الطلاق في زمن الحيض – أحمد بن عبد الرحمن

الطلاق في زمن الحيضالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:

أما بعد: فإن الطلاق في زمن الحيض هو طلاق بدعي غير جائز شرعاً, ومع ذلك نرى كثيرا من أفراد المجتمع ممن لا يراعون هذا الأمر, ولا يتحرون في الأوقات التي يجوز فيها الطلاق إذا عزموا ذلك, وهي: اثنان:

1. في طهر لم يمسها فيه.

2. في وقت الحمل.

وعليه فلا يجوز الطلاق في الحيض ولا في طهر مسها فيه, هذا من حيث حكمه التكليفي وهو أمر مجمع عليه, لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما حكمه من حيث حكمه الوضعي: بمعنى هل يقع الطلاق إذا أوقعه في زمن الحيض مثلا؟ خاصة وأننا نرى الكثيرين لا يبالون ذلك ولا يتقيدون بأوقاته المحددة. 

 الجواب: أن هذه المسألة مسألة خلافية بين الفقهاء, وقد اختلفوا فيها على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور العلماء- ومنهم الأئمة الأربعة- إلى وقوع الطلاق في الحيض واعتداده وإن كان آثما في فعله ومخالفا للشرع, ويجب عليه أن يراجعها, ومن أدلتهم:

1. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر رضي الله عنه – لما طلق زوجته وهي حائضة – «ليراجعها, ثم يمسكها حتى تَطْهُر, ثم تحيضَ فتَطْهُر, فإن بدا له أن يطَلِّقها فَلْيُطَلِّقْها قبل أن يمسها»  قالوا : إن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق سابق لها, فدل على وقوع الطلاق منه.

2. أن ابن عمر كان يفتي بوقوع طلاق الحائض وهو الذي حصلت له القصة.

3. ما ورد في بعض روايات الحديث وهي قوله: «فحُسِبَتْ من طلاقها».

القول الثاني في المسألة: ذهب بعض العلماء: إلى أن طلاق الحائض لا يقع بحال, ومما استدلوا به على ذلك:

1. ما جاء في بعض روايات الحديث من طريق أبي الزبير عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «فردّها عليّ ولم يرها شيئا» رواه أبو داود (ح2187) بسند صحيح, والطبراني في الكبير (13/48).

2 . ولأنه طلاق محرم منهي عنه، والنهى يقتضى فساد المنهي عنه.

 ذهب إلى هذا ابن حزم في المحلى (11/ 215)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى الكبرى (3/224) وابن القيم في زاد المعاد (5/224).

 وأجاب الجمهور على ذلك بأجوبة:

     منها: أن رواية أبي الزبير التي استدلوا بها وهي قول ابن عمر «فردها عليّ ولم يرها شيئا» مرجوحة:

       قال الشافعي في اختلاف الحديث (مع الأم10 /261) “نافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه, وقد وافق نافعا غيره من أهل التثبيت في الحديث”.

       وقال أبو داود في سننه بعد حديث: (2185) “الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير”.

      وقال الخطابي في معالم السنن (3/235) “قال أهل الحديث لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا”.

      وقال ابن عبد البر في التمهيد (15/65) “قوله في هذا الحديث: «ولم يرها شيئاً» منكر عن ابن عمر لما ذكرنا عنه أنه اعتد بها، ولم يقله أحد عنه غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة جلّة، فلم يقل ذلك واحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ “.

     ومنها: أنهم تأولوا قوله: «ولم يرها شيئا» بأنه يحتمل أن يكون المعنى: لم ير شيئاً صوابا أو مستقيما, كما يقال لرجل أخطأ في جواب أجاب به: “لم يصنع شيئا”.

      وأجابوا من جهة النظر أيضا: قال ابن عبد البر: في الاستذكار (18/20) “الطلاق ليس من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل كالصلاة والصيام وغيرهما, فلا تقع إلا على سنتها, وإنما هي زوال عصمة فيها حق لآدمي, فكيفما أوقعه على سنته أو على غير سنته وقع, إلا أنه إن أوقعه على غير سنته أثم ولزمه ما أوقع منه, ومحال أن يلزم المطيع المتبع للسنة طلاقه, ولا يلزم العاصي المخالف”.اهـ ونحو هذا قاله الشافعي في اختلاف الحديث (مع الأم10 /261).

      وأجاب ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (مع عون المعبود 6/233) عن أدلة الجمهور بأن الأمر برجعتها، معناه إمساكها على حالها الأولى، لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعاً, فهو مُلغى، فيكون النكاح بحاله, وأن لفظة «فحسبت من طلاقها» ليس فيها تصريح الرفع إلى النبي صلي الله عليه وسلم, وقد تفرد بها سعيد بن جبير, وقد تُحمل على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبي صلي الله عليه وسلم في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث بعد أن كانوا في زمن النبي صلي الله عليه وسلم لا يُحتسب عليهم به ثلاثا.

     قال الحافظ في الفتح (9/440) بعد نقله لكلام ابن القيم “وغفل رحمه الله عما ثبت في صحيح مسلم [رقم1471] من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير, وفي سياقه ما يشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبي صلي الله عليه وسلم” اهـ.

وعلى هذا فالذي يترجح في نظري؛ هو قول الجمهور, وأن الطلاق في زمن الحيض يقع وينفذ مع التأثيم, والله أعلم بالصواب.

انظر للمزيد: المبسوط للسرخسي (6/28) شرح ابن بطال للبخارى (7/384) بحر المذهب للروياني (10/9) المحرر في الفقه للمجد (2/51) البهجة لأبي الحسن التسولي (1/543).

عدد التعليقات 2