عمل الكافر للمسلم وعمل المسلم للكافر – الشيخ الدكتور محمد حسن عمر محمد المدني

Dr. Mohamed Xasanبسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الاغتراب في بلاد غير المسلين والعمل عندهم كثر في المسلمين في الآونة الأخيرة؛ لذلك أردتُ عرضَ أقوال الفقهاء في مسألة في غاية الأهمية للجالية المسلمة التي تعيش في بلد غير مسلم ويضطرّ أفرادها إلي التعامل مع غير المسلمين في تعاملاتهم اليومية من تجارة وعمل بحكم تعايشهم معا. وفي هذه المقالة نستعرض طرفا من أقوال العلماء في عمل الكافر للمسلم, وعمل المسلم للكافر([1]). وبعد ذكر مجمل وجهات نظر الفقهاء في المسألة نختار الأرجح منها حسب الأدلة المعروضة. ولتقريبها للفهم نقسّم المسألة إلي جزأين: عمل الكافر للمسلم وعمل المسلم للكافر وإليكم التفصيل:

 

المسألة الأولى: عملُ الكافرِ للمسلم

لا خلاف بين الفقهاء – رحمهم الله – في جواز استئجار المسلم للكافر إذا أمِنَ منه, سواء كان للضرورة أو غيرها, ولكن لا ينبغي أن يستخدمه في أمور دينه من أمر الطهارة ونحوها, فربما لا يؤدي الأمانة فيها([2]).

الأدلة:

1. حديث عائشة رضي الله عنها في حديث الهجرة قالت: واستأجر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل هاديا خرِّيتاً([3]), وهو على دين كفار قريش, فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما, وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال, فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليالٍ ثلاثٍ فارتحلا([4]).

2. حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع([5]).

وجه الاستدلال: أنّه صلّى الله عليه وسلّم استأجر اليهود وهم كفار في مساقاة حوائط خبير, فدّل على جواز استئجار المسلم للكافر للعمل([6]).

المسألة الثانية: عمل المسلم للكافر

اتفق الفقهاء – رحمهم الله – على جواز إجارة المسلم نفسَه للكافر على عمل معين يستقل به المسلم ويكون في ذمته، كالخيَّاط المسلمِ يخيط للكافر ثوباً وهو في دار نفسه، ونحو ذلك([7])

قال ابن قدامة رحمه الله: ((فأمَّا إن أجَّر نفسه منه في عمل معين في الذمة كخياطة ثوب وقصارته جاز بغير خلاف نعلمه))([8]).

وكذلك لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز استئجار المسلم نفسَه في عمل لا يجوز له شرعا, كرعي الخنازير, وبيع الخمور والميتات ونحو ذلك([9]).

واختلفوا في تأجير المسلم نفسَه للكافر لعمل ليس في الذِّمة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: إن استأجر الكافرُ المسلمَ لخدمته, كأن يعمل في بيته, ويكون تحت تصرفه وأمره ونهيه, ونحو ذلك من الأعمال الممتهنة, فإنَّ ذلك حرام لا يجوز للمسلم أن يؤجِّر نفسه عليه.

وإن كان الاستئجار في عمل يستقلُّ به المسلم, كأن يبيع للكافر شيئا, أو يشتري له, أو يعمل مساقاةً في حائطه, أو يعمل في مصنعه ومتجره فإنّ ذلك يجوز للمسلم مع الكراهية, وبهذا قال المالكيّة([10]), والشافعية([11]), والحنابلة في المذهب([12]).

القول الثاني: يجوز للمسلم أن يؤجِّر نفسه من الكافر مع الكراهة مطلقا, وبه قال الحنفيّة([13]), والشافعيّة في قول([14]), والحنابلة في رواية([15]).

القول الثالث: لا تجوز إجارة المسلم نفسَه للكافر مطلقاً, سواء كانت لِخدمة في بيته, أو لعمل يستقل به, وهذا قول للشَّافعيّة([16]), ورواية عند الحنابلة([17]).

