السنة النبوية منزلتها ومراحل تدوينها إعداد / الشيخ أحمد عبد الرحمن


طيالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:

أما بعد: فإن السنة النبوية لها منزلة رفيعة ومكانة عالية فهي وحي من الله وهي أصل من أصول الشريعة ولا يستغنى عنها بالقرآن .

السنة تبين القرآن:

فالله تبارك وتعالى اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بنبوته واختصه برسالته فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم وأمره فيه في جملة ما أمره به أن يبينه للناس فقال تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) [ النحل : 44 ] . والبيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان :

الأول : بيان اللفظ ونظمه وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه وأداؤه إلى الأمة كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم . وهو المراد بقوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) [ المائدة : 67 ] وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها في حديث لها : ” ومن حدثكم أن محمدا كتم شيئا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية . ثم تلت الآية المذكورة ” [ أخرجه الشيخان ] . وفي رواية لمسلم : ” لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا أمر بتبليغه لكتم قوله تعالى : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) [ الأحزاب : 37 ] “

 والآخر : بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة أو العامة أو المطلقة فتأتي السنة فتوضح المجمل وتخصص العام وتقيد المطلق . وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم كما يكون بفعله وإقراره.

ضرورة السنة لفهم القرآن والأمثلة على ذلك

وقوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) [ المائدة : 38 ] مثال صالح لذلك فإن السارق فيه مطلق كاليد فبينت السنة القولية الأول منهما وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينار بقوله صلى الله عليه وسلم : ” لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا “ [ أخرجه الشيخان ] . كما بينت الآخر بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل كما هو معروف في كتب لحديث وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) [ النساء : 43 ، المائدة : 6 ] بأنها الكف أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : ” التيمم ضربة للوجه والكفين ” [ أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما ]

وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهما صحيحا على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة :

1 – قوله تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) [ الأنعام : 82 ] فقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( بظلم ) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيرا ولذلك استشكلوا الآية فقالوا : يا رسول الله أينا لم يلبس أيمانه بظلم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ” ليس بذلك إنما هو الشرك ألا تسمعوا إلى قول لقمان : ( إن الشرك لظلم عظيم ) [ لقمان : 13 ] ؟ ” [ أخرجه الشيخان وغيرهما ]

2 – قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) [ النساء : 101 ] فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما بالنا نقصر وقد أمنا ؟ قال : ” صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ” [ رواه مسلم ]

3 – قوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم . . ) [ المائدة : 3 ] فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك والكبد والطحال من الدم حلال فقال صلى الله عليه وسلم : ” أحلت لنا ميتتان ودمان : الجراد والحوت ( أي السمك بجميع أنواعه ) والكبد والطحال ” [ أخرجه البيهقي وغيره مرفوعا وموقوفا وإسناد الموقوف صحيح وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي ]

4 – قوله تعالى : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ) [ الأنعام : 145 ] . ثم جاءت السنة فحرمت أشياء لم تذكر في هذه الآية كقوله صلى الله عليه وسلم : ” كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير حرام ” . وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك . كقوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : ” إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية فإنها رجس ” [ أخرجه الشيخان ]

5 – قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) [ الأعراف : 32 ] فبينت السنة أيضا أن من الزينة ما هو محرم فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما على أصحابه وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب فقال : ” هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم ” [ أخرجه الحاكم وصححه ] والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في ” الصحيحين ” وغيرهما . إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه .

ومما تقدم يتبين لنا أيها الإخوة أهمية السنة في التشريع الإسلامي فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة فضلا عن غيرها مما لم نذكر نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهما إلا مقرونا بالسنة ففي المثال الأول فهم الصحابة ( الظلم ) المذكور في الآية على ظاهره ومع أنهم كانوا رضي الله عنهم كما قال ابن مسعود : ( أفضل هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا ) فإنهم مع ذلك قد أخطأوا في ذلك الفهم فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم ردهم عن خطئهم وأرشدهم إلى أن الصواب في ( الظلم ) المذكور إنما هو الشرك لاتبعناهم على خطئهم ولكن الله تبارك وتعالى صاننا عن ذلك . بفضل إرشاده صلى الله عليه وسلم وسنته . وفي المثال الثاني : لولا الحديث المذكور لبقينا شاكين على الأقل في قصر الصلاة في السفر في حالة الأمن إن لم نذهب إلى اشتراط الخوف فيه كما هو ظاهر الآية وكما تبادر ذلك لبعض الصحابة لولا أنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر ويقصرون معه وقد أمنوا .

