هل الضرر يزال أم يزاد؟!(1)

بقلم: الشيخ الدكتور بشير أحمد صلاد

 sh-bashir-salad

الحمد لله العليم الحكيم،والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ،وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.

وبعد ،فإن  الله قد أنزل الكتب وأرسل الرسل رحمة بعباده وتحقيقا لمصالحهم الحقيقية في معادهم ومعاشهم ،وذلك من مقتضيات ربوبيته وألوهيته،وأنه – سبحانه- منزه عن أن يتركهم هملا لا يرشدهم ،وسدى لا يحاسبهم ،قال تعالى:( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما انزل الله على بشر من شيء )(الأنعام :91) .

     وقد كان للشريعة المحمدية القدح المعلى في هذا المجال ،ولا غرو في ذلك ؛ لأنها الشريعة الناسخة لما قبلها من الشرائع ،تستوعب حاجات الناس ،وتتسع لتقلبات الحياة البشرية وتطوراتها .

     وقد بذل علماء الأمة جهودا جبارة لاستجلاء هذا الجانب ،وأكدوا بكل وضوح أن مدار الشريعة على المصالح المعتبرة ، وما أحسن كلام الإمام ابن القيم –رحمه الله- وهو يقول : ّ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ،وهي عدل كلها ،ورحمة كلها،ومصالح كلها،وحكمة كلها ،فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها،وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ،فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل .”( أعلام الموقعين، 3/11 )كما أن علماءنا اكتشفوا المصالح الكلية التي جاءت الشريعة لحفظها والعناية بها وسموها الكليات والضروريات الخمس،تنويها بشأنها ،وتعظيما لأمرها ،وهي :حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ العرض (النسب) وحفظ المال .

     ولعظم مبدأ مراعاة المصالح في الشريعة ،جاء عدد من القواعد الفقهية تعبيرا عنه ودلالة عليه ، مثل قاعدة الضرر يزال ، وقاعدة المشقة تجلب التيسير ، وقاعدة سد الذرائع ، والمصالح المرسلة .

     ويبدو أن تطبيق هذه القواعد كان متيسرا نوعا ما في العبادات التي تتكرر ،وذلك لكثرة الممارسة وتوفر فرص التطبيقات المتنوعة ،وتوجه الهمم إلى الاستفسار وسؤال أهل العلم ،وهذا أمر نادر الحصول في مسائل السياسة الشرعية وإدارة الصراع مع أعداء الإسلام ؛لذا كثرت التصرفات التي تجلب الشرور وتلحق ضررا غير مبرر بالمصلحة العامة للمسلمين ،بسبب الغفلة أو الجهل بمراعاة تلك القواعد،ولاسيما قاعدة :الضرر يزال ،علما بأن الخطأ في تطبيق هذه القواعد في العبادات الفردية أهون من الخطأ في مجال السياسة الشرعية والمعاملة مع الأعداء ؛لأن الضرر في الصورة الأولى يقتصر غالبا على شخص معين ، أما الخطأ في الصورة الثانية فيعود بالضرر على الأمة بكاملها ، أو على شعب بكامله،وهذا أمر يتعين تجنبه وتفاديه .

     إن قاعدة :الضرر يزال والقواعد الأخرى التي في مجالها ،أصبحت منسية أو مهملة لدى الكثيرين،مع أنها من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي؛ إذ يبنى عليها كثير من أبواب الفقه،ويقول العلماء إنها تتضمن نصف الفقه،كما في(القواعد الكلية لمحمد عثمان شبير ص163) لأن الأحكام إما لجلب مصلحة اولدفع مضرة ،ويدخل في هذه القاعدة ما يتعلق بالضروريات الخمس التي سبق ذكرها . ومما يدل على مكانة هذه القاعدة ، أن كثيرا من العلماء قد عد الحديث الذي أخذت منه ،وهو حديث :لا ضرر ولا ضرار ،من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام ،كما نقل ذلك ابن رجب –رحمه الله – في جامع العلوم والحكم ،الحديث الأول ، بل إن الإمام الشاطبي –رحمه الله – يرى أن هذه القاعدة ليست مأخوذة من هذا الحديث فحسب ،بل إن ذلك أصل قطعي ،وأن منع الضرر والضرار مبثوث في الشريعة كلها ،في وقائع جزئيات وقواعد كليات ،فهو معنى في غاية العموم لا مراء فيه ولا شك . (الموافقات 3/ 185)

     وقد أفاض علماؤنا في شرح هذه القاعدة حتى إنهم بينوا معاني مفرداتها التي تبدو سهلة ،ولا تستدعي شرحا ولا تفسيرا، ولكن مسلك أهل العلم هو التدقيق و التعريف الجامع المانع ، فقالوا في تعريف الضرر اصطلاحا:هوالإخلال بمصلحة مشروعة للنفس أو الغير تعديا أوتعسفا أو إهمالا، أما الإزالة فهي التنحية والإذهاب ويدخل فيها الدفع . اما المعنى الإجمالي للقاعدة : فهي من جوامع الكلم ، وهي أساس لمنع الفعل الضار عن النفس والغير ، وهي توجب رفع الضرر قبل وقوعه وبعده (انظر: القواعد الكلية لمحمد عثمان شبير ،ص164-165).