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأوَّل لقولهم بعدم جواز إجارة المسلم نفسه للكافر للخدمة بما يأتي:

1. قوله تعالى:  وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ([18]).

وجه الدّلالة: أنَّ في ذلك نوعاً من تسلط الكافر على المسلم, وإذلالاً له تحت يد الكافر, فلم يجز كبيع العبد المسلم له([19]).

2. أنَّ إجارة الخدمة تتضمن حبس نفسه على خدمته مدة الإجارة, وفي ذلك إذلال للمسلم وإهانة له تحت يد الكافر فلم يجز, كبيع العبد المسلم له([20]).

3. أنَّ إجارة المسلم نفسَه للكافر من بيعِ منافعه, والمنافع تجري مجرى الأعيان, فلا يجوز بيع رقبته ولا بعضها ولا منافعه من الكافر([21]).

واستدلّوا لجواز إجارة المسلم نفسه من الكافر لعمل غير خدمته بما يأتي:

1. ما روي أنَّ علياً رضي الله عنه أجَّر نفسه من يهودي يستقي له كل دَلْوٍ بتمرة، وأخبر النَّبيَّ صلي الله عليه وسلم بذلك, وأكل صلي الله عليه وسلم بعضه([22]).

2. أنَّه عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه أشبه مبايعته([23]).

واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بجواز إجارة المسلم نفسه للذمي إجارة العين مطلقاً مع الكراهة بما يأتي:

1. أنَّ إجارة الخدمة عقد معاوضة, فيجوز, كالبيع([24]).

2. أنَّ إجارة الخدمة لا تفيد ملك الرقبة ولا تسلطا تاما, وهو في يد نفسه وإنما استوفى الذميُّ منفعته بعوض, فتجوز مع الكراهة([25]).

واستدلّ أصحاب القول الثالث القائلون بعدم جواز إجارة المسلم نفسه للكافر مطلقاً: بأنَّ إجارة المسلم نفسه للذميّ استيلاء وصغار عليه, كبيع العبد المسلم للذميِّ, فلم تجز([26]).

 

الترجيح:

الراجح – والله أعلم – هو القول الأول – القائل بالتفصيل, وهو: إن كان الاستئجار لخدمة الكافرِ نفسِه فلا يجوز, وإن كان لعمل يستقلّ به المسلم, فإنّ ذلك يجوز مع الكراهة؛ لقوة أدلة هذا القول. 

 

ويجاب عن استدلال أصحاب القول الثاني بأنًَّ إجارة الخدمة عقد معاوضة, فتجوز, كالبيع: بأنَّ عقد الإجارة للخدمة يتعين فيه حبس المسلم مدة الإجارة واستخدامه, بخلاف البيع, فلا يتضمَّن ذلك([27]).

ويجاب عن استدلالهم بأنَّ إجارة الخدمة لا تفيد ملك الرقبة ولا تسلطا تاما, فتجوز مع الكراهة: بأنّها تتضمن إهانة المسلم وإذلاله, فلا تجوز كبيع العبد المسلم للذّميّ([28]).

ويجاب عن استدلال أصحاب القول الثالث بأنَّ إجارة المسلم نفسه للذميّ استيلاء وصغار عليه, كبيع العبد المسلم للذميِّ, فلم تجز: بأنَّ الإجارة إن كانت للخدمة فنعم, وإن كانت لعمل يستقل به المسلم فهي في مقابل عوض, فأشبهت العمل في الذمة, وتفارق بيع العبد المسلم للذميّ؛ لأنَّ ذلك يقتضي تسلطاً تاماً واستدامة ملكه عليه([29]).

والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

الدكتور: محمد حسن عمر محمد المدني خرّيج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ودرس بقسم الفقه من كلية الشريعة من نفس الجامعة في جميع مراحلها من المرحلة الجامعية والماجستير والدكتوارة.