وفي المثال الثالث : لولا الحديث أيضا لحرمنا طيبات أحلت لنا : الجراد والسمك والكبد والطحال . وفي المثال الرابع : لولا الأحاديث التي ذكرنا فيه بعضها لاستحللنا ما حرم الله علينا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من السباع وذوي المخلب من الطير . وكذلك المثال الخامس : لولا الأحاديث التي فيه لاستحللنا ما حرم الله على لسان نبيه من الذهب والحرير ومن هنا قال بعض السلف : السنة تقضي على الكتاب.

ضلال المستغنين بالقرآن عن السنة

ومن المؤسف أنه وجد في الوقت الحاضر طائفة يتسمون بـ ( القرآنيين ) يفسرون القرآن بأهوائهم وعقولهم دون الاستعانة على ذلك بالسنة الصحيحة بل السنة عندهم تبع لأهوائهم فما وافقهم منها تشبثوا به وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظهريا وكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى هؤلاء بقوله في الحديث الصحيح : ” لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ” [ رواه الترمذي ] . وفي رواية لغيره : ” ما وجدنا فيه حراما حرمناه ألا وإني أتيت القرآن ومثله معه ” . وفي أخرى : ” ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ” .

فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة قاطعة على أن الشريعة الإسلامية ليست قرآنا فقط وإنما قرآن وسنة فمن تمسك بأحدهما دون الآخر لم يتمسك بأحدهما لأن كل واحد منهما يأمر بالتمسك بالآخر كما قال تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) [ النساء : 80 ] وقال : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) [ النساء : 65 ] وقال : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) [ الأحزاب : 36 ] وقال : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر : 7 ] و ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أن امرأة جاءت إليه فقالت له : أنت الذي تقول : لعن الله النامصات والمتنمصات والواشمات . . الحديث ؟ قال : نعم قالت : فإني قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره فلم أجد فيه ما تقول فقال لها : إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) قالت : بلى قال : فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لعن الله النامصات . . الحديث [ متفق عليه ]

عدم كفاية اللغة لفهم القرآن

ومما سبق يبدو واضحا أنه لا مجال لأحد مهما كان عالما باللغة العربية وآدابها أن يفهم القرآن الكريم دون الاستعانة على ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية فإنه لم يكن أعلم في اللغة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين نزل القرآن بلغتهم ولم تكن قد شابتها لوثة العجمة والعامية واللحن ومع ذلك فإنهم غلطوا في فهم الآيات السابقة حين اعتمدوا على لغتهم فقط وعليه فمن البدهي أن المرء كلما كان عالما بالسنة كان أحرى بفهم القرآن واستنباط الأحكام منه ممن هو جاهل بها فكيف بمن هو غير معتد بها ولا ملتفت إليها أصلا ؟

ولذلك كان من القواعد المتفق عليها بين أهل العلم : أن يفسر القرآن بالقرآن والسنة ثم بأقوال الصحابة . . إلخ قال شارح الطحاوية (وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقاه من قول فلان ؟ وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله . لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات الذي تخيرهم النقاد فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده بل نقلوا نظمه ومعناه ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان بل يتعلمونه بمعانيه . ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه . ومن يتكلم برأيه وبما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم وإن أصاب . ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ . لكن إن أصاب يضاعف أجره ) ,…( فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا أو نحمله شبهة أو شكا أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم فنوحده صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل ) .

وجملة القول : أن الواجب على المسلمين جميعا أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما وإقامة التشريع عليهما معا . فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يمينا ويسارا وأن لا يرجعوا القهقرى ضلالا كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ” تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض ” [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ويجب أن يتنبه أن السنة التي لها هذه الأهمية في التشريع إنما هي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالطرق العلمية والأسانيد الصحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله . وليست هي كلما في بطون مختلف الكتب من التفسير والفقه والترغيب والترهيب والرقائق والمواعظ وغيرها فإن فيها كثيرا من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة وبعضها مما يتبرأ منه الإسلام .

