الاتجاه السلفي ومستقبله في السياسة الصومالية. بقلم/ الشيخ حسن محمد إبراهيم

الإتجاه السلفي

 يعود تاريخ الدعوة السلفية في الصومال إلى أربعينات القرن الماضي، ويعد الشيخ نور علي علو من أوائل من دعا إليها،(1) وذلك إلى جانب آخرين لم يحظوا بشهرته، كالشيخ يوسف حيلي والشيخ محمد أول الإرتيري. وكانت دعوة هذا الجيل مقتصرة في المجمل على توضيح مسائل العقيدة وإنكار البدع، ولم تتشكل على صورة حركة تغييرية شاملة، وغلب عليها طابع الفردية. ويمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة ما قبل التنظيم. واجهت هذه الدعوة في تلك المرحلة عقبات كثيرة، بعضها يعود إلى قوة الجماعات الصوفية التي كانت مسيطرة على الصومال آنذاك، وبعضها إلى الأسلوب والخطاب الدعوي الذي اتبعه ذلك الجيل والذي كان صداميا في كثير من الأحيان؛ ما جعل أثر السلفية المبكرة محدوداً.(2)
 
بيد أن جذور السلفية المنظمة في الصومال تعود إلى أواسط سبعينات القرن الماضي، التي تمثلت في الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ محمود عيسى، إثر انشقاقها عن حركة الأهل التي كانت تضم خليطاً منهجياً وفكرياً، بعد تبني الأخيرة لفكر شكري مصطفى الذي كان يكفر المجتمعات الإسلامية. أدى النقاش المنهجي الحاد الذي ولدته الموجة التكفيرية إلى بروز موضوعة الرجوع إلى كتب أهل السنة والجماعة (السلف)، في العقيدة ومنهج الاستدلال، كما دخلت إلى الصومال بعض الكتب التي ردت على التكفير، مثل كتاب “دعاة لا قضاة” لحسن الهضيبي، عن طريق بعض الدعاة الذين كانوا يدرسون في الخارج. أثمر هذا الحراك نضوجاً في الفكر ومنهج الفهم، وأقنع كثيراً من شباب الصحوة الإسلامية بأهمية منهج الاستدلال السلفي وضرورة التمسك بقواعده حتى لا يتآكل الجهد الدعوي نتيجة التناقض الفكري والمنهجي بين أفراده. وكان هذا ما أدى إلى تأسيس الجماعة الإسلامية على أنقاض جماعة الأهل، التي عصف بها الفكر التكفيري. وقد لعب خريجو الجامعات الإسلامية في السعودية، أمثال الشيخ عبد القادر نور فارح، دوراً محورياً وأساسياً في اتخاذ الجماعة الوليدة للمنحى السلفي.(3)

اندمجت الجماعة الإسلامية مع حركة وحدة الشباب الإسلامي برئاسة الشيخ علي ورسمة في عام 1983، وتأسس بذلك الاتحاد الإسلامي الذي ذاع صيته، برئاسة الشيخ علي ورسمة خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. تغلغلت الدعوة السلفية في المجتمع الصومالي بعد تأسيس الاتحاد الإسلامي، وانتشرت بسرعة هائلة في الفترة ما بين 1983 – 1993.(4) ويعتقد أن هذا الانتشار السريع يرجع إلى عاملين مهمين:

  • الوحدة الفكرية والمنهجية ووضوح الرؤية لدى الجماعة قيادة وأفراداً، بحيث كان مصرحاً في منهج الجماعة ولوائحها بأنها جماعة سلفية تلتزم بالكتاب والسنة وتتقيد بفهم السلف الصالح لهما، كما كان لها مجلس شورى فعال يفصل في القضايا الخلافية ويحدد رؤية الجماعة في المستجدات.

  • التنظيم الدقيق الذي شمل جميع المنتسبين إلى هذه الدعوة ووظف جميع الطاقات بشكل فعال.

