أغلوطات الملحوظات(المقال الأول) الشيخ الدكتور الخضر بن حسن السعدي

أغلوطات

 

مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد:

فقد وقفت على ملحوظات كتبها بعض إخواننا ردًّا على بحث (التحزب حقيقته وحكمه)، وكنت ممن راجع هذا البحث ورأى نشره لتعم الفائدة.

ورأيت في هذه الملحوظات أغلوطات ومجازفات لا يحسن السكوت عنها، ونَبَّهت على أشياء منها عَلَّقتها على عجل، في تعقُّب سميته: « أغلوطات الملحوظات ».

ثم بدا لي أن أنشره على شكل مقالات، وهاهو المقال الأول، أسأل الله أن يتمه وسائر المقالات على ما يرضيه.

ولو أنَّ ذاهباً ذهب إلى أنَّه كان الأَولى أن أضرب عن عَوارِهذه الملحوظات صفحاً، وأطويَ عن عثارها كشحاً؛ إذ قد ندَّ صاحبُها عن سَنن المباحثة، وشذَّ عن السبيل الموصلة إلى المطلوب عن قرب في المناقشة، وكعَّ عن المواجَهَةِ في المحاورة، والمشافهة في المناظرة، ولا أُجرِّدَ لكَشفِ ما اشتملت عليه من التمويه والتلبيس قلماً، ولا أشغَل به بالاً مع قِصَر العمر وكثرة المهمَّات= لكان رأياً سديداً، وقولاً ليس عن مهيع الصواب بعيداً.

بيدَ أنَّ لي عذراً فيما توخَّيتُه وذهبتُ إليه؛ لئلا يَظُنَّ جاهل ويَدَّعيَ حاقد أن وراء الموادعة ضعفاً وخوَراً، وعجزاً عن مقارعة الحجَّة بالحجَّة لإيضاح المحجَّة وحَصَراً، ومثلُ هذا الادعاء – وإن لم يكن بضائرٍ للمدَّعَى عليه شيئاً، ولا بمُلحِقٍ به عند ذوي البصائر شيناً – قد يُغَبِّر عند غير ذوي التحقيق في وجه الصواب، ويصعب عليهم معرفة طريق الجواب، مع إقدام المخطئ وجسارته، وإحجام المحقِّ ولطافة عبارته.

فلا غرو أن أعير التنبيه على وجه الخلل من وقتي شيئاً يسيراً، علَّ اللهَ ينفع به كثيراً، على أنني قد أجنح إلى الرأي الأول إذا لم أُلفِ من الأخ أو غيره إلا اللَّدد ومحض اللَّجاجة، فما لنا في المراء حينئذ من حاجة.

ورجائي ممن يقف على كلامي أَلَّا يصرفه عن النظر فيه، وتَقبُّلِ ما فيه من صواب= مخالفتُه لما انعقد عليه قلبُه قَبْله؛ فإنَّه إن كان في مفارقة المألوف – كما قيل – حُرقَةٌ لا تُدفَع، ولوعَةٌ لا تُمنَع، وكان في ترك المذاهب مع ذلك الاستشعارُ بانكسار سَورة الأنانية، والاعترافُ بنقص الطبيعة الإنسانية= فإن الحقَّ أكبر من ذلك كلِّه، وهو أحقُّ أن يُتَّبع، والرجوعَ إليه أولى وأحسنُ عاقبةً.

ومن رأى فيه خللاً أو خطأً قد تأكَّد عنده وتبيَّنه غيرَ باغٍ عَنَتاً، ولا مقترف بَهَتاً= كان من حقِّي عليه أن يَزُفَّ إليَّ الصوابَ في ذلك، وكان من حقِّه عليَّ أن أقبلَه منه وأشكرَه عليه.

والله أسأل أن يقيَني الغفلة والهفوة، ويلهمني العطفة بعد النَّبْوة، والاستقلال بعد الكبوة، وأعوذ به من التمادي في الباطل، واللَّجاجة في غير طائل.

 


المقال الأول:

ملاحظات عامة على ملحوظات الأخ

سلك الأخ في ردِّه مسلكاً غريباً وُلد قبل نحو عَقْدين من الزمن، يقوم على التكلف والتعسف في التخطئة، يُركَن إليه عند عَوَز الحجج مع العزم على التشهير والتعيير.