مثل قصة الغرانيق وقد بين المحدثون علة تلك الأحاديث وميزوا ما صح منها مما لم يصح من آخرهم المحدث الشيخ الألباني في كبابه ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة ” ولا يجوز لمتكلم أن يحتج بحديث إلا بعد التأكد من صحته وثبوته فإن كتب الفقه التي يرجع إليها عادة مملوءة بالأحاديث الواهية المنكرة وما لا أصل له كما هو معروف عند العلماء ولا يجوز التفريق في الإحتجاج بين الكتاب والسنة بل يجب الأخذ بهما معا كمرتبة واحدة أما حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أرسله إلى اليمن : بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله قال : ” فإن لم تجد ؟ ” قال : بسنة رسول الله قال : ” فإن لم تجد ؟ ” قال : أجتهد رأيي ولا آلو . قال : ” الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله ” هو حديث ضعيف من حيث الإسناد بل ذكر أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى أنه : ( حديث منكر ) . وفيه نكارة إذ إنه يفيد عدم الإستدلال بالسنة إلا بعد أن لم يوجد دليل من القرآن والحق ليس كذلك.بل يجوز أن تحتج بالسنة مع وجود دليل من القرآن ولا فرق بينهما من حيث الحجية لأن كلاً منهما وحي من الله, لكن يوجد جوانب أخرى يفضل القرآن على السنة ككونه ثبث كله متواترا وكونه يتعبد بتلاوته وأنه معجز بلفظه وغير ذلك

تاريخ تدوين السنة

ورد في الإذن بكتابة السنة أحاديث:

1- ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسول – صلى الله عليه وسلم – مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، (وخطب خطبة) فقام أبو شاه، رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (اكتبوا لأبي شاه) رواه البخاري

2- ومثله ما ورد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – بَشَرٌ يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّه – صلى الله عليه وسلم -، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: “اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حقٌّ” رواه أبو داود والإمام أحمد. وجاءت أحاديث أخرى في النهي عن كتابة السنة.منها حديث (لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني سوى القرآن فليمحه) رواه مسلم وقد أخذ به بعض السلف وتركوا كتابة الحديث لكن أكثرهم على جوازها, ثم وقع الإجماع بعد ذلك على استحبابها, وأجابوا عن النهي بجوابين:

 الأول: أنه منسوخ بأحاديث الإذن لأنه نهى أولا خوفا من اختلاطها بالقرآن فلما أمن من ذلك وقع الإذن بالكتابة

الثاني: أن النهي كان خاصا لمن يثق بحفظه وخيف على اتكاله بالكتابة بخلاف من ليس كذلك

 متى بدأ تدوين السنة؟

قسم بعضهم أطوار كتابة السنة النبوية إلى ثلاث مراحل:

أولاها: مرحلة الكتابة،

والثانية: مرحلة التدوين،

والثالثة: مرحلة التصنيف.

والكتابة هو ما تم في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – والصحابة كصحيفة علي بن أبي طالب التي كان فيها أحاديث متعلقة ببعض الأحكام الشرعية، هي أحكام الدِّيات ومقاديرها وأصنافها وحكم تخليص الأسير من يد العدو، وبعض أحكام القصاص وغيره. فمرحلة الكتابة هو ما كان في القرن الأول الهجري، ولم يكن كثيرا بل كان أكثرهم يتنا قلونها شفاها في صدورهم ,أو في الصحف

أما التدوين – وهو أن يجمع أحا ديث كثيرة في ديوان لكنها غير مرتبة- فقد بدأ في نهاية هذا القرن الأول على يد ابن شهاب الزهري وغيره بأمر من الخليفة عمر بن عبدالعزيز (ت 101هـ) حيث أرسل عمر ابن عبد العزيز إلى عماله على الأقاليم الإسلامية كأبي بكر بن عمرو بن حزم في المدينة, يأمرهم بجمع السنة قائلا: “انظروا إلى حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاجمعوه”. لذلك قال الإمام مالك بن أنس (ت179هـ): “أول من دون العلم ابن شهاب الزهري ت(124هـ)”. وقد أمر عمر, بكتب ما جمعه الزهري من الحديث في دفاتر ودواوين وبعث بها إلى الأمصار الإسلامية حسبما روى ابن عبدالبر عن ابن شهاب نفسه قال: “أمرنا عمر بن عبدالعزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا”. وكان الشائع عند طلاب الحديث في عصر الزهري تدوين بعض الحديث فقط كأحاديث الأحكام الشرعية مثلا،

