هكذا ينبغي أن يكون …فضيلة الشيخ الدكتور محمود عبدالرحمن

هكذا ينبغي أن يكون

هكذا ينبغي أن يكون …

قرأت مقالا رائعا لفضيلة الشيخ الدكتور أحمد الحاج عبد الرحمن رحمه الله تحدث فيه عن دور العلماء في الصومال وقد ألفي الضوء علي جوانب مشرقة من الجهود المضنية التي بذلواها منذ أكثر من أربعة عقود. من خلال اطلاعي علي هذه المقالة شدَ انتباهي موقفان للشيخ يجب الوقوف عندهما وإشادتهما:

الأول أن الصحوة الإسلامية المنتشرة في الوسط الصومالي داخل الوطن وخارجه مما فرض أن تصبح بعض الشعائر الإسلامية كالحجاب وحفظ القرآن الكريم والالتزام الشخصي للتعاليم الدينية بشكل عام تلقي قبولا منقطع النظير لدي العامة والخاصة ولدي الموافق والمخالف جاءت بإذن الله نتيجة مباشرة للعمل الجبار الدعوي الذي قدَمه وتحمل عبئه هؤلاء العلماء الربانيون – هكذا نحسبهم والله حسيبهم – وأنه يجب أن نقر لهم هذا الفضل الكبير وتلكم المنزلة التي وضعهم الله ولا ننازعهم بحقهم.

الموقف الثاني هو الكشف عن الحقيقة الخفية بأنه لا صلة للعلماء من قريب أو بعيد بما طرأ مؤخرا في الساحة من سيلان أودية من دماء الشعب جرَاء العنف المسلحة من قبل فريق محسوب علي الإسلاميين وأن ذلك امتداد مباشر لتيارات فكرية نشأت كردة فعل للاضطهاد الممنهج الذي تعرض له الإسلاميون من قبل الحكومات الاستبدادية في العالم الإسلامي والعربي ومن فبل القوي الإمبريالية الغربية في عالم اليوم الأحادي القطب وفي خطم الحملة التي أطلق عليها “بالحرب علي الإرهاب” وليست نتيجة حتمية لقناعات عقدية ودينية صرفة – خير دليل علي ذلك المراجعات التي نسمعها من هنا وهناك من منظري تلك التيارات ربما دون تنسيق فيما بينهم وإنما مجرد وصول لقناعات دينية بعد تعقل دام فترة من الزمن وتجربة مريرة حصدت أرواح كثيرين منهم.

هذا وأنه بالرغم من العمل الدعوي الكبير وتربية أجيال بأكملها بيد العلماء في الصومال إلا أن دورهم لا ينبغي أن يكون قاصرا علي زرع البذور فحسب بل يجب أن يتعدي إلي حماية الثمار الناتجة من الفساد و الضياع بعد بدو صلاحها. نعم ما نراه اليوم في جميع مناطق الصومال (ما عدا الجنوب) من حلقات علمية ودورات تربوية وندوات دعوية وجولات إرشادية يرجع فضلها إلي العلماء و الدعاة غير أن ذلك لا يعفيهم  من تحمل  جزء كبير من تبعات الأزمة الصومالية الحالية و من مشاركة حقيقية لإيجاد حل ناجع للخروج من دوامة العنف نظرا للوجود القوي و السائد للإسلاميين في كل قطاعات المجتمع من مؤسسات تعليمية وشركات تجارية ما يجعلهم هم المسيطرين علي المجال التعليمي و الاقتصادي كما أن لهم يدا طولي في السياسة مؤخرا.