 تشرت دعوة الاتحاد الإسلامي في كل ما كان يعرف بالصومال الكبير (جمهورية الصومال؛ جيبوتي؛ الصومال الغربي، التابع لأثيوبيا؛ ومنطقة شمال شرق كينيا)، كما انتشرت في أوساط الجاليات الصومالية في الشتات. وقد تعرضت الجماعة بعد ظهور تأثيرها في المجتمع الصومالي لملاحقات أمنية صارمة وتشويه متعمد لسمعة رموزها من قِبَل أجهزة حكومة الرئيس الأسبق زياد بري؛ كما ألقي القبض على كثير من رموز الحركة ودعاتها، وحكم على بعضهم بالإعدام في 1986، ومنهم الشيخ حسن طاهر أويس والشيخ عبد العزيز فارح،(5) بينما لاذ بعض القيادات بالفرار إلى الخارج. بيد أن انتشار دعوة الجماعة لم يزدد بذلك إلا رسوخاً وتوسعاً.

هذا، وقد عمل الاتحاد الإسلامي على سد الفراغ الذي خلفه انهيار الحكومة المركزية بعد الإطاحة بزياد بري في 1991، وأنشأت معسكرات عدة في المناطق الجنوبية والشرقية والشمالية. وكان أن اصطدم بعض تلك المعسكرات بالجبهات القبلية المسلحة التي كانت تنشط في تلك المناطق، فتراجعت الجماعة عن مسار التسلح منذ 1993، عندما قرر مجلس شورى الاتحاد العام إغلاق المعسكرات وإنهاء العمل المسلح والتفرغ للدعوة والإصلاح بالطرق السلمية.(6)

مكونات المشهد السلفي في الصومال

أولاً: جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة
تأسست جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة في عام 1996،(7) بعد اندماج بين حركتي الاتحاد الإسلامي الذي أسس في 1983، والتجمع الإسلامي للإنقاذ الذي أسس في 1993. وتعد الجماعة كبرى الحركات الإسلامية في شرق إفريقيا وأوسعها انتشاراً، وهي حركة تغييرية وإصلاحية شاملة، ينضوي تحت لوائها معظم رموز الدعوة السلفية في الصومال، وتمتد جذورها المنهجية والعقدية إلى أهل السنة والجماعة في النظر والاستدلال، بالإضافة إلى منهج الدعوة والاصلاح والتغيير، كما هو منصوص عليه في منهج الجماعة المنشور. وللجماعة هيكل إداري، يشمل الرئيس العام للجماعة، وهو حاليا الشيخ الدكتور بشير أحمد صلاد، رئيس هيئة علماء الصومال؛ ومجلس الشورى، وتتفرع منه اللجنة العلمية الدائمة للجماعة، التي تعنى بقضايا التأصيل العلمي؛ بالإضافة إلى المجلس التنفيذي للجماعة، الذي يرأسه حالياً الشيخ أحمد عبد الصمد عبدلي.

دور الجماعة وأثرها في الحياة العامة
أثرت الدعوة السلفية التي كانت الجماعة ترفع لوائها على جميع شرائح المجتمع الصومالي على اختلاف مناطقه وقبائله، ويظهر هذا التأثير جليا في المجالات التالية:

  • أولاً: التديّن والالتزام الديني، بحيث أصبح نمط الالتزام الأوسع انتشارا في البلاد هو النمط السلفي. ويعتبر الحجاب السابغ، الذي أصبح اليوم سمة المرأة الصومالية، من مظاهر هذا التأثير. وبات بمسحته السلفية لباسا موحداً للطالبات الصوماليات، كما أصبح زياً رسمياً لمنتسبات الشرطة الصومالية.

  • ثانياً: مجال التعليم على اختلاف مستوياته وتخصصاته، حيث تدير الجماعة عبر أفرادها والمنتسبين إلى منهجها جامعات ومعاهد ومدارس يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلبة. وقد خرّجت هذه المحاضن جيلاً له تأثيره اليوم على كثير من مفاصل الحكومات والإدارات الصومالية.