أما الإمام الزهري فكان يكتب – وهو ما يزال في مرحلة الطلب – كل ما تتلقفه أذناه من الحديث النبوي، سواء أتعلق الأمر بأحاديث الأحكام أم بغيرها من أبواب الدين وميادينه، ويؤكد هذا ما رواه الخطيب البغدادي وابن عبدالبر في جامعيهما عن أبي الزناد قال: “كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس”. ولم يكن يقتصر على المرفوع من قول النبي – صلى الله عليه وسلم -، بل كان يدون ما جاء عن الصحابة أيضا ملحقا إياه بالسنن فقد روي عن صالح بن كيسان قال: “اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن فكتبنا ما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة فقلت أنا: ليس بسنة فلا نكتبه، قال: فكتب، ولم أكتب، فأنجح، وضيعت” وقد أثنى العلماء على الزهري قال الإمام مالك “أول من أسند الحديث ابن شهاب ، و قال الإمام أحمد بن حنبل: “الزهري أحسن الناس حديثا وأحسن الناس إسنادا”، وقال أبو داود الطيالسي: “وجدنا الحديث عند أربعة: الزهري وقتادة والأعمش وأبي إسحاق، وكان قتادة أعلمهم بالاختلاف وكان الزهري أعلمهم بالإسناد…

وبعد مرحلة التدوين مباشرة بدأت مرحلة التصنيف – وهو ترتيب مادون وتبويبه – والتي توسع فيها جيل تلامذة الزهري رحمه الله. قال عبدالرزاق الصنعاني: “أول من صنف الكتب ابن جريج (ت150هـ) . وتوسع التصنيف في السنة النبوية كان بعد منتصف القرن الثاني الهجري: وكان تعامل المسلمين مع السنة النبوية منذ أول يوم يقوم على أساسين اثنين هما: الحفظ في الصدور والتقييد في الصحف، وعلى الرغم من أن الحفظ في البداية كان هو الغالب بسبب المنع النبوي من الكتابة الذي اقتضته ظروف معينة فإن الكتابة ظلت حاضرة، ولكن بصورة محدودة إلى حد ما إلا أنها كانت تعرف مع الأيام توسعا وانتشاراً؛ بسبب ارتفاع الأسباب الداعية إلى منعها شيئا فشيئا من جهة، ثم بسبب تكاثر الدواعي إلى ضرورة حفظها بهذا الطريق.

وفي بيان هذا يقول ابن الأثير: “وكان اعتمادهم أولاً على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يسطرونه محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله عز وجل، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوح ومات معظم الصحابة وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، و زاد الحاجة إلى التدوين ظاهرة الوضع والاختلاق في الحديث التي ظهرت في تلك الحقبة الزمنية بعد موت الصحابة على يد الزنادقة، فكانت داعيا أساسياً لدى العلماء لتدوين السنة

قال الزهري وهو يشرح البواعث على قيامه بالتدوين: “لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق(العراق) ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثا ولا أَذِنْتُ في كتابته”.واتفقت المصادر على أن أول من صنف مطلقا: هشام بن حسان (ت147هـ) وأبو محمد عبدالملك بن جريج (ت150هـ) ومحمد بن إسحاق (ت151هـ) ومعمر بن راشد (ت153هـ) وسعيد بن أبي عروبة (ت 156هـ) وأبو عمرو الأوزاعي (ت156هـ) ومحمد بن عبدالرحمن ابن أبي ذئب (ت158هـ) والربيع بن صبيح (ت160هـ) وشعبة بن الحجاج (ت160هـ) وسفيان الثوري (ت161هـ) وحماد بن سلمة (ت167هـ) والليث بن سعد (ت 175هـ) وهؤلاء اختلف في أيهم كان الأسبق.