أري أن دور العلماء ينبغي ألا يكون مقتصرا علي التفرج خارج اللعبة يعاتبون المنظمات الإقليمية و الدولية التي تتاجر بالقضية الصومالية أو يتذمرون بعدم دعوتهم بالمشاركة في المؤتمرات التي تنظمها تلك المنظمات بين حين وآخر بل لابد وأن يأخذوا هم بزمام المبادرة وأن يقوموا هم بتخطيط و إدارة و عقد تلك المؤتمرات إن كانت صلحيه أو سياسية فهم أهلها وأولى بها من غيرهم. إن الاجتماع التمهيدي الذي تم عقده مؤخرا في دولة قطر كان خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح ينبغي الانطلاق منها بصورة جدية وفعالة كما ننتظر بشغف الخطوات التالية حسب ما جاء في بيانها الختامي وأرجو ألا يطول الانتظار فإن الشيء إذا تأخر عن وقته المناسب تنتهي صلاحيته أو قد يأتي بنتائج عكسية غير مرغوبة. و من هنا أناشد العلماء بالسعي حثيثا إلي استرجاع حجمهم الحقيقي وكسب الثقة من الشعب وألا يترقبوا من أحد لدعوتهم للمصالحة وترتيب البيت الداخلي لأمتهم.

الأمر الغريب هو الغياب التام لدور العلماء بصورة خاصة والدعاة عامة من الساحة الإعلامية بشتى صورها في عصر الثورة المعلوماتية – عصر فيسبوك و توتر ويوتيوب وغيرها – في وجه كثرة المواقع التي تتعاطي القضايا الصومالية مع تدني مستوياتها و ضئالة محتواها و كثرة القنوات الفضائية التي لا تقدم مادة إعلامية ذات جدوى. هل يرجع الأمر إلي عدم الحصول علي تمويل أو دعم خارجي أم ماذا؟ أليس الإسلاميون هم أكثر أموالا من غيرهم يملكون شركات البناء والاتصالات والحوالات وغيرها؟ أليسوا هم من يدير المؤسسات التعليمية والهيئات الخيرية؟ أليسوا هم أصحاب المواهب والخبرات والتجارب منهم الإعلاميون والمدرسون والشيوخ وأساتذة الجامعات؟ الحقيقة المرة هي أن من يسيطر علي الإعلام هو الحاكم الفعلي في واقعنا المعاصر والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إلي متى يكون العلماء وأهل الخير غائبين عن هذا المجال؟

 

إن دور العلماء يجب أن يعود ويعود بقوة ويجب أن يكتسب وينال ثقة الجميع وأن يعترفوا هم بحجم قوتهم وثقلهم الطبيعي. كل المتابعين للعبة السياسية في الصومال يفترض بأنها مشرفة علي الإنتهاء في جولتها الحالية وأن المرحلة التالية مجهولة يصعب تكهنها وهذا لوحده يفرض علي العلماء أن يستعدوا لمليء الفراغ حتي لا يضطروا إلي بناء رؤاهم علي مفاجآت غير محسوبة النتائج وردات أفعال غير مدروسة. وفي الختام هكذا ينبغي أن يكون دور العلماء.

 الدكتور محمود عبد الرحمن – المدينة المنورة  

 

عدد التعليقات 2

  • sulubقال:

    شكرا لك سعادة الدكتور محمود وجزاك اللو خيرا على عرضك هذاالمقال الذي كشف عن الحقائق المخفيةبانه لاصلة لدعوة السلفية في الصومال من قريب اومن بعيد بماطرأ مؤخرا من انحراف وغلو وافكار منقولة من اعداءالله عزوجل وعودةدور العلماء في الساحة امر في غاية الاهمية ولا مجال لتفرج بعد

  • السلام عليمكم رحمةالله و بركاته
    كثرالله أمثالك سعادة الدكتور.
    من الأمهية بمكان بيان و إيضاح المنعطفات المهمة للدعوة السلفية في الصومال و الصحوة الإسلامية بشكل عام حيث يوجد اليوم بسندعال وروات ثقات بل و صناع تك التاريخ من بين أظهرناو ممالآ شك فيه أن ألأجيا الدين لم يعاصرو تك الفترة هم بأمس الحاجةبمعرفةالنقل الصحيح و يترتب علي ذلك التصور الصحيح.
    شكرا لأصحاب الفضيلة القائمين علي هذا الموقع.