  • ثالثاً: قطاع العمل الخيري وخدمة المجتمع، حيث تساهم الجماعة عبر جمعياتها الخيرية في بناء مرافق عامة وإغاثة المنكوبين والمتضررين من آثار الجفاف والحروب.

  • رابعاً: مجال المصالحة، وكانت الجماعة بدعاتها وعلمائها سببا في إخماد صراعات كثيرة نشبت بين القبائل الصومالية وكسب علماؤها بذلك ثقة الجميع، واضطرت الأنظمة المحلية إلى الاستعانة بهم في نزع فتيل الحروب القبلية.

  • خامساً: مجال التجارة والمال، حيث نجح كثير ممن خرّجتهم محاضن هذه الجماعة في إنشاء شركات كبيرة وناجحة في مجال الاتصالات والتحويلات المالية والبنوك والمؤن الغذائية، وعرفوا بحسن إدارتهم فأصبحوا بذلك موئلاً لكثير من الأموال التي يرغب أصحابها في الاستثمار.

  • سادساً: مقاومة الهجمات الخارجية، وكان للجماعة دور فعّال في دحر القوات الإثيوبية التي اجتاحت الصومال بعيد انهيار المحاكم الشرعية، كما كان لها دور في السعي إلى إنجاح مشروع المحاكم الشرعية.

  • سابعاً: أولت الجماعة الجالية الصومالية في الشتات اهتماماً خاصاً، وعمل دعاتها على إنشاء مساجد ومراكز إسلامية في أوروبا وأمريكا الشمالية وبلدان كثيرة في إفريقيا، تضطلع بأعباء كثيرة، غير الدعوة والتعليم الشرعي، نظراً لغياب الدولة الصومالية وانهيار سلكها الدبلوماسي.

  • ثامناً: مجال السياسة، وتتمتع الجماعة بعلاقات إيجابية مؤثرة مع الإدارات والحكومات الصومالية، وقد تولى أربعة من كوادرها الوزارة في الحكومة المركزية أيام رئاسة شيخ شريف أحمد، بينما شارك في الوزارة في أرض الصومال ( صومال لاند) ثلاثة وزراء، والعدد نفسه تقريباً في حكومة إقليم بونتلاند. كما انتخب بعض كوادر الجماعة، عبر عشائرهم، أعضاء في البرلمان الفيدرالي، وكذلك في برلمانات بونتلاند وصومال لاند؛ كما أنشأ بعض أعضائها حزبا في بونتلاند يسعى إلى المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويشكل بعض أفراد الجماعة كتلة هامة فاعلة في أحد الأحزاب الرئيسية المسجلة في صومال لاند. وجلب أحد أبنائها نظر المراقبين للانتخابات الرئاسية الصومالية الأخيرة، حيث احتل المرتبة الرابعة وسبق بفارق كبير شخصيات كثيرة كان لها ثقل سياسي سابق، مع أنه أعلن عن ترشحه قبل موعد الانتخابات بأقل من عشرين يوما، ولم تبذل الجماعة ولا أفرادها أي جهد يذكر في دعمه.

  • تاسعاً: مجال الزعامات الاجتماعية، حيث أصبح بعض كوادر الجماعة زعماء عشائر وسلاطين قبائل،(8) تأتمر بأمرهم قبائل يقدر المنتسبون إليها بعشرات الآلاف. وتمكنت هذه الزعامات من حقن دماء كثيرة كانت تسفك لأتفه الأسباب. وبإمكان هذه الزعامات لعب دور سياسي إضافة إلى أدوارها الاجتماعية، لا سيما خلال هذه المرحلة الانتقالية التي تعتمد فيها السياسة الصومالية على المحاصصة القبلية.

  • عاشراً: مجال القيادة الدينية، فقد أصبح علماء هذه الجماعة المرجع الديني المعتمد لدى عموم الشعب والأوساط الرسمية على السواء، داخل البلاد وخارجها، دون منازعة تذكر.

