أصناف الناس في الحياة ll للأستاذ عبدالله علي محمد الصومالي

أصناف الناس

ان لم تزدعلى الحياة شيئا كنت أنت زائد عليها!، قالها حكيم من حكماء الزمان، وقد صدق في مقولته، ان هذه المقولة تصدق في حق كل من عاش دهرا ولم يترك أثرا، والناس أصناف وأنواع تجاه الحياة.

 فمن الناس من يضع بصمة ايجابية في الكون ويترك وراءه الخير والنفع، وهؤلاء هم من ننعتهم ونطلق عليهم وصف “المصلحون” فهم صلحاء في أنفسهم مصلحون لغيرهم، ومع حوجة البلاد والعباد لمثل هؤلاء المصلحين الا أنهم في الناس كالعملة النادرة يصدق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “تجدون الناس كإبل مائة لايجد الرجل فيها راحلة”، وفي مثلهم قال الشاعر، “ولم أر أمثال الرجال تفاوتا***** الى المجد حتى عد ألف بواحد”، لقد مر على التاريخ أناس كثيرون، ولكن لم يسجل لنا التاريخ سوى القليل من هذا الكثير، وليس الغريب في حياة الناس أن يسبق القليل الكثير، ولكن الغريب حقا أن يزن القليل أضعاف ما يزن الكثير أو أكثر وفي هذا جاء الأثرفيما معناه “انه لايوجد في الأرض من هو خير من ألف مثله سوى البشر”، انه لعجيب حقا أن يقوم الواحد من هؤلاء مقام الألف من الناس، جاء في الروايات أنه لما طلب عمرو بن العاص ــ رضي الله عنه ــ المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ في فتح مصر كتب اليه ” أمابعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل)ألف( رجل منهم مقام الألف!، الزبير ابن العوام، والمقداد ابن عمرو، وعبادة ابن الصامت، ومسلمة بن خالد” وفيما يروى كذالك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ــ رضى الله عنه ــ قال يوما لأصحابه “تمنو” فقال رجل ” أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله عز وجل”، ثم قال عمر “تمنو” فقال رجل أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزبرجدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله عز وجل وأتصدق به” ثم قال عمر “تمنو” قالو “ماندري مانقول يا أمير المؤمنين” قال عمر “لكني أتمنى لو أن هذه الدار  مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح أستعملهم في دين الله”، وقيل أيضا “لصوت قعقاع في الجيش خير من ألف رجل!”.

أما الصنف الثاني من البشر فهو صنف لايستهان به ولكنه ليس كالصنف الأول تجاه مسألة النفع والجود بالخير، فهو صنف صالح في نفسه غير مصلح لغيره، ومكمن ضعف هذا الصنف يظهر في أنه لايحمل رسالة تتجاوز محيطه الضيق، ولقد ثبت في التجربة ان “الفرق بين العباقرة وغيرهم من الناس العاديين ليس مرجعه الى صفة أو موهبة فطرية في العقل بل الى الموضوعات والغايات التي يوجهون اليها هممهم والى درجة التركيز التي يسعهم ان يبلغوها”، فالمتميزون من الناس الذين نقول في حقهم أنهم عباقرة هم أؤلئك الذين وضعو لأنفسهم أهدافا عليا تتجاوز مصلحتهم الذاتية ثم استثمرو كل امكاناتهم في سبيل تحقيق هذه الأهداف، ولولا ذالك لما كان لهم اسم يذكرولما كان لهم خبر يروى بين الناس، ان المتقوقع على نفسه كـ “المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى” فهو قد يجتهد ويجهد نفسه بالخير، ولكن جهده منصب على نفسه وغير متجاوز الى غيره ولهذا لن يكون له لسان صدق في الآخرين، اننا نريد من يصدق فيهم قول الشاعر “وكن رجلا ان أتو بعده*** قالو مرّ وهذا الأثر!”.

 أما الصنف الثالث من البشر فهم العاديون الذين كان يقودهم ويتقدمهم السيد عادي والذي وجدوه مدفونا في التراب وقد نقشّ على قبره عبارات مشؤومة تنبئك عن خبر الرجل، من هو؟ وما سيرته الذاتيه؟ وقد أتت العبارات المشؤومة على هذا النحو “يرقد هنا السيد عادي، الذي ولد في يوم عادي، بولادة عادية، واستقبله الناس استقبالا عاديا، وعاش عيشة عادية، فهوقد اشتغل في وظيفة عادية، وأكل منها أكلا عاديا، وتزوج بزوجة عادية، وولد منها أولادا عاديين، وسكن في بيت عادي، مات فيه ميتة عادية، ودفن في هذا القبر بصفة عادية في يوم عادي، انه السيد عادي!”، وكلمة عادي هنا رمز يشير الى اللامعنى، أي أن الرجل عاش حياة لامعنى لها، ولاحكمة من ورائها، انه أكل وشرب وتنسّل، ثم ماذا بعد؟ لاشيئ غير الموت، حياة كهذه لامعنى لها ولاذوق، انها حياة لاتستحق أن تعاش ولا أن تروى، ان من يعيشون مثل هذه الحياة ويصدق عليهم وصف العادي كثيرون، وفيهم أصناف وأنواع، ففيهم الفاسد في نفسه غير مفسد لغيره، وانه لفاسد حقا كل من ليس له هدف في الحياة سوى أن يعيش ليأكل، مقبول أن تأكل لتعيش وتعيش لهدف سامي، ولكنه غير مقبول بالمرّة أن تعيش لتأكل وفرق بين العيشتين!، انها لجريمة تستحق العقاب أن تعيش لتأكل وحسب، وفيهم ــ أي في الصنف العادي ــ الفاسد في نفسه المفسد لغيره، وفي حق هؤلاء المفسدين أورد الإمام ابن القيم رحمه الله كلاما بليغا في مفتاح دار السعادة فقاللاشيء أقبح بالإنسان من أن يكون غافلا عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، فمن كان كذالك فهو من الهمج الرعاع، الذين يكدرون الماء، ويغلون الأسعار، ان عاش عاش غير حميد، وان مات مات غير فقيد، ففقدهم راحة للبلاد والعباد، ولاتبكي عليهم السماء، ولاتستوحش لهم الغبراء”، انتهى كلامه رحمه الله، والمصلحون في كل المجتعات في معركة دائمة مع هؤلاء، فهم يصلحون ما أفسدوه من حياة الناس، وللمصلحين كذالك رسالة تتجاوز اصلاح ما أفسده هؤلاء، فهم وان يقومون بذالك ولكنهم كذالك مجتهدون في توجيه الناس الى ربهم وفي تربيتهم على المثل وعلى القيم الصالحة حتى ينشئوو جيلا صالحا مصلحا يقلّ فيه الفاسدون والمفسدون وعلى حمل هذه الرسالة ــ رسالة الدعوة والإصلاح ــ  فليتنافس المتنافسون وليبادر المبادرون.

التعليقات مغلقة