ويظهر أن أخانا قد نهل من مدرسته وعلَّ، فقد لاحظت عليه أموراً عِدَّةً يستغني عنها مَن أراد تقويم معوجٍّ، وتصحيح مخطئ؛ إذ يسلك الشطط ويتوخَّاه، ويعدل عن الوسط كأنه يتوقَّاه، ولا يوازن بين الدعوى والدليل، فرُبمَّا ادَّعى الشيء ثم ساق له ما لا دلالة فيه عليه، أو ليس مما تَلْزم به الحجة، ورُبَّما ادَّعى ثم استدلَّ بما تقصر دلالته عن محتوى دعواه. وكل هذا ستقف عليه مُبَرْهَناً عليه في ثنايا هذه التنبيهات إن شاء الله.

وقد كان يمكنه أن يَلقى المردودَ عليهم؛ فإنهم معه في مدينة واحدة، وكانوا مستعدِّين للقائه ومناقشته فيما أشكل عليه من كلامهم، وربما كان يَلقى الآحاد منهم، ثم لا يَعرض لشيء مما ينتقده عليهم، إمعاناً منه في السير على المسلك المشار إليه؛ إذ من أصوله الإسراع إلى التشهير والتعيير من مكان بعيد، غيرةً على الأتباع، وتهييجاً للرعاع، وعدمُ الاحتفاء بلقاء المنتقَد وسلوكِ طريق النصيحة الشرعي([1]).

 ومما لاحظت عليه في أسلوبه غير ما سبق:

1- تطويلُه الكلام فيما يعلم أن خصمه يُسَلِّم به، وكثرةُ حشد الأدلة وأقوالِ أهل العلم له، مع قلة كلامه ووَجازته في موضع النزاع ، وهذا – كما هو مضيعة للوقت في غير منفعة – ففيه توهينٌ لحجته، وتضييع لمقصده.

2- تقويلُه خصمَه ما لم يقله، فيدَّعي عليه تعريضاً في الغالب وتصريحاً أحياناً ما لم يُقِم البرهان على أنَّ خصمه قاله أو يَذهب إليه، ثم يخوض معركةً ضروساً خصمُه فيها خيالُه وما تظَنَّاه بالُه لا غير، فربما سوَّد قريباً من عشر صفحات، فيما لا يفيده شيئاً ولا هو موضعُ نزاع، ومن العجيب أنه ينسى نفسه فربما نسب إلينا القول، ثم يحكي عنا ما يستأصله ويجتثُّه من أساسه.

3- تعنُّتُه في استنباط الغلط وتصيُّدِ الخطأ، وتجشُّمه في ذلك جُدَداً وَعْرةً ومسالكَ صعبةً، يُعمِل فيها مطايا الظنون البعيدة، التي لا تُراضُ إلا بمقاصدَ غيرِ سديدةٍ، ولو تنطَّع مُتنطِّعٌ تنطُّعَه وتكلَّف تكلُّفَه لأَورد عليه من الأخطاء المتكلَّفة التي لم  تخطر له على بالٍ ما يُنِيف على أضعافِ أضعاف ما أورده في كتابته.

4– كَلَفُه بالتوثيق مهما كانت المعلومة مقطوعاً بها مسلَّماً بها من خصمه، مع تركه التوثيق في بعض ما هو فيه أهمُّ، من مذهب ينسبه لخصمه، أو غامض يدَّعيه وكان عليه أن يُؤيِّده بالنقل والتوثيق، فلا يفعله.

ومن هذا الباب إسهابه في الكلام على الأحاديث في صلب كتابه تارة وهامشه تارات أخرى، حتى إنه ليُخَيَّل إلى القارئ أنه قصد أن يكون كتابُه هذا مرجعاً في الحكم على تلك الأحاديث! وقد كان في غُنية عن كُلِّ أو جُلِّ هذه التعليقات التي  لا يكاد ينوء بها كاهلُ كتابه.

5- يقول في كتابه: (وظن هؤلاء…) ونحو ذلك من العبارات المحشوة بالترفع واحتقار الآخرين وغمطهم، وهو ما كنت أربأ به عنها، ولكن قد يحمِل على مثلها العَوَز، على غِرار قولِ مَن أُخِذ إبلُه: «أوسعتهم سبًّا وساروا بالإبل»!.

وكل هذه فلن أجاريَه فيها إن شاء الله، وإن نبَّهت على شيء من ذلك في ثنايا التنبيهات فمن باب إراءته شناعةَ طريقته.

وسأقتصر في التوثيق والعزو على ما أرى الحاجة تمس إليه، دون ولع بالاستكثار منهما، مع الإشباع فيما له سِيق الكلام دون تطويل بلا فائدة، إن شاء الله تعالى.