اضطراب وتماسك
تعرضت الجماعة منذ منتصف العقد الأخير من القرن الماضي لعدد من الهزّات الفكرية والتنظيمية، ما أعاق حركتها الاعتيادية وأصابها بنوع من الترهل والتخلف عن المبادرة والفعالية السياسية. ويمكن القول إن جماعة الاعتصام تمر بمرحلة تراجع في تأثيرها، بحيث بات تداول اسمها في الساحة السياسية أو الإعلامية نادراً. بيد أنها تمكنت من الخروج من ذلك المأزق بأقل الخسائر، ونجحت في اعتماد رؤية واضحة تقوم على منهج أهل السنة والجماعة في العلم والعمل والتغيير والإصلاح، وحسمت بذلك النزاع الفكري في صفوفها. كما نجحت في إعادة بناء التنظيم بصورة تتوائم مع الأوضاع والأنظمة التي تعمل فيها، واختارت نظاماً علنياً مصرحاً به قانوناً لنشاطاتها الميدانية. وقطعت الجماعة بعد اجتماع هرغيسا، الذي انعقد في بداية 2012، شوطاً هاماً في تحديث آلات عملها وتفعيلها.(9) وقد حددت الجماعة موقفها بشكل صريح من الحركات الغالية التي تكفر المسلمين وتستبيح دماءهم، بما في ذلك حركة الشباب، التي كان ينظر إليها في كثير من الأوساط على أنها سليلة جماعة الاعتصام. كما حددت موقفها من السلفية غير المنظمة، التي تجرم التنظيمات الإسلامية الدعوية، وقد أوضحت موقفها من هذا الأمر بقولها: “نرى أن اجتماع طائفة من المسلمين على تنظيم أنفسهم وتخطيط أعمالهم من أجل الدعوة إلى الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح ونصرة دين الله، تعاون شرعي حث عليه الإسلام، لا سيما في هذا العصر الذي يواجه فيه المسلمون تحديات الكفار في أكثر بلادهم ولا يطبق شرع الله في أكثر البقاع. قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران آية 104). وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة الآية 2)”.(10)

ثانياً: السلفية غير المنظمة
وهي تيار دعوي انفصل مؤسسوه عن الاتحاد الإسلامي في عام 1993، لأسباب تعود في مجملها إلى خلافات إدارية، لكنها اتخذت طابعاً منهجياً بعد سطوع نجم السلفية غير المنظمة في منطقة الخليج. حارب هذا الفصيل الحركات الإسلامية، وبخاصة السلفية منها، بضراوة، وأعلن تبديعها وتضليلها بحجة التحزب، الذي اعتبره مخالفاً لمنهج السلف، ودعا إلى القضاء على الجماعات الدعوية وعدها من الفرق الهالكة التي ورد الحديث باعتزالها. ولكن انتشار هذا الفصيل في الساحة الإسلامية الصومالية محدود. وليس لهذا التيار اهتمامات سياسية أو تغييرية طبقاً لما يظهر من خطابه.