وبعدهم مالك بن أنس (ت179هـ) وعبدالله بن المبارك (ت181هـ) ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة (ت183هـ) وهشيم بن بشير (ت188هـ) وجرير بن عبدالحميد (ت188هـ) وعبدالله بن وهب (ت197هـ) ووكيع ابن الجراح (ت197هـ) وسفيان بن عيينة (ت198هـ) وعبدالملك بن عبدالرحمن الذماري (ت200هـ)، وأبو داود الطيالسي (ت204هـ)، وعبدالرزاق الصنعاني (ت211هـ)، ومحمد بن يوسف الفريابي (ت212هـ)..(1) وأغلب هؤلاء تلامذة للزهري. ويذكر أن مصنفات القرن الثاني الهجري إنما نشأت في بدايتها لتردَّ على أهل الزيغ والبدع والانحرافات والأهواء كالقدرية والخوارج والرافضة وأمثالهم،وكذا الجهمية التي ادعت بعدم حجية خبر الآحاد, وخاض علماء الحديث في هذه المرحلة معركة إثبات السنة وحجيتها وبيان موقعها في حياة المسلمين –

تدوين السنة النبوية في القرن الثالث الهجري:

يعدُّ هذا القرن أهم فترة في تاريخ السنة النبوية على الإطلاق ولذلك استحق أن يسمى عند الدارسين بالعصر الذهبي للسنة. ومعظم الكتب الموجودة الآن التي تعتبر من أهم مصادر السنة النبوية صنفت في هذا القرن. ويمكن أن نذكر من هؤلاء المصنفين: أسد بن موسى الأموي (ت212هـ)، وعبيد الله بن موسى العبسي (ت213هـ)، وعبدالله بن الزبير الحميدي (ت219هـ) وأحمد بن منيع البغوي (ت224هـ)، وسعيد بن منصور (ت227هـ)، ونعيم بن حماد الخزاعي (ت228هـ)، ومسدد بن مسرهد البصري (ت228هـ)، وعلي بن الجعد الجوهري (ت230هـ)، وعبدالله بن محمد الجعفي المسندي (ت229هـ)، ويحيى بن معين (ت233هـ)، وعلي بن المديني (ت234هـ)، وأبا خثيمة زهير بن حرب (ت234هـ)، وأبا بكر بن أبي شيبة (ت235هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت238هـ)، وخليفة بن خياط (ت240هـ)، وأحمد بن حنبل (ت241هـ)،

وإسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي (ت242هـ)، والحسن الحلواني (ت242هـ)، وأحمد بن منيع (ت 244هـ)، وعبد بن حميد (ت249هـ)، وإسحاق بن منصور (ت251هـ)، ومحمد بن هشام السدوسي (ت251هـ)، وعبدالله بن عبدالرحمن الدارمي (ت255هـ) ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ)، ومسلم بن الحجاج القشيري (ت261هـ) ومحمد بن يزيد ابن ماجه (ت273هـ)، وأبا داود سليمان بن الأشعث (ت275هـ)، وأبا عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت279هـ)، وأبا عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303هـ).

دراسة موجزة للكتب الستة

واختار بعض من صنف في القرن الثالث, أن يجمع الأحاديث الصحيحة الثابتتة عن النبي صلى الله عليه وسلم  كما فعل الإمام البخاري رحمه الله(ت156هـ ) في صحيحه , أما سبب تأليفه فذكر بنفسه حيث قال “كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: “لو جمعتم كتابا مختصراً لسنن النبي – صلى الله عليه وسلم -، فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب”، وقد جعل اسمه: “الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسننه وأيامه” وأفرده لأصح الصحيح خاصة لا مطلق الصحيح، قاصداً فيه الاختصار فقط، وليس الاستقصاء. وفي هذا الإطار يجب أن يفهم قوله المشهور: “أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح” وقوله: “ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول” وقوله: “صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله”.

ثم حذا حذوه في دقة الشرط في التصحيح تلميذه الإمام مسلم ابن الحجاج (ت261هـ) في كتابه: “المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -“.ويأتي في المرتبة بعده مباشرة، وقد ثبت عنه أنه قال: “صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث”، وهو مُتَلَقَّى بالقبول ككتاب الإمام البخاري، وهما معاً أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. ومع أن شرط الإمام البخاري كان أدقَّ وأعلى من شرط الإمام مسلم إلا أن كتاب الإمام مسلم حظي بتفضيل بعض العلماء لميزات تعود إلى جانب الترتيب والعرض وطريقة إيراد الحديث، يقول الحافظ ابن حجر: “حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى”.

