رمضان فرصة لتهذيب النفوس2… الشيخ خضر طاهر سليمان

خضر 2222

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد:

فهذا المقال الثاني المتعلق بالأمور التي يجب على المسلمين عموما وعلى الصائمين خصوصا حفظها وتعهدها ليحفظوا صومهم من النقصان ويفوزوا بالثواب عليه والقبول من رب العالمين، وكان المقال الأول بعنوان: حفظ البصر عما حرمه الله, وجاء هذا المقال اليسير بعنوان: حفظ اللسان، فالله أسأل أن ينفع به ويوفقني فيه للصواب.

إخواني الكرام إن حفظ اللسان وإمساكه عما حرم الله, من أهم الأمور التي تجب على كل مسلم ومسلمة، ففي حفظه حفظ الدين وفي فساده فساد الدين ، وكذلك فإن آفاته من أخطر الآفات على الإنسان؛ لأن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك من المحرمات، ويصعب عليه التحفظ والاحتراز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه: بالدين، والزهد، والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي في النار بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يقطع، ويذبح في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي بما يقول.

قال – عز وجل – ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”

وعن معاذ بن جبل، قال: كنت مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عظيما، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» ثم قال:” ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ النار الماء، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم قرأ {تتجافى جنوبهم عن المضاجع” السجدة:16″ حتى بلغ — جزاء بما كانوا يعملون” السجدة:17″ ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ الجهاد” ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى، فأخذ بلسانه، فقال: تكف عليك هذا” قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم في النار، إلا حصائد ألسنتهم؟. أخرجه ابن ماجه وهو صحيح.

 وعن سهل بن سعد، عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» رواه البخاري

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام، أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.

 قال الشاعر:

احفظ لسانك أيها الإنسان * لا يلدغنك إنه ثعبان*

كم في المقابر من قتيل لسانه  * كانت تهاب لقاءه الشجعان*

وقال الآخر:

يموت الفتى من عثرة بلسانه * وليس يموت المرء من عثرة الرجل*

فعثرته بلسانه تذهب رأسه * وعثرته برجله تبرأ على مهل.*

أيها الإخوة ينبغي للإنسان المسلم أن لا يخرج لفظة ضائعة، فعليه أن يحفظ ألفاظه بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة ينظر هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها.

 روى الامام مسلم من حديث جندب – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله – عز وجل -: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك.

فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء الله أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله.

كان ابن مسعود – رضي الله عنه – يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لساني” ذكره ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم، ص 242.

وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحدا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به.

 قال عقبة بن عامر – رضي الله عنه -: يا رسول الله، ما النجاة؟ فقال – صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك

وينبغي للمسلم أن يشغل لسانه بذكر الله تعالى، وما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة؛ فإن من لم يشغل نفسه، ولسانه بالخير، انشغل وأشغله لسانه، وأشغلته نفسه بما يضره.

 قال الشاعر:

لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل  * وكل امرئ ما بين فكيه مقتل*

إذا ما لسان المرء أكثر هذره  * فذاك لسان بالبلاء موكل*

وكم فاتح أبواب شر لنفسه  * إذا لم يكن قفل على فمه مقفل*

ومن أمن الآفات عجبا برأيه * أحاطت به الآفات من حيث يجهل*

أعلمكم ما علمتني تجاربي  * وقد قال قبلي قائل متمثل*

إذا قلت قولا كنت رهن جوابه * فحاذر جواب السوء إن كنت تعقل*

إذا شئت أن تحيا سعيدا مسلما *  فدبر وميز ما تقول وتفعل*

أيها الإخوة الكرام هذا ما تيسر لي أن أجمعه في هذه العجالة والمراد أن أذكر بها نفسي وإخواني في خطورة هذا الامر وخاصة في هذا الشهر المبارك فأسال الله سبحانه أن يوفقني وإياكم لحفظ اللسان والنجاة من آفاته وان يتقبل مني ومنكم الصيام والقيام والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

كتبه: خضر بن طاهر سليمان.

عدد التعليقات 2

  • عبد الفتاح حسين برقال:

    ذكرت ووفيت، ولسان حال رمضان ينطق بقول الشاعر:
    أزف الترحل غيرأن ركابنا
    لماتزل برحالنا وكأن قد .
    ونحن على انتظار كلمتك في توديع وترحيب موسم الحج .

    وجراك الله خيرا على ماقدمت لنا.

  • عبدالرحمن السعديقال:

    جزاك الله خير على ماقدمت إلينا ,على هذه الموعظة الطيبة.
    بارك الله فيك شيخ خضر ابـــــي سلمان.