وأما الأغلوطات فيه والأخطاء المراد بيانها هنا فأنواع، منها:

1-      في الكتاب كذب علينا، وتقويل لنا ما لم نقله، كما سبق.

2-      فيه تعيير لنا وتشنيع بما ليس بعيب، ولا شنعة فيه.        

3-      فيه تقويل لعلماء أجلاء ما لم يقولوه، بل فيه حكاية ما يؤسفني أن أقول عنه: هو من قَبيل الكذب، عن العلماء المعاصرين عامة.

4-      فيه تقريرات وأحكام لا نعلم له سلفاً فيها، وفيها فساد عظيم، لا بدَّ من بيانه قبل استشرائه في الأمة.

5-      فيه حيدة ظاهرة عن محل النزاع، وقد شَبَّهت حال الأخ في ذلك بحال من يخوض معركة ثم يجدها غير متكافئة، فيولِّيها ظهرَه، ويثير النقع في اتجاه آخر، ولسان حاله يرتِّل قول الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}.

 


الأغلوطة الأولى

في تعريف التحزب

في قوله (في ص12-13): «أما في الشرع فلم يرد لفظ (الحزب) – في وصف طائفة من الناس- إلا بمعنى: الطائفة التي تجتمع على أمر تتميز به في الدين، وهذا معنى أخصُّ من المعنى اللغوي……… ومعناه في الشرع أخص من معناه في اللغة، وهو: اجتماع طائفة على أمر تتميز به في الدين، والتميُّز في الدين إنما يكون في الأصول لا في الفروع، ولذلك فإن التحزب بمعنى التفرق» ([2]).

وقد آثرتُ البدء بها؛ لأنها أهم ما في كتابه، وعليها أسُّه وأساسه، فكان من الأهمية بمكان أن ننظر في هذا الأساس، أيقوى على بناء غيره عليه، أم هو من الهشاشة بحيث لا يستطيع أن يستقلَّ بنفسه فضلاً عن أن يُقِلَّ غيرَه؟

وقبل أن أنقض كلامه أورد كلاماً له (في ص 24) قال: «وهذا شاهد على أن التحزب بمعنى التفرق والتشيع، فما ورد في الكتاب والسنة من النهي عن التفرق والتشيع دليل على النهي عن التحزب», ثم أضاف متحدياً «ويقال لمن فرق بينهما: {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}».

ولنا معه هنا وقفتان:

أولاهما: مع قوله: «أما في الشرع فلم يرد لفظ (الحزب)….إلا بمعنى الطائفة التي تجتمع على أمر تتميز به في الدين».

فأقول:

1. مثل هذا النفي إنما يقبل من عالم اتسع باعه في العلم واستحضار النصوص ورَحُب، واشتدَّ عودُه في معرفة الكتاب والسنة واللغة وصَلُب، لا من كل من هبَّ ودبَّ، وإن تشدَّق بالدعوى وشغله أن يسمع له الناس وأحب، وأخونا لم ينقل هذا النفي عن أحد من أهل العلم، ولا ذكره قبله أحد فيما أعلم، وفي هذا فتح باب عظيم للطَّغام وأشباه العوام، أن ينظر من شاء منهم في آيتين أو ثلاث لينفي ما يشاء ويثبت ما يشاء.

2. لا أعلم آية واحدة أو حديثاً واحداً فُسِّر الحزب فيه بما ذكره، فضلاً عن أن يكون هو العرف الشرعي، ولو عَلِم أحداً قاله ولو في تفسير آية واحدة لسارع الأخ إلى ذكره، ولكنَّه يريد أن يستنبط عِلْماً لم يسبق إلى استنباطه وبيانه، ثم يريد حمل الناس عليه، ويزعمه تحريراً، وسأبيِّن التخليط فيه بعد قليل.

3. قد ورد في القرآن والسُّنة ما لا يمكن حمله على ما ذكره.