ولم يضع أسماء الأبواب والتراجم. وأخلى الكتاب من اجتهاداته الشخصية بالمرة حتى يترك المجال واسعا للقارئ لاختيار ما يراه راجحا أو موافقا لمذهبه. وفي هذا الإطار جعل لكتابه بخلاف البخاري مقدمة في منهج النقد الحديثي تعدُّ من أقدم ما كتب في الجانب النظري والتقعيدي لعلم مصطلح الحديث، فكان هذا وذاك مما أعطى لكتابه تميزاً حظي على أساسه بتفضيل عدد لا يستهان به من العلماء كما تقدم. وفي هذا القرن أيضا ألَّف الأئمة الأربعة سننهم المشهورة وهم: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275هـ) وأبو عيسى محمد بن عيسى ابن سورة الترمذي (ت279هـ) وأبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303هـ) ومحمد بن يزيد المشهور بابن ماجه (ت273هـ)،

وهذه الكتب الستة هي التي تسمى الأمهات الستة ولكل واحد من السنن الأربعة خصائص لا يشاركه غيره فيها فسنن أبي داود رحمه الله التي يعتبر مؤلفا أساسيا في السنة النبوية لا يمكن الاستغناء عنه بحال، قال الإمام الخطابي مبينا مرتبة هذا الكتاب وأهميته وموقف الأئمة منه: “واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين مثله، وقد رُزِقَ القبول من الناس كافة، فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه مُعَوَّلُ أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن وأقطار الأرض.

وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا يعلم متقدم سبقه إليه ولا متأخر لحقه فيه. وحرص الإمام أبي داود في الكتاب على استيفاء أحاديث الأحكام، ما لم يتمكن أحد قبله كما نبه عليه الخطابي, وعدد ما في سنن أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة، كما نص على ذلك بنفسه. أما جامع الترمذي فله ميزة خاصة وهي سبقه إلى بيان درجة كل حديث من أحاديثه في إطار ترتيبه لها على الأبواب مع عرض المذاهب الفقهية وآراء الفقها والعلماء في المسائل الخلافية وما عليه العمل.

وأما سنن الإمام النسائي المسماة بالمجتبى لكونها مختصرة من الكبرى فقد ظهر رسوخ صاحبها وتمكنه وضيق شرطه في قيمتها ومنزلتها عند العلماء الذين ذهب بعضهم إلى جعلها في المرتبة بعد الصحيحين مباشرة، كما هو اختيار ابن رشيد السبتي حيث قال: “كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا وأحسنها ترصيفا، وكان كتابه جامعا بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كثير من بيان العلل. وفي الجملة فهو أقل الكتب بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ورجلا مجروحا”، ولذلك أطلق عليه اسم الصحة كل من أبي علي النيسابوري وأبي أحمد بن عدي وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبدالله الحاكم وابن منده وعبدالغني بن سعيد الأزدي وأبي يعلى الخليلي وأبي علي بن السكن وأبي بكر الخطيب وغيرهم.

وقال الحافظ ابن حجر مبينا مذهب النسائي في التخريج عن الرواة: “فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين، فحكى أبو الفضل بن طاهر قال: سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه، فقلت له: إن النسائي لم يحتج به؟ فقال: يا بني إن لأبي عبدالرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم”. وميزة هذه الكتب الخمسة هي استيعابها للصحيح من أصول أحاديث الأحكام، قال الإمام النووي: “لم يَفُتْ الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي “,

 فائدة: ذكر ابن القيم أن أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث، أما سنن ابن ماجة فإنه بعد هذه الكتب الخمسة مرتبة وأول من عده في سادس الكتب الستة هو الحافط ابن طاهر السلفي, وعد بعض العلماء سادس الكتب موطأ مالك, كابن الأثير في جامع الأصول.وتفرد بزيادات كثيرة تبلغ الألف كما أفادنا شيخنا المحدث عبد المحسن العباد حفظه الله,كثير منها صحيحة أو حسنة وقد أفرد الشيخ المحدث الألباني أحاديثه الصحيحة فبلغت فوق الثلاثة الف.وقد تميز حسن ترتيبه وأسلوب عرضه.