 

 


([1]) والمسألة من بحثي في الدكتوراه.

([2]) انظر: المعونة(2/136), شرح صحيح البخاري لابن بطال(6/387), المبسوط(16/56), عمدة القاري(12/80), روضة الطالبين(5/187), فتح الباري لابن حجر(6/29), نيل الأوطار(3/722).

([3]) الخرِّيت: الماهر بطرق المفازة الخفيّة ومضايقها. انظر: النهاية في غريب الحديث(2/19).

([4]) رواه البخاري في كتاب الإجارة, باب استئجار المشركين عند الضرورة, أو إذا لم يوجد أهل الإسلام(ص400), برقم(2263).

([5]) تقدم تخريجه(ص105).

([6]) انظر: عمدة القاري(12/80).

([7]) انظر: مواهب الجليل(7/540), بدائع الصنائع(4/40), المجموع شرح المهذَّب(9/440), الإنصاف(14/316).

([8]) المغني(8/135), ونقل عدم الخلاف أيضاً النووي, والمرداوي رحمهما الله انظر: المجموع شرح المهذَّب(9/440), الإنصاف مع الشرح الكبير(14/316).

([9]) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال(6/403), عمدة القاري(12/94), فتح الباري لابن حجر(6/45), أحكام أهل الذّمة(1/565).

([10]) انظر: البيان والتحصيل(12/382), مواهب الجليل(7/540).

([11]) انظر: البيان(7/294), العزيز شرح الوجيز(4/18), المجموع شرح المهذَّب(9/440), أسنى المطالب(4/16), مغني المحتاج(2/9), حاشية الجمل على منهج الطلاب(7/24).

  ([12]) انظر: الكافي(2/304), المغني(8/135), أحكام أهل الذِّمة(1/565), الإنصاف مع الشرح الكبير(14/316).

([13]) انظر: المبسوط(16/56), بدائع الصنائع(4/40), المحيط البرهاني(8/38).

([14]) انظر: المهذَّب(3/514), العزيز شرح الوجيز(4/18), روضة الطالبين(3/347), مغني المحتاج(2/265).

  ([15]) انظر: المغني(8/135).

([16]) انظر: المهذَّب(3/514), العزيز شرح الوجيز(4/18), روضة الطالبين(3/347), مغني المحتاج(2/265).

([17]) انظر: أحكام أهل الذّمة(1/565), الإنصاف مع الشَّرح الكبير(14/316).

([18]) سورة النساء آية(141).

([19]) انظر: أحكام أهل الذمة(565).

([20]) انظر: المغني(8/135).

([21]) انظر: أحكام أهل الذمة(565).

([22]) رواه من حديث علي رضي الله عنه الترمذي في سننه, كتاب صفة القيامة والرقائق والورع, باب – بدون ترجمة -(ص557) برقم(2473), وقال: حسن غريب, والإمام أحمد في المسند(2/102), برقم(687). ورواه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ابن ماجه في سننه كتاب الرهون, باب الرجل يستستقي كل دلو بتمرة ويشترط جَلِدَة(ص417), برقم(2446), والبيهقي في السنن الكبرى(6/119), وقد جوَّد الحافظ ابن حجر إسناد الإمام أحمد في التلخيص الحبير(3/146), وجمع الشيخ الألباني طرق هذا الحديث في إرواء الغليل(5/315), وقال: ((وجملة القول: أنَّ الحديث ضعيف؛ لشدة ضعف طرقه)).

([23]) المغني(8/135), أحكام أهل الذمة(1/565).

([24]) انظر: بدائع الصنائع(4/40).

([25]) انظر: العزيز شرح الوجيز(4/18).

([26]) انظر: البيان(7/294), العزيز شرح الوجيز(4/18).

([27]) انظر: المغني(8/135), أحكام أهل الذّمة(1/565).

([28]) انظر: أحكام أهل الذّمة(1/565).

([29]) انظر: البيان(7/295).

عدد التعليقات 6