وقفات وأحكام مع الشهر الفضيل…الشيخ الدكتور هارون شيخ حسين عبده

هارون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد حلّ علينا قبل أيام قليلة ضيف قد رفع الله شأنه وأعلى مكانته، وخصّه بمزيد من الفضل والكرامة، وجعله موسماً عظيماً لفعل الخيرات، هو شهر رمضان المبارك الذي يضاعف فيه الدرجات ويقال فيه العثرات، يأتي هذا الضيف الغالي ليزكي النفوس وليزودها بالإيمان، والتقوى والاستعداد للدار الآخرة، وليروض النفس  على الصبر والمصابرة، والخضوع والخشوع وترك المكابرة.

لقد كان السلف الصالح يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان فإذا استقبلوه أحسنوا فيه ثم سألوا الله أن يتقبل منهم ما قدموا فيه من أعمال صالحة وقرباتٍ طيبة ستة أشهر أخرى. لطائف المعارف ص: [264].

فهل يا ترى فعلنا مثلهم في استقبال هذا الشهر، وهل نحسن فيها العمل كما أحسنوا فيها؟. نرجو من المولى القدير أن يعيننا على ذلك.

فنظراً لأهمية هذا الموضوع في هذا الوقت أردت أن ألخص في بعض الوقفات أبرز المسائل والأحكام المهمة التي ينبغي لكل مسلم الإلمام بها، ويحتاج إلى مذاكرتها ومراجعتها قبل وأثناء هذا الشهر حتى يكون على بصيرة من أمر دينه، فإليك الوقفات:

 الوقفة الأولى:المبادرة بالتوبة.

وهي الرجوع إلى الله، وترك الذنب، والندم على ما فرط، والعزم على ترك المعاودة.يقول العلامة ابن القيم الجوزية: “فإذا أراد الله بعبده خيراً فتح له من أبواب التوبة، والندم والانكسار، والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجا إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه، بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة رحمة به حتى يقول عدو الله إبليس: يا يليتني تركته ولم أوقعه”. الوابل الصيب ص: (11).

وفي هذا الشهر يفتح أبواب الجنة ويغلق أبواب النيران يتم ذلك في أول ليلة من شهر رمضان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفّدت الشياطين ومردة الجنّ، وغلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب. وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة”.

فعلى المسلم أن يجيب هذا النداء مسارعاً إلى فعل الخيرات وأنواع الطاعات، منظماً وقته، مستفيداً من مواسم الطاعة، وأن يبادر بالتوبة النصوح من جميع الذنوب والخطايا، والاستغفار عن كل تقصير في جنب الله والندم على كل ما ارتكبه العبد من الأوزار كبارها، وصغارها، ليبدأ هذا الشهر بداية طيبة وليملأ صحيفته البيضاء بالحسنات.

 الوقفة الثانية: معرفة حكمة مشروعية الصيام.

في هذا الشهر العظيم نتذكر قول ربنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183).

فقد بين عز وجل الغاية العظمى التي من أجلها شرع الصيام، ألا وهي التقوى في القلوب وعمارتها بالخشية واليقين الثابت، وتعويد النفس على الصبر ومكابدة المشاق، والإحساس بمعانات الآخرين، وأنها وإن استطاعت أن تؤمِّن لذَّاتها ومطعوماتها طوال العام، فإنَّ ثمة أنفساً كثيراً، تكابد الجوع والعطش، العام كله!!.

وقد جمع العلامة ابن السعدي – رحمه الله – خصال التقوى التي اشتملت الآية بالأتي:

أولا: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقرباً بذلك إلى الله راجياً بتركها ثوابه.

ثانيا: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله ، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه.

ثالثا: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذه ، وتقل منه المعاصي.

رابعاً: أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.

خامساً: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: 86).

ويقول العلامة ابن العثيمين رحمه الله :”ثم إن ثمرة التقوى والحكمة منه أن يكون حافزا للصائم على تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”. فتاوى في أحكام الصيام ص: (27).

 الوقفة الثالثة: معرفة فضل الصيام.

ورد في فضل الصيام نصوص كثيرة لا تحصى ولا تعد إلا أنه من أعظم ما ورد في ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنة وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”.

وفي قوله “وأنا أجزي به” أضاف الجزاء إلى نفسه من غير اعتبار عدد معين، فما ظنكم برب العالمين وأكرم الأكرمين؟ فالعظمة على قدر معظمها، فيجازي عبده بأعظم الجزاء وأوفاه، فيكون أجر الصائم عظيماً كثيراً، بقدر ما وقع في قلبه من الإخلاص، والصدق مع الله تعالى.

–       ومن فضائل الصيام أنه من أعظم أسباب دخول الجنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم ” من قال لا إله إلا الله ختم له بها، دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة”.

–       ومن فضائله أنه سبب من أسباب غفران الذنوب، كما ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”. وقوله (إيماناً) إي إيماناً بالله تعالى وبما أوجب من الصيام ورضي بذلك وإنقاذ له.