أ. فقد وردت في سورة الأحزاب كلمة (الأحزاب) في أكثر من موضع، فهل كل حزب من هؤلاء كان يتميز عن بقية الأحزاب بأمر من الدين بل من أصول الدين؟! لئن استقام له هذا المعنى في تفسير بعض الآيات، فلن يستقيم له في كثير من الآيات، فيا لله كيف نقول في تفسير قوله تعالى: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا}؟ أنقول: يحسب المنافقون أن الذين اجتمعت كل طائفة منهم على شيء تميزوا به في أصول الدين لم يذهبوا ؟!! إن قال: المقصود هنا أحزاب معينة، قلنا: لا بأس، نضيف كلمة (هؤلاء) قبل (الذين) حتى يتعينوا، أفهكذا يكون التفسير؟! إذا كان تصوُّرنا فاسداً فبم نسمي تصوُّرك هذا؟

وبنظرة في كتب التفسير وغريب القرآن يتبين لنا أن المقصود بذلك الطوائف الذين (تحزبوا = اجتمعوا) على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة، دون النظر إلى اتفاقهم في أصول دينهم أو اختلافهم، والأحزاب الذين ذُكروا – غير اليهود – هم قريش وغطفان وبنو أسد، فليت شعري في أيٍّ من أصول الدين اختلفوا حتى يكونوا أحزاباً لا حزباً واحداً؟

ب. وقد اختلف في قول الله تعالى: {أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً} فقيل: كان الحزبان كافرين، وقيل: مسلمَين، وقيل: كفاراً ومسلمِين، ولو كان عرف الشرع كما يزعمه صاحبنا لاحتُجَّ به للقول الثالث، ولرُدَّ به القولان الآخَران، وهذا ما لا وجود له عند أهل العلم، بل كثير من المفسرين يختار أن المقصود بذلك المختلفون في أهل الكهف دون التعرض لإسلامهم وكفرهم.

ج. وفي صحيح البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على الأحزاب، فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب… »، وبمثل ما فَسَّرتَ الآيات في ذلك فَسِّر هذا الحديث وما شاكله.

وفي تاج العروس (مادة: حزب) عقب هذا الحديث: «الأحزاب: الطوائف من الناس، جمع حزب».

وفي فتح الباري (قبيل باب الدعاء للمتزوج من كتاب الدعوات) في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: «وهزم الأحزاب» وتعيين المراد بهم: «الأصل في الأحزاب أنه جمع حزب, وهو القطعة المجتمعة من الناس، فاللام إما جنسية والمراد كل من تحزَّب من الكفار، وإما عهدية والمراد من تقدم, وهو الأقرب». ويقصد بمن تقدم: «كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق» كما قاله حاكياً قُبيل ذلك.

والعلماء الذين فسروه هكذا كثيرون, منهم النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية, رحمهم الله جميعاً.

د. وفي صحيح البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها: «أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن حزبين… »، والصحابة رضي الله عنهم أتبع الناس للشرع وأفهمهم لما تقتضيه ألفاظه، فليُسأل الأخ الفاضل: بم تميز كلٌّ من هذين الحزبين في أصول الدين؟ لعله يفصِّل لنا في ذلك ويغرف لنا من بحره, فإنما شفاء العي السؤال!

وإنما يُقبل النفيُ في مثل هذه الدعاوي ممن بُسِط له في علوم الشريعة والعربية، وسَبَر أغوارَ تيك الأعماق، فتكلم عن طولِ مِراس، لا ممن اضطره ظرف معين فلَمْلَم لفيفاً هزيلاً لإنقاذ طريقة هي لا شك غريقة.

 

والوقفة الثانية مع تعريفه الحزب شرعاً بأنه: (اجتماع طائفة على أمر تتميز به في الدين).

فأقول:

أولاً: أثْبتَ هنا أن للشرع عرفاً خاصًّا في كلمة (الحزب)، يفرِض على الناس حملَ اللفظ عليه، وإرادته به، كما قال في الهامش (في ص 12): «الأصل أن يراد باللفظ معناه الشرعي، وهو المعهود في خطاب الشرع، وذلك كلفظ الصلاة».

وهذا ما لا نعلمه قاله أحد من أهل العلم، ولم يستطع أن يوثِّقه بشيء مع ولَعه بالتوثيق والعزو، ومن العجيب أن يكون هذا عرفاً شرعيًّا ثم لا نجد العلماء يفسِّرون به آية أو حديثاً ولو مرةً واحدةً، بل لا يكادون يستعملونه إلا بمعناه العامِّ، فيطلقونه تارةً على أهل الحق وتارةً على أهل الباطل، وتارة على المختلفين في مسائل فقهية، لا فرق بين ذلك عندهم، بخلاف ما فيه عرف شرعي كالصَّلاة والزكاة ونحوها، بل ربما قالوا في مسألة فقهية: «تحزب الصحابة حزبين»، كما قاله الهروي (في الإشراف 1/248).