ثالثاً: الحزب الإسلامي
تأسس الحزب الاسلامي في 2009 برئاسة الدكتور عمر إيمان، ثم خلفه الشيخ حسن طاهر أويس، وتجمعت فيه أربعة فصائل، هي: الجبهة الإسلامية، ومعسكر رأس كمبوني، ومعسكر عانولي، بالإضافة إلى جناح أسمرا من تحالف إعادة تحرير الصومال. والقاسم المشترك بين هذه الفصائل هو انتماؤها جميعا إلى خلفية سلفية. لقي الحزب بعيد تأسيسه تأييداً شعبياً واسعاً، ونظر إليه باعتباره تياراً وسطاً بين الحكومة الانتقالية برئاسة شيخ شريف، وحركة الشباب؛ إلا أن الخطاب الراديكالي الذي تبناه الحزب، والذي تماهى في كثير من الأحيان مع خطاب حركة الشباب، صدم الرأي العام، ما تسبب في انحسار التأييد الشعبي للحزب. وسرعان ما ساءت أوضاع الحزب الداخلية، بعد تردده في اتخاذ موقف واضح من الحرب التي أعلنتها حركة الشباب على منسوبي الحزب في كسمايو. وتمكنت حركة الشباب من إزاحة الحزب عن مناطق نفوذه شيئا فشيئا، إلى أن قضت عليه نهائيا، وأعلنت قيادته من ثم انضمامها إلى حركة الشباب (حقنا للدماء، على حد قولها). وبذلك خرج الحزب الإسلامي من المشهد السياسي؛ علما وأن الحزب لم يكن في الأصل حركة دعوية ذات قواعد شعبية، وإنما برز كحركة سياسية اختفت فجأة كما ظهرت.

بيد أن معظم قيادات الحزب كان مكرهاً على انتهاج مسار الاندماج في حركة الشباب، ولم تخف تلك القيادات نيتها في الخلاص من هذا المأزق عند أول فرصة تسنح لها. وقد تمكنوا بالفعل من الانسحاب من حركة الشباب بعد أن ضعفت الحركة وأخلت كثيرا من المناطق الواقعة تحت سيطرتها، حيث أعلن المتحدث الرسمي باسم الحزب الإسلامي في بداية 2013 انفصال الحزب عن حركة الشباب، وذكر أن سبب الانفصال يعود إلى فروق جوهرية، منهجية وسياسية، بين الحركتين. وتجدر الإشارة إلى أن الحزب لم تبق له قوة مسلحة كما لم تبق له منطقة نفوذ يسيطر عليها أتباعه؛ ولم تعلن قياداته بعد عن مبادرة سياسية، وإن كانت رحبت بانتخاب الرئيس الصومالي الجديد، حسن شيخ محمود، ما يدل على استعدادها للتفاوض مع حكومته.

رابعاً: حركة الشباب المجاهدين
ظهرت هذه الحركة كقوة مسلحة قبيل ظهور المحاكم الإسلامية في 2006، وإن كان تأسيسها كتنظيم يعود إلى بدايات 2002. وكانت حركة الشباب من أهم الأركان التي قام عليها اتحاد المحاكم الإسلامية، وكان بيدها الحل والعقد في القرارات العسكرية لأن معظم القيادات الميدانية المؤثرة كان من أعضائها.

أعادت الحركة تنظيم صفوفها بعيد الاجتياح الأثيوبي، وأعلنت انفصالها عن المحاكم وتبرأت من تحالف إعادة التحرير الذي تشكل في أسمرا، وخاضت المواجهات مع القوات الأثيوبية بمفردها. وسرعان ما أعلنت حركة الشباب انضمامها لتنظيم القاعدة بشكل رسمي. تعاطت الحركة مع الإعلام بشكل فعال، ما مكنها من الظهور بقوة محلياً ودولياً؛ ثم بدأت بعد خروج القوات الأثيوبية من الصومال بالاستيلاء على المناطق التي يضعف فيها وجود القوات الموالية للحكومة الانتقالية. وقد واصلت التوسع إلى أن استولت، مع بعض الفصائل التي شكلت فيما بعد الحزب الإسلامي، على مدينة كسمايو، كبرى مدن الجنوب بعد العاصمة مقديشو. وانتشر نفوذها إلى معظم المدن الرئيسية في الجنوب، لتبسط سيطرتها على ثمانية أقاليم، بالإضافة إلى أجزاء من العاصمة مقديشو وإقليم جلجدود، وسط الصومال. بيد أنها خسرت معظم تلك المناطق بسرعة قياسية بعد تعرضها لهجمات مكثفة من القوات الإفريقية والأثيوبية، التي تدعم الحكومة الصومالية، ولم يبق في يدها إلا إقليم جوبا الوسطى، وأجزاء من جوبا السفلى وجدو وشبيلى السفلى والوسطى، وبعض مدن هيران وجلجدود. انسحبت الحركة من المدن الرئيسية التي كانت تحكمها، مثل كسمايو وبيدوا وحدر وجوهر ومركا دون مقاومة تذكر، وهو ما أثار تساؤلات حول جدية الحركة في محاربة القوات الإفريقية والأثيوبية.