وامتدادا للقرن الثالث وتكميلا له, فقد ظهرت مؤلفات في السنة في القرن الرابع الهجري, ومن أبرز المحدثين في هذا العصر : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت311هـ) وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ابن يزيد الإسفراييني (ت316هـ) وأبو القاسم عبدالله بن محمد البغوي (ت317هـ) وأبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت321 هـ) وأبو عمران موسى بن العباس بن محمد الجويني (ت323هـ)

وأبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري المعروف بابن الشَّرْقي (ت325هـ) ومحمد بن عبدالملك بن أيمن القرطبي (ت330هـ) وأبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم الطوسي البلاذري (ت339هـ) وأبو محمد قاسم بن أصبغ البياني الأندلسي (ت340هـ) وأبو الحسين خيثمة بن سليمان (ت343هـ) وأبو النصر محمد ابن محمد بن يوسف الطوسي (ت344هـ) وأبو عبدالله محمد بن يعقوب الشيباني المعروف بابن الأخرم (ت344هـ) وأبو الوليد حسان بن محمد بن أحمد بن هارون القزويني (ت344هـ)

وأبو بكر أحمد بن سليمان النجاد (ت348هـ) وأبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد ابن السكن (ت353هـ) وأبو سعيد أحمد بن أبي بكر الحيري (ت353هـ) وأبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت354هـ) وأبو حامد أحمد بن محمد بن شارك الهروي (ت355هـ) وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت360هـ) وأبو بكر محمد بن الحسين الآجري (ت360هـ) وأبو علي الحسين بن محمد الماسرجسي (ت365هـ) وأبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي (ت371هـ) وأبو أحمد محمد بن أبي حامد بن الغطريف الجرجاني (ت377هـ) وأبو عبدالله محمد بن العباس بن أحمد المعروف بابن أبي ذهل الضبي (ت378هـ) وأبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني (ت385هـ) وأبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين (ت385هـ) وأبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت388هـ) وأبو بكر محمد بن عبدالله الجوزقي (ت388هـ) وأبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده (ت395هـ) وإبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي (ت400هـ) وخلف بن محمد الواسطي (ت401هـ) وأبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم الضبي المعروف بابن البيع (ت405هـ).

وقد عمل هؤلاء المصنفون في الغالب الأعم على إتمام الصرح الذي شيده أئمة القرن الثالث وإكماله كما سبق، فجاءت كتب هؤلاء مرتبطة بمؤلفات ذلك القرن جزئيا أو كليا، ومن هولاء من حاول أن يسلك مسلك البخاري ومسلم في جمع الأحاديث الصحيحة المجردة خاصة دون غيرها, منهم: ابن خزيمة (ت311هـ)، وابن السكن (ت353هـ) وابن حبان البستي (ت354هـ)، والحاكم (ت405) ولوحظ لدى بعضهم تساهل فقد قيل: إن أصح مَنْ صَنَّفَ في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان.ثم الحاكم ومنهج ابن حبان في صحيحه مبتكر, لذلك سمى به التقاسيم والأنواع, ورتبه بطريقة مخترعة لم يسبق إليها، فلا هي على الأبواب ولا هي على المسانيد بل هي تقسيم أصولي فريد جاء على صورة بَيَّنها بقوله: “فرأيتها تنقسم خمسة أقسام متساوية متفقة التقسيم غير متنافية.

فأولها: الأوامر التي أمر الله عباده بها

والثاني: النواهي التي نهى الله عباده عنها

والثالث: إخباره عمَّا احتيج إلى معرفتها،

والرابع: الإباحات التي أبيح ارتكابها

والخامس أفعال النبي – صلى الله عليه وسلم – التي انفرد بفعلها،

ثم رأيت كل قسم منها يتنوع أنواعا كثيرة، ومن كل نوع تتنوع علوم خطيرة ليس يعقلها إلا العالمون الذين هم في العلم، راسخون دون مَنْ اشتغل في الأصول بالقياس المنكوس، وأمعن في الفروع بالرأي المنحوس، وإنا نملي كل قسم بما فيه من الأنواع وكل نوع بما فيه من الاختراع الذي لا يخفى تحضيره على ذوي الحجا، ولا تتعذَّر كيفيته على أولي النهى، ونبدأ منه بأنواع تراجم الكتاب..”.

