان قول وعمل,يزيد وينقص,والحجة على زيادته ونقصانه,ما أورده البخاري في كتاب الله من ذكر الزيادة في الإيمان,وبيان ذالك أنه من لم تخصل له بذالك الزيادة,فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له))     ويقول الإمام الأجري:((إن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق,وهو تصديق بالقلب,وإقرار باللسان,وعمل بالجوارح)) الشريعة2/611  ويقول الإمام البغوي رحمه الله :((إتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء اهل السنة على أن الأعمال من الإيمان…وقالو:إن الإيمان قول وعمل وعقيدة,يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية)) شرح السنة للبغوي 1/78

 وخلاصة كلام أهل العلم رحمة الله عليهم……  أن الإيمان مركب من قول وعمل,والقول ينقسم الى قسمين: قول القلب وهو إعتقاد ما أخبر الله سبحانه وتعالى بنفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وكلامه ,وقول اللسان الإخبار عنه بذالك والدعوة إليه والذب عنه وتبين بطلان البدع المخالفة له والقيام بذكره وتبليغ أومره .  والمعنى الظاهر الذي لانجاة للعبد إلابه,وهوالتكلم بكلمة الإسلام وقال شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله (فأما الشهادتان إذالم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين وهو كافر ظاهرا وباطنا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها)الفتاوى 7/606  والعمل قسمان :عمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره,والخضوع وغير ذالك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح .  وعمل الجوارج كالصلاة والجهاد والإحسان ونحوذالك فإذازلت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله والمرجئة لا يدخلون عمل الجوارح عمل القلب وهذا غلط فإن عمل الجوارح لازم لعمل القلب وذكر هذا شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله في الفتاوى 7/556-556  

والإيمان عند أهل السنة يتألف من ثلاثة أجزاء ريئسية وهي:-  إعتقاد القلب ,وقول اللسان ,وعمل الجوارح,وهذه الأشياء الثلاثة تتفرع شعب الإيمان .  قال العلامة إبن القيم رحمه الله :((إن العبودية منقسمة على :القلب ,وللسان ,والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه)) مدارج السالكين 1/109  ويقول العلامة ابن حجر رحمه الله:(( وهذه الشعب تتفرع عن أعمال القلوب,وأعمال اللسان,وأعمال البدن)) الفتخ 1/53

 مسألة زيادة الإيمان ونقصانـــــه:  أجمع اهل العلم على زيادة الإيمان والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ,قال الله تعالى ((ويزداد الذين امنو إيمانا)) (ومازادهم إلا إيمانا وتسليما)  ومن أدلة على زيادة الإيمان ونقصانه في السنه المطهرة.  مارواه البخاري ومسلم  من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن,ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن …..)  ومن الأدلة أيضا – حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا(اكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا  )  والأدلة في هذا الباب كثيرة يصعب حصرها ونكتفي بهذا .

 وقد نقل الإجماع والإتفاق أئمة أهل السنة سلفا وخلفا أن الإيمان يزيد وينقص جمع كبير ,وهذاالقول هو مشهور عندهم   وهم تميزو سائر الفرق المنحرفة المعطلين لهذه المزية العظيمة .

 مسألة- الإستثناء فـــــي الإيمان:  الإستثناء في الإيمان يقصد به تعليق المشيئة وهو قول المؤمن أنامؤمن إن شاء الله ,وقد قال شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله (وأما الإستثناء في الإيمان ,بقول الرجل ,أنامؤمن إن شاء الله فالناس فيه على ثلاثة أقوال:-  .منهم من يوجبه  .ومنهم من يحرمه  .ومنهم من يجوز الأمرين,بإعتبارين وهو قول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة . إنتهى .  فالذين أوجبو بقول الإستثناء هم على خطإ وهم جمع من المتأخرين .  والذين حرمو هم المرجئة والجهمية ونحوهم ممن يجعلون الإيمان شيئا واحد ,وهم أيضا على خطإ وغير صواب .

 والقول الصحيح كما أشرنا انفا هو قول أهل السنة وأنه يجوز الإستثناء وهي أن يقول المؤمن أنا مؤمن إن شاء الله ,والإستثناء عند أهل السنة إنماهو في الأعمال لا في الأصل الإيمان والمقصود به عدم التزكية النفس الورود النهي عن ذالك كمافي قوله تعالى(فلاتزكو أنفسكم هو أعلم بمن إتقى)وأعلم أن الخلاف بين أهل السنة والماتريدية وغيرهم في مسالة الإستثناء إنما هو راجع للخلاف في حقيقة الإيمان.    

مسألة –الفرق بين الإيمان والإسلام:   الفرق بين لفظي الإيمان والإسلام يختلف معناهما بحسب الإفراد والإقتران القاعدة المعروفة عند أهل العلم (إذجتمعا تفرقا وإذا تفرقا إجتمعا) وأيضا أن من الأسماء مايكون شاملا لمسميات متعددة عند الإفراده وإطلاقه,فإذا قرن ذالك الإسم بغيره صار دالا على بعض المسميات ,والإسم المقرون به دال على باقيها مثلا –الفقير والمسكين فإذا أفرد احدهما دخل فيه كل من هو محتاج,وإذا قرن أحدهما بالأخر دل على الإسمين,وهكذا الإيمان والإسلام ,وذكر هذا جمهور أهل العلم من الفقهاء والمحدثين,ويدل على صحة ماذكرنا أن الني صلى الله عليه وسلك فسر الإيمان عند ذكره مفراد في حديث وفد بن عبد القيس بما فسره به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل ,وراجع في هذا جامع العلوم والحكم للحافظ إبن رجب الحنبلي رحمه الله,  ومن باب التنبيه لا عبرة بقول المرجئة الذين يرون أن الإسلام أفضل من الإيمان.

 هذ ما أردت  جمعه وأسال الله تبارك وتعالى  التوفيق والسداد ,وأن يثبتنا على الحق والهدى إنه ولي ذالك والقادر عليه فما كان من صواب فمن الله وماكان من خطإ فمن نفسي ومن الشيطان وصلى الله وسلم على نبينا محمد واله وصحبه أجمعين.  

عدد التعليقات 3

  • أبو نصرقال:

    باك الله فيك شيخنا عبدالرحمن على هذا البحث القيم وننتظر منك المزيد

  • سلمانقال:

    موضوع قيم ومهذب وبحث رائع قدم إلينا أخونا الشيخ عبدالرحمن أبو بكر -المعروف ب عبدالرحمن السعدي صاحب المقالات والبحوث القيمة ,بارك الله فيه وفي علم الشيخ

  • أحمد البكريقال:

    بحث أكثر من رائع وفيه تدل على الملكة العلمية للباحث الشيخ عبدالرحمن أبو بكر عبدالرحمن حقا كم إستفدنا هذا الشيخ وهو صاحب خلق ومزجته الأخلاق والتواضع وله العديد من المشاركات العلمية وله صفحة في الفيس بوك ,وهو أيضا المشرف العام على ملتقى أصول الفقه ,وصفحته في الفيس من هذا الربط/https://www.facebook.com/cabdiraxman.asicdi
    https://www.facebook.com/