خسرت الحركة تأييد التيار الإسلامي لها بعد امتناعها عن التفاوض مع حكومة الرئيس شريف وهجماتها المتكررة على الحزب الإسلامي. وجهر العلماء والدعاة وبعض قيادات العمل الإسلامي في الصومال وكينيا بتخطئة أعمالها واتهامها بالغلو في الحكم على الناس والتهاون في مسائل الدماء.

ويرفض كثير من قيادات الاتجاه السلفي انتساب حركة الشباب إلى السلفية، ويعللون ذلك بأمور منها:

  • مخالفتها الصريحة للسلفية في قضايا عقدية ومنهجية، مثل التكفير بالشبهة واستحلال الدماء والأموال المعصومة بحجج وذرائع واهية على حد وصفهم.

  • انضمام الحركة إلى تنظيم القاعدة، الذي يعود أبرز قادته إلى خلفيات غير سلفية، وهذا دليل عندهم على أن مرجعية حركة الشباب غير سلفية.

  • الأفكار التي يحملها قادة الحركة ومؤسسوها مستوردة وليست وليدة الساحة السلفية في الصومال، بدليل أنه لا يوجد مرجع علمي واحد من علماء السلفية ودعاتها المعروفين شارك في تأسيس هذه الحركة.

هذا، وتناصب حركة الشباب أعلام الدعوة السلفية الصومالية العداء، لا سيما القيادات العلمية لجماعة الاعتصام بالكتاب والسنة. ولم تنجح حركة الشباب في بناء حاضنة شعبية تحتمي بها لأنها ليست في الأصل حركة دعوية، وإنما هي جماعة مسلحة أصلاً، فرضت سيطرتها بالقوة، ثم لما واجهها من هو أقوى منها، تخلى عنها الناس.

الاتجاه السلفي: ملامح المستقبل

يعد الاتجاه السلفي، وبخاصة جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، أوسع الحركات الإسلامية في الصومال قبولاً لدى الشعب الصومالي وأكثرها انتشاراً في جميع المناطق الصومالية. وتبذل الجماعة في هذه الأيام جهوداً مضنية لترتيب بيتها من الداخل وتفعيل شرايينها الحيوية. وقد قطعت في طريق تحقيق هذا الهدف شوطا لا بأس به. وثمة مؤشرات على أن هذه الجماعة تقترب من المعترك السياسي في الصومال بناء على أنها قوة لا يمكن تهميشها، بالإضافة إلى أن قاعدتها الشعبية بحاجة ماسة إلى من يعبر عن مطالبها السياسية، وإلى حماية قانونية وسياسية. ولا يغيب عن قيادة الجماعة وكوادرها أهمية المرحلة الانتقالية التي يعيشها الصومال. بيد أن الواضح أن الجماعة لم تحسم بعد موقفها الرسمي من المشاركة في العملية السياسية كجماعة، كما أنها لم تحسم كذلك في شأن تأسيس حزب سياسي يمثلها بصورة رسمية.

ويعزو كثير من قيادات الجماعة هذا الإحجام إلى سببين رئيسين، وهما:

  • أن الحالة السياسية في الصومال لم تنضج بعد، ولم تزل تعتمد على المحاصصة القبلية، التي تتنافى مع الرؤية السياسية للجماعة، التي ترى أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تقسيم الصومال بلداً وشعباً؛ إضافة إلى أن العضو البرلماني المنتخب على هذا الأساس لا يمثل مشروعاً أو حزباً سياسياً، وإنما قبيلة بعينها، ويعتمد على دعمها له.

  • هناك قوات أجنبية مسيطرة، لا تستأذن أحداً، وهي التي بيدها الحل والعقد في كثير من الأمور؛ ولذا فإن المتقدم للقيادة السياسية في هذه المرحلة سيواجه معضلة لا يحسد عليها، وسيتحتم عليه أن يختار أمرين أحلاهما مر: أن ينصاع لمطالب القوات الأجنبية المسيطرة على البلاد، فيخسر تأييد شعبه له، أو أن يتمرد على إملاءات هذه القوات التي تتولى حمايته، كما تتولى تأمين المنشآت الحكومية الحيوية كالموانئ والمطارات، ما يعني أنه سيكون نهباً للمليشيات المحلية أو يضطر إلى إنشاء ميليشياته الخاصة.

أما من حيث التأصيل، فقد حسمت الجماعة موقفها الشرعي والمبدئي من المشاركة السياسية، فنصت في منهجها على جوازها بشرط تحقيقها للمصالح المشروعة. وقد جاء في باب السياسة الشرعية من منهج الجماعة: “وأما المشاركة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، في بلاد الإسلام أو في بلاد الكفر، فهي من المسائل التي يختلف فيها الحكم زماناً ومكاناً وحالاً، من جهة مدى تحقيقها للمصالح المشروعة. والدخول فيها بنية الإصلاح وتقليل الشر، تأويل سائغ، أفتى بموجبه أكثر علماء العصر، بينما أفتى الآخرون بالتحريم. أما التكفير بذلك فهو غلو ومخالفة وشذوذ“.(11) أما من الناحية العملية، فقد أنشأت الجماعة في مجلس شوراها لجنة تعنى بالملف السياسي ومتابعة تطوراته، بالإضافة إلى إعداد ما يمكن أن تتخذه من مواقف حيال القضايا السياسية، وتقديم ذلك إلى مجلس الشورى للبت فيها اعتماداً أو رفضاً، ما يشير إلى أن الجماعة خطت بالفعل نحو المشاركة في العملية السياسية أو التأثير عليها كجماعة ضغط.

وتملك الجماعة مقومات كثيرة تؤهلها لخوض المعترك السياسي، مثل الكادر المؤهل المتواجد في كثير من المناطق والقبائل الصومالية، ما يعني أنها لن تواجه صعوبة في تأسيس حزب سياسي يحظى بتأييد ملحوظ ومؤثر في معظم مدن البلاد الرئيسة. كما تملك الجماعة قاعدة شعبية عريضة لا تملكها الجماعات الإسلامية الأخرى أو الأحزاب المنافسة. إضافة إلى ذلك، راكمت الجماعة رصيداً من الخبرات طوال ما يزيد عن 40 عاماً؛ وهو ما أكسبها مرونة وواقعية. ولم يعد سراً أن الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي، التي توالي هذه الجماعة منهجياً، قد أبرمت اتفاقية صلح مع الحكومة الأثيوبية في 2010، بعد مواجهة مسلحة دامت 18 عاماً، وذلك بعد مراجعات منهجية وسياسية، وبالتشاور مع قيادات التيار السلفي. تشير هذه المقومات وغيرها إلى أن الجماعة قد تصبح قوة سياسية معتبرة، إن هي اتخذت قرار إنشاء حزب يمثلها، لا سيما إذا دخل الصومال مرحلة التعددية الحزبية واعتمد نظام الانتخابات البرلمانية والرئاسية المباشرة.

أما المكونات السلفية الأخرى فينقصها كثير من المقومات الضرورية للنجاح. فالسلفية غير المنظمة لا تهتم أصلا بالمجال السياسي، وإن عزمت على الخوض فيها فهي تعادي فكرة العمل التنظيمي الذي هو أساس النجاح في العمل السياسي؛ بالإضافة إلى قلة أتباعها وانحسارهم في مدن محدودة. كما يفتقر الحزب الإسلامي إلى أرضية شعبية ينطلق منها، أو حركة دعوية ذات قاعدة عريضة تدعمه؛ بالإضافة إلى أنه لم يعد لديه الآن قوة عسكرية يفاوض على أساسها الحكومة الصومالية ليتسنى له الحصول على مكاسب سياسية. ولا يستبعد إمكانية دمج أعضاء الحزب الإسلامي في الحكومة، بهدف الاحتواء وليس الشراكة في صناعة القرار؛ كما ليس من المستبعد أن يكون له دور سياسي إذا أعلن بشكل صريح تراجعه عن الخطاب المتشدد الذي تبناه في السابق، واعتذر عن أخطائه المنهجية والسياسية، وتقدم بمبادرات سياسية مرنة تراعي المصلحة العامة.

أما حركة الشباب، فتحرم المشاركة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي تجري في العالم الإسلامي، بل إن منظريها يكفرون حتى من أجاز المشاركة في الانتخابات. وليس من المتوقع – بناء على أنها جزء من تنظيم القاعدة الدولي – أن توافق على المشاركة في العملية السياسية حتى إن أتيحت لها الفرصة. يضاف إلى ذلك، أنها لا تملك في الأصل أرضية شعبية تبني عليها، كما لا تملك كادراً مؤهلاً تدفع به إلى الانتخابات. ويبدو أن نفوذ حركة الشباب وفعاليتها أخذا في الانحسار بعد أن خسرت كثيراً من قوتها العسكرية ومعظم المناطق التي كانت تسيطر عليها. وتعتبر إمكانية اندماجها في الحكومة الصومالية ضئيلة، وربما منعدمة لكونها جزءاً من منظمة غير مرغوب فيها محلياً وإقليمياً ودولياً.

يبدو التيار السلفي في الصومال مرشحاً لأن يلعب دوراً سياسياً مؤثراً، نظراً لقاعدته العريضة. وسيزداد تأثير التيار السلفي في المعادلة السياسية إذا تمكن من تنظيم صفوفه وحشد قوته، ونجح في نسج علاقات إيجابية مع القوى المؤثرة في العالمين العربي والاسلامي، التي تجمعها به الأهداف والمصالح المشتركة.

نشر هذا المقال في مركز الجزيرة للدراسات. 5 /9 /2013   http://studies.aljazeera.net/reports/2013/09/2013951021315186.htm
_____________________________________
حسن محمد إبراهيم – كاتب متخصص في شؤون الحركات الإسلامية في الصومال

الإحالات
1-  سالم سعيد، الشيخ نور الدين علي علو (ترجمة مختصرة)
http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=93&Itemid=30
2-  الشيخ بشير أحمد صلاد، بحث غير منشور، “محطات فكرية للصحوة في الصومال”.
3- محمد عمر أحمد، مذكرات داعية  http://arabic.alshahid.net/columnists/88917
4- الشيخ بشير أحمد صلاد، بحث غير منشور، “محطات فكرية للصحوة في الصومال”
5- محمد عمر أحمد، مذكرات داعية، http://arabic.alshahid.net/columnists/90123
6- محمد عمر أحمد، مذكرات داعية  http://arabic.alshahid.net/columnists/94826
7- علي عبد العال، لقاء مع أمير جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة الشيخ بشير صلاد
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=10384
8- عبد الرحمن سهل, صلاد، أمريكا استأثرت بمفهوم الإرهاب وقامت بتسويقه عشوائياً،
http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-89-11138.htm
9- الشيخ أحمد عبد الصمد , رئيس المجلس التنفيذي لجماعة الاعتصام بالكتاب والسنة ، إفادة شفوية
10-  منهج جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة المنشور على صفحتها الرسمية:   http://ictisaam.net/
11- منهج جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة. مرجع سابق

تعليق واحد

  • الداعية عبدالله محمد إمام وخطيب مسجد رمضان في بوصاصوقال:

    شكرا للداعية حسن حيث قام بتحديد الواقع وإستشراف المستقبل