وفي هذا الإطار أيضا ألَّف أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ) كتابه “شرح معاني الآثار” رتبه على الكتب والأبواب وذكر فيه ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الآثار مبينا الناسخ من المنسوخ، والمطلق من المقيد، وواجب العمل منها من غيره، وَبيَّنَ أن قصده الرد على أهل الإلحاد والزندقة. ومما ظهر في القرن الرابع كتب الإستخراج على كتب المتقدمين لا سيما الصحيحين فاستخرج كل من أبي بكر الإسماعيلي (ت371هـ) وأبي أحمد ابن الغطريف الغطريفي (ت377هـ) وابن أبي ذهل الضبي (ت378هـ) على صحيح البخاري، واستخرج أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت316هـ)،

وكذا أبو بكر الجوزقي (ت388هـ) على صحيح مسلم، واستخرج عليهما معا أبو علي الماسرجسي (ت365هـ)، وكذا أبو بكر الجوزقي (ت388هـ). والمستخرج عند المحدثين هو كما عرفه الكتاني رحمه الله أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه في شيخه أو في من فوقه ولو في الصحابي مع رعاية ترتيبه ومتونه وطرق أسانيده. وشرطه ألا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سنداً يوصله إلى الأقرب إلا لعذر مِنْ علو أو زيادة مهمة. وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سنداً يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب.

واختار الدارقطني (ت385هـ) و الحاكم (ت405هـ) استدراك ما فات صاحبا الصحيح من الحديث الذي على شرطهما، وقد سمى الدارقطني كتابه “الإلزامات” وهو صغير الحجم؛ لكونه أول محاولة في هذا المجال، في حين كان مصنف الحاكم المسمى بالمستدرك كبيرا، ودالاًّ على ضخامة الجهد المبذول فيه.وقد أراد رحمه الله إبطال مقالة من يدعي قلة الأحاديث الصحيحة وانحصارها فيما ألفه الشيخان رحمهما الله، قال رحمه الله: وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث، لا يبلغ عشرة آلاف حديث وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلها سقيمة غير صحيحة” وَعَرَف هذا القرن نوعاً جديداً من المصنفات هي المعاجم، وهي الكتب التي تذكر فيها الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء. وأشهرها معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير وهو أكبر معاجم الدنيا على ما قال ابن دحية، والأوسط وكان يقول فيه: هذا الكتاب روحي لأنه تعب فيه، ثم الصغير.

ومن المعاجم غيرها معجم أبي القاسم البغوي (ت317هـ)، ومعجم أبي العباس الدغولي (ت325هـ)، ومعجم أبي بكر الإسماعيلي (ت371هـ)، ومعجم أبي سعيد بن الأعرابي (ت340هـ) أحد أشهر رواة سنن أبي داود، ومعجم أبي عبدالله الحاكم (ت405هـ). ثم كان التأليف في علل الحديث ومن أشهرها في هذا العصر “علل الأحاديث النبوية” لأبي الحسن الدارقطني (ت385هـ)،

وظهر التأليف في قواعد علم المصطلح الحديثي وقبل ذلك ظهرت كتب الجرح والتعديل، فلابن حبان كتاب “المجروحين من المحدثين” ويحتوي على مقدمة نفيسة في علم المصطلح، وله أيضا “كتاب الثقات”، ولابن عدي أبي أحمد الجرجاني (ت365هـ) كتاب “الكامل في ضعفاء الرجال”، وهو من أهم الكتب في هذا المجال وعليه مُعَوَّل المحدثين، وللحاكم كتاب معرفة علوم الحديث وقبله وضع الرامهرمزي الحسن بن خلاد (ت360هـ)كتابه “المحدث الفاصل بين الراوي والواعي” الذي يعد أول كتاب وضع في علم أصول الحديث. ثم ألف عبد الغني المقدسي (ت600هـ) كتابه الكمال في روات الكتب الستة, فجاء بعده المزي (ت742هـ) فألف تهذيب الكمال وزاد عليه وصار كتابه هو المعول لكل من جاء بعده, فألفوا حوله العديد من المؤلفات منهم كتاب تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر,(ت852هـ) وتقريبه له وللحافظ الذهبي حوله كتبا عدة.

تعليق واحد

  • داود الشيخ محمود " شيخنا"قال:

    ماشاءالله ، بحث قيّم يستحق الاشادةبه والاستفادة منه، فجزى الله اخانا وطالبنا فضيلة الشيخ احمد حيفو، وهذا ماكنا نتوقع منه ، فلطالماانتظرنا منه ـ ومن علمه المبارك فيه وقلمه الفيّاض ـ ان يقدّم لطلبة العلم عموما والمشتغلين بعلم الحديث رسائل علمية وابحاثا مفيدة، واسال الله سبحانه ان يوفقه لما فيه الخير.