     وينبغي الوقوف مع هذا التعريف حتى نركز على النقاط المهمة التي تساهم في تكوين فكرة صحيحة عن الموضوع الذي نحن بصدده .

     يتصور البعض أن الضرر الذي يزال ، لابد وأن يكون كبيرا ،وإلا فإنه لا يستحق الاهتمام و التفكير، ولكن التعريف المذكور يرد على هذا التصور ،فالضرر هو الاخلال، يعني: احداث النقص والخلل ،وليس الزوال الكلي،وتدبر كلمة(مصلحة) فإنها نكرة تفيد العموم وتشمل كل مصلحة،صغيرة كانت أوكبيرة،بشرط أن تكون مشروعة.

     والقارئ الكريم مدعو لأن يقارن بين هذا التعريف العلمي وبين ما هو منتشر في أوساط بعض(الاسلاميين)من الاستهانة بالأضرار البالغة التي تصيب المسلمين بسببهم، والتضحية بدين المسلمين وأرواحهم وأموالهم وجميع مصالحهم بدون برنامج يستحق الذكر في ميزان المصالح والمفاسد،سوى ردود فعل غير مدروسة وغير محسوبة، تتوارى فيها القواعد الكلية،وتحتجب فيها السياسة الشرعية .

     وفي غمار الأنانية وحب الذات والاستغراق في الحظوظ النفسية والحزبية نقف مع التعريف السابق لنرى،أن المصلحة تشمل:مصلحة النفس ومصلحة الغير،وأنهما سواء في الحرمة والاحترام، ولعل في هذا تذكيرا لمن لا يعد قتلى المسلمين من قتلاه،ويتصرف في مصالح غيره بلا إذن ولا تفويض.

   واستمرارا في وقفاتنا مع التعريف،نجد ذكرا جامعا لوسائل حصول الضرر،وهي:التعدي أو التعسف أو الاهمال. أما التعدي فهو إضرار بالغير بغير حق ، وأما التعسف فهو مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه شرعا بحسب الأصل ، أي يستعمل حقه في التصرف بطريقة تناقض مقصود الشارع ،إما قصدا كبيع العينة للتوصل إلى الربا ،وإما أن يكون الفعل  ظاهره الجواز،ولكنه يفضي إلى ما هو محرم .وفي هذا التعريف تنبيه إلى أنه لا ينبغي أن نقف عند ظاهر الفعل فقط ،وإنما علينا أن نتأمل الحقائق وما يحدث من نتائج ،حتى لا يؤدي إلى نقيض المقصود . وأما الاهمال فهو التقصير في النظر المأمور به وعدم الاحتياط عند استعمال الحق .  (انظر أيضا: القواعد الكلية ، ص173-174).

     وإذا تأملنا في هذه الوسائل ، فإننا نكتشف أن كثيرا من تصرفات (الاسلاميين) المتحمسة  تدخل في التعدي ، وإن نجت ،فإنها ضمن التعسف ،وإن نجت بأعجوبة فإنها في صميم الاهمال ،وإلا فمن حق كل مسلم أن يتساءل: أين الاحتياط في المجازر التي تتكرر؟ ، أين صفارات الانذار ؟، أين الملاجئ المحصنة ؟ وأخيرا، أين الأمر بإخلاء المدينة ،إذا كان هذا هو المتعين ، حتى يكون الشعب على بينة ويحتاط لنفسه؟

     الوقفة الأخيرة مع التعريف، هي تذكير بعدم تضييع فرصة التصدي للضرر قبل وقوعه ، وأن ذلك أجدى وأنفع من التضحيات الباهظة التي تأتي متأخرة ،وقد قيل:( الباب الذي تأتيك منه الريح ،سده واستريح) ،والملاحظ أن التعامل مع الضرر لدى كثيرين ،يتأخر لما بعد حصوله ،مهملين ،في أقل أحوالهم،المقولة النافعة في السياسة كما هي نافعة في الصحة :الوقاية خير من العلاج .

          وللحديث صلة إن شاء الله

التعليقات مغلقة