وقوله (احتساباً) أي طلباً للأجر الذي رتبه الله على الصيام، فهو لم يصم رياء أو سمعة، أو طلباً لعرض من أعراض الدنيا، أو عادة وموافقة للناس، واستحاشاً من مخالفتهم والشذوذ عنهم.

 الوقفة الرابعة: من أحكام الصيام.

إن الكلام عن أحكام الصيام يطول، إلا أنه لا بأس عن الحديث عن أهمه وأبرزه باختصار لتعم الفائدة.

الأولى من الأحكام: أنه يحرم صيام آخر يومين من شعبان أو آخر يوم منه إلا أن يوافق ذلك يوماً كان من عادته صيامه، (كالاثنين، والخميس) فيجوز له ذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم”.

 الثاني: أن صيام رمضان يجب بواحد من أمرين: إما رؤية هلال رمضان، وإما إكمال شعبان ثلاثين يوماً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:” صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”.

 الثالث: شروط الصوم:

يجب على كل مسلم بالغ عاقل، قادر مقيم خال من الموانع كالحيض والنفاس. فالكافر لا يصح منه الصوم حتى يسلم، لأن الكفر مانع من موانع قبول الأعمال، لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}(التوبة: من الآية54). والصغير لا يلزمه الصوم حتى يبلغ، ولكن يؤمر به متى قدر عليه ليتدرب فيسهل عليه بعد البلوغ، والمجنون لا بجب عليه الصوم، وكذا من زال عقله بهرم فإنه لا صيام عليه. والمسافر مخير إن شاء أفطر وإن شاء صام، إلا أن يشق عليه الصيام، فإنه يفطر ويكره له الصيام، وأما إن كان الصيام لا يشق عليه فإن الصوم في حقه أفضل وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال أبو الدرداء رضي الله عنه: “خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة”. متفق عليه. ولأن الصيام في نفس الشهر أسهل من القضاء غالباً.والمرأة إذا حاضت أو نفست فإنه لا يصح منها الصوم، ولكنها تقضي بعد الطهر بعدد الأيام التي أفطرت.

 الرابع:  أركان الصوم وهي:

أولاً: دخول شهر رمضان برؤية عدل مكلف.

ثانياً: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

ثالثا: النية ووقتها قبل طلوع الفجر.

 الخامس: مفسدات الصوم.

ومن أحكام الصيام ما يتعلق بالمفطرات التي تفسد الصوم، فعلى المسلم أن يعرفها ليتجنبها وهي:

أولاً: الأكل والشرب متعمداً، أياً كان المأكول أو المشروب.

ثانياً: ما كان في معنى الأكل والشرب، وهو ثلاثة أشياء:

1-   القطرة في الأنف التي تصل إلى الحلق، أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم “وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً”.

2- الإبر المغذية فإنها تقوم مقام الأكل والشرب.

3- حقن الدم في المريض لأن الدم هو غاية الأكل والشرب فكان بمعناه.

ثالثاً: الجماع في نهار رمضان، وفيه الكفارة المغلظة عند وقوعه عمداً، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فإنه يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع وجب عليه إطعام ستين مسكيناً.

رابعاًَ: إنزال المني باختياره بمباشرة أو استمناء أو غير ذلك، لأنه في معنى الجماع، إلا أن عليه القضاء فقط بدون كفارة، وهو من الشهوة التي يدعها الصائم في قوله صلى الله عليه وسلم “يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي”.وأما إذا كان الإنزال بغير فعله مثل أن يحتلم فينزل، فإن صيامه لا يبطل، لأن ذلك بغير اختياره.

خامساً: التقيؤ عمداً وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم، أما من غلبه القيء فصومه صحيح ولا شيء عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم ” من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض”.

سادساً: خروج دم الحيض والنفاس، لقوله صلى الله عليه وسلم في المرأة ” أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم”.

السادس من أحكام الصيام: الراجح عند أهل العلم أن القطرة في العين أو الأذن والكحل، ومداواة الجروح الغائرة، وشم الطيب، والإبر غير المغذية، لا تفطر الصوم؛ لأنه ليس أكلاً ولا شرباً، ولا في معناهما، فتبقى على الأصل وهو الجواز.

السابع من أحكام الصيام: أن من أكل أو شرب ناسياً فصومه صحيح، ولا قضاء عليه وهذا هو الراجح عند جمهور العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم ” من أكل ناسياً وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه”. ولكن يجب عليه إذا تذكر وفي فمه شيء أن يلفظه، وكذلك يجب على الذي يراه وهو يأكل أن يذكِّره أنه في نهار رمضان؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون بالبر والتقوى، وهذه المفطرات يفطر بها الصائم إذا فعلها متعمداً، عالماً، ذاكراً لصومه.

وفي الختام نسأل الله -عزّ وجلّ- أن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال إنه سميع قريب مجيب الدعوات.  وصلى الله على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

تعليق واحد