ولو كان ثمة معنىً شرعيٌّ لهذا اللفظ غيرُ معناه اللغوي لما أهمله علماء الأمة على مرِّ العصور وتعاقب الدهور؛ ليكونَ صاحب القِصَّة مفترِعَ تلك القِضَّة، ولا سيما إذا كانت ترتبط به أحكام شرعية من التحليل والتحريم.

* وبما أنه مَوَّه بنقل عن الفيروزآبادي فأُراني بحاجة إلى وقف القارئ على أنه محض نقل ليس فيه أي شاهد، وليعلم أن كتاب «بصائر ذوي التمييز» يعتني بذكر معاني مفردات القرآن وما يعنى بها, فوظيفته إذن ذكر المعاني الشرعية، فلننظر إلى ما قاله في الحزب كاملاً ليتجلى للقارئ مدى الشطط في دعوى الأخ.

قال الفيروزآبادي في (بصيرة في الحزب): وهو جماعة فيها غِلظ، وقيل: الحزب الأَصحاب، والحزب الطائفة، وهُذيل تسمِّي السلاحَ الحِزْبَ تشبيهاً وسعةً. والأَحزاب: الطوائف التى تجتمع على محاربة الأَنبياء عليهم السلام. وقوله تعالى: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ} يعنى أَنصار الله. قال بلال عند وفاته: «غداً نلقى الأَحبَّهْ، محمداً وحزْبَهْ».

وفى الحديث أَنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَزَّب أَصحَابه في بعض الغزاوت حزبين [لم أعثر عليه]، أَي جعلهم فرقتين: فرقة تقابل العدوَّ، وفرقة تصلِّي معه.

وورد في القرآن على وجوه:

الأَول: بمعنى أَصناف الخلائق في اختلاف المذاهب والمِلَل والأَديان؛ {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.

الثانى: بمعنى عسكر الشيطان؛ {أولائك حِزْبُ الشَّيْطَانِ} .

الثالث: بمعنى جُنْد الرحمن؛ {أولائك حِزْبُ الله}, وهم في الدنيا غالبون مصلحون؛ {فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون}, وفي العُقْبى فائزون مفلحون؛ {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون}». اهـ

فأين العرف الشرعي يا صاحب الفضيلة؟ وانظر كيف ينقل هذا النص, ثم يدعي أن الحزب لم يأت في الشرع إلا على ما ذكره.

* وقد نقل هو نفسه! عن غير الفيروزآبادي من علماء اللغة ما يدلُّ على أن ورودها في القرآن كورودها في اللغة لا فرق، وذلك أنهم يذكرون المعنى اللغوي ثم يستدلون بالآيات عليه، ألا ترى إلى قول الليث في «تهذيب اللغة» وقد نقله صاحبنا: «وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضاً, بمنزلة عاد وثمود وفرعون أولئك الأحزاب». فانظر كيف أجرى اللفظ القرآني على المعنى اللغوي، ومثله كثير في كتب اللغة جدّاً، منه ما نقله عن ابن فارس وقاله غيرُه، ولا أريد الإطالة بذلك.

أفيظن هذا الأخ أو غيره أنهم سيفعلون كذلك في الصلاة والزكاة ونحوها دون أن يتطرقوا إلى أن معناها في الشرع معنىً خاص، ثم كيف تـخلو كتبُ اللغة برُمَّتها، وكتب التفسير وشروح الحديث والغريب والتعريفات جمعاء, من بيان خصوصية الاستعمال الشرعي لهذه الكلمة؟

* والعجيب أن صاحبنا يدعي التحرير في ذلك، فيقول: «وفائدة هذا التحرير… » إلخ، ويَتَّهم مخالفيه بأن عندهم فساداً في التصوُّر مع فساد في الحكم، وهي دعوى عريضة لا يعجز أحد أن يجابهه بمثلها وأعظمَ منها، لكننا نكتفي بالرد العلمي عن التراشق بما لا ثمرة من ورائه.

 

ثانياً: سرعان ما ناقض نفسه، فقال في الفقرة نفسها: «التحزب بمعنى التفرق», أي شرعاً؛ فإنه بصدد تقرير المعنى الشرعي، ولذلك أحال على الكلام الذي نقلته هنا بعد نقل تعريفه في أول الأغلوطة. فلاحظوا معاشر العقلاء أن صاحبنا جعل التحزب شرعاً: هو «الاجتماع على… » إلخ، ثم قال: هو بمعنى التفرق، ومعنى هذا أن التفرق أيضاً: (هو اجتماع طائفة على أمر تتميز به في أصول الدين), وإن من العبرة أن يكون التفرق هو الاجتماع!

ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، أراد صاحبنا أن يعيِّر إخوانه بالتناقض فوقع فيما ترون، ومما يتندر به أنه يتحدى -كما سبق- من فَرَّق بينهما، وهو أول من فرَّق بينهما عند جميع العقلاء، فإنه يستحيل أن يكون التفرق هو الاجتماع، كما يستحيل أن تكون الحركة هي السكون.

وأقوال اللغويين التي نقلها والتي لم ينقلها وأقوال أهل العلم التي نقلتُ بعضها كلُّها مصرِّحة بأن معنى: تحزبوا = تجمعوا، لا: تفرقوا !

* وهو هنا بين أمرين: إما أن يُقر بالتناقض ويؤوب إلى رشده، وإما أن يقول: إن الكلمة من الأضداد شرعاً، وقد كنا نسمع بالأضداد في اللغة، فليكن الأخ أول من يستنبط أن في الألفاظ الشرعية ما هو من قبيل الأضداد! وليأت لها بنظائر وليجمعها في مصنف لطيف يكن صدقة جارية. وليس له أن يتعلل بأنه أراد التلازم؛ لأن عبارته في الموضعين لا تساعد عليه، بل تردُّ عليه، ولا سيما وهو في مقام تحرير!

 

ثالثاً: فيما جعله عرفاً شرعيًّا غموض من جهة ما يُتميز به، فقيَّده بالأصول، ثم ذكر في الهامش أن الجليل من مسائل العلم والعمل هو الأصل وغيره الفرع، ولا يزال مُشكِلاً من جهتين:

أولاهما: عدم وضوح ما يقصده هو بالجليل، إن قال: ما تندرج تحته فروع كثيرة، قلنا له: فالقياس وقول الصحابي ومسائل كثيرة في أصول الفقه تندرج فيها مسائل كثيرة، فهي إذن أصول فما حكم المخالف فيها؟ وهل ترى أن أئمة السنة قصَّروا حيث لم يذكروها في كتب السنة؟ أم ماذا؟

وإن قال: الجليل ما ظهر دليله بالكتاب والسنة؟ قلنا له: فخيار المجلس، والحكم بالشاهد الواحد واليمين، ومسائل كثيرة جدًّا فيها نصوص صحيحة واضحة لا يُعرَف نصٌّ يعارضها معارضةً معتبرة، ومع ذلك خالف في الأولى ما يقارب شطر الأمة، وفي الثانية وغيرِها خلقٌ كثير من الأمة، ولا نعلم أحداً بدَّعهم لأنهم خالفوا أصلاً، فهل تقول أنت بتبديعهم؟!

وانظر إلى ما قاله شيخ الإسلام (كما في مجموع فتاويه 24/172): «من خالف الكتاب المستبين, والسنة المستفيضة, أو ما أجمع عليه سلف الأمة, خلافاً لا يعذر فيه= فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع».

فانظر إلى تقييده الكتاب بـ«المستبين»، والسنة بـ«المستفيضة»، ثم قولِه بعد ذلك: «خلافاً لا يعذر فيه»، ثم تورُّعِه في الحكم: «فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع».

ثم انظر إلى متكلِّفة هذا الزمان, يقولون قولاً ربما كان خُلْفاً من القول وتـخليطاً, ثم يبدِّعون الناس بمخالفته!

وانظر إلى صاحبنا, يبدِّع بشيء يزعمه كان مذهباً قديماً لأكثر العلماء الكبار في هذا الزمان، فاللهم سترك، وسنأتي لهذا في موضعه إن شاء الله.

ولا يخفى عليَّ إن شاء الله ولا على غيري من طلبة العلم أن من أهل العلم من ذهب إلى أن الخلاف الذي يبدَّع به الرجل هو ما كان في الأصول، ولكن أقول: ليس الشأن كل الشأن في نقل الأقوال ورصِّها، بل في نقدها وفحصها، وفهمها على ما ينبغي وتمحيصِها، فما المقصود بالأصل؟ وكم من العلماء أطلق هذه العبارة؟ وما دليله؟ فأما النقل المجرد فالأجهزة – الآن – كفيلة به، وسنأتي لهذا في موضع آخر عند الكلام على نقل الأخ عن بعض المشايخ تجويز النظام دون التنظيم!.

والجهة الثانية: إن عُرف مقصوده بالجليل واتُّفِق معه فيه ، فماذا يكون حكم من خالف في فرع ثم تعصب له وعادى ووالى عليه؟ إن جرينا على ظاهر كلامه هنا لم يكن هذا متحزِّباً، ولا مفرِّقاً بين الأمة.

 

رابعاً: نسأله عن الانقسام السِّياسيِّ في العالم الإسلاميِّ إلى دويلات, والدولة إلى أحزاب سياسيَّة، فإن الخلاف السياسي عنده خلاف ديني كما سنشير إليه، ويدل عليه كلامه في صحيفة (33، 35):

هل ترى أنها أحزاب بالمعنى الشرعي؟ وفي أيٍّ من أصول الدين اختلفت؟ وهل كل الدول القائمة والقديمة منذ انقسم المسلمون تراهم أهل بدع وضلال؟ أم ليس هذا تحزباً ولا تفرُّقاً مذموماً بل هو اجتماع وتآلف واعتصام بحبل الله؟ والتفرق والتحزب لا فرق بينهما عندك كما سبق.

وإلى أيهما ذهبت كفيتنا مؤونة الرد عليك، وتبرأ من مذهبك في ذلك أصحابك!

 

خامساً: لو اقتتلت قبيلتان من المسلمين على السلطة أو غيرها، وتحالفت مع كل قبيلة جماعات وقبائل، فما حكمهم عندك وبم يسمى فعلُهم؟

إن قلتَ: تحزُّب وتفرُّق، طولبتَ ببيان الأصول الدينية التي اختلفوا فيها، وطولبتَ بالحكم على الطائفتين أو إحداهما بالابتداع والمروق من السلفية.

وإن قلت: ليس بتحزُّب ولا تفرُّق ولا ابتداع, لزمك أن تقول: هو اجتماع وتآلف وسنة واتباع، أو تؤوب عن سهوك وتفيق من غفلتك، وتقول معنا: إن التحزب ليس من شرطه أن يكون عن اختلاف في أصول الدين.

 

سادساً:  لو قال له قائل: الحزب في عرف الشرع معناه: (أهل الدين الواحد)، فكل أهل دين حزب، وإن اختلفوا فيما بينهم= لكان أولى من تعريفه من وجهين:

أولهما: أننا نجده في تفسير بعض الآيات، فقد فسروا الأحزاب في بعض الآيات بـ«أهل الملل»، دون الذي ذكره فلم يذكره أحد.

ثانيهما: أننا لا نعلم في القرآن ولا في السنة إطلاق لفظ الحزب على أهل البدع أو من خالف في الأصول كما يقول دون أن يخرج من الدين بالكلية، وعليه فيكون هذا أدقَّ مما قاله، وتعريفُه أعمَّ مما ورد اللفظ عليه في الشرع.

وبهذا يتبين أن أخانا يتمتع بإحراز قصب السبق وحيازة نصيب الأسد مما جاء في بحث التحزب من أن كثيراً ممن يستخدم مصطلح التحزب والحزبية لا يكاد يفهمه ويتخبط ويتناقض، وبدلاً من أن يستفيد منه ويراجع نفسه يَتَّهم غيره ويسوِّد عشرات الصفحات بمثل هذا الكلام الذي ليس عليه أثارة من علم، فلا غرو أن يتهرَّب من المناقشة والمحاورة, ويلوذ بالتناوش من مكان بعيد، فالله المستعان.

 

تنبيهان:

الأول: تعريفه يشمل المسلمين وأهل السنة؛ لأنهم مجتمعون على أمرٍ تميزوا به في الدين، وعليه فيكون عنوان كتابه خطأً؛ لأنه قال: (إياكم والتحزُّب)، وهذا عام فيكون قد حذر من الإسلام ضمناً، ونحن لا نتهمه بذلك، ولكنا نقول كما قال: المراد لا يمنع الإيراد، وهذا لا حاجة لنا فيه، لكن ذكرناه تنبيهاً على طريقته في التعنت في تتبع الأخطاء.

الثاني: لست أَدَّعي على الأخ الجهل, بل هو عندي بمنزلة إخوانه الذين يحاول إلصاقَ التهم والأخطاء بهم، ولكن حبك الشيء يعمي ويصم، أراد أن ينتصر لقولٍ فخفي عليه ما هو من الجليات، ولا أُبَرِّئ نفسي ولا غيري من مثل ذلك، عصمنا الله من هوى النفس والشيطان.

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

كتبه :

أبو عبد الله الخضر بن حسن السعدي

المدينة النبوية 5 ربيع الثاني 1435هـ

 

& & &

& &

&

 


([1]) وقد حاولت أنا أن ألقاه لأناقشه بواسطة بعض المشايخ فأظهر عدم استعداده لذلك.

([2]) وذكر قبل هذا (أن التحزب في اللغة أخص من الاجتماع، وهو: اجتماع طائفة على أمر تتميز به)، ولم أر التشاغل بردِّ دعواه؛ فإن فيما نقله عن اللغويين ردًّا دامغاً عليه لو عقله، ومنه قول ابن فارس: «الحاء والزاء والباء أصل واحد، وهو تجمع الشيء……والطائفة من كل شيء حزب، يقال حزبه من القرآن» اهـ.

عدد التعليقات 7

  • sheekhaقال:

    مقالة رائعة ولغة راقبة وأدب فائق مع علم ورزانة ، واصل جزاك الله خيرا

  • أو عبد الرحمنقال:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحية غالية للأخ الغالي أبو عبد الله السعدي وقد تبين لي من خلال قرائتي لهذه المقالة الموجزة أن ما تخبئه الزوايا من علم وعقل لم يتنبه له محتكروا السلفية ولاسيما الأخ الشاب أحمد ديرشه الخائض معركة لا يعرف حقيقتها ولم يعد لها عدتها، وإنما كما يبدوا ورطه فيها الدكتور عثمان مسعر أوارها، والذي تولى كبر صناعة الخلاف في الساحة السلفية الصومالية!! فشكر الله سعي الشيخ الدكتور خضر على هذه الكتابة العلمية الرصينة التي أراها فوق مستوى المتآمرين الذين فكروا وقدروا فلم يستطعوا إلا حشد تلك النصوص التي لا زمام لها ولا خطام بتفسيراتها المبتكره لدى الأخ ديرشة وحزبه! وأخيرا أقول لا فك فوك أخي خضر وأبقاك الله ذخرا لأهل السنة العدول ووقاك عذاب النار آمين

  • حسن إبراهيمقال:

    جزى الدكتور خضر خيرا على هذا لبحث القييم الذي بين المادة العلمية الرصينة وبين والأساليب اللغوية المتينة فلله دره من باحث قدير .
    دأب أخواننا المداخلة على احتكار الحقيقة وإطلاق دعاوى عريضة لا يسندها دليل ولا واقع ، وأغلوطاتهم لا تصمد أمام أدنى رد ولكنهم يراهنون على تحاشي طلبة العلم لمهاتراتهم ولذلك يتشدون في العبارات ويكيلون التهم والموبقات لخصومهم جزافا، وأرى أنهم سيكفون عن هذا المسلك إذا علموا أن أغلوطاتهم لن تعدم فحوصات تتعقبها وتكشف عوارها.

  • السلام عليكم
    أشكر فضيلة الدكتور خضر وجزاه الله خير الجزاءبهذه المهمة العلمية الجللية هكذا ينبغي أن ينال جزاءه كل من أراد أن يلعب بعقول الناس ويستجل الصعود علي أكتاف أخوانه قبل نضوجه.
    من الموسف جدأ بعض الناس كأن ليس لهم أي هم أخر الا نيل من المسلمين وخاصة العاملين في الدعوة الي دين الله ياليتهم يعلمون كم يفرحون أعداء الله بصنيعهم الشنيع.
    اللهم إهدنا وإياهم وجميع أمة محمد صلي الله عليه وسلم.

  • Abdisalanقال:

    بحث قيم وأكثر من رائع لطلبة العلم
    بارك الله فيك سعادة الدكتور أبو عبد الله الخضر بن حسن السعدي…..

    صراحة لا أملك الا أن أقول ما شاءالله تبارك الله على هذه الشامة العلمية والفصاحة اللغوية النادرة في مجتمعنا حتى على مستوى طلبة العلم.
    ننتظر منك المزيد انشاءالله سعادة الدكتور …
    وبارك الله في جهودك وعلمك

  • عكرمةقال:

    جزاك الله خيرا يا دكتور وتقبل الله عملك هذا

  • جويريةقال:

    أظن أن العدوى قد انتقلت إلينا, كنا نسمع عن ردّ العلماء والدعاة على بعضهم بالحكمة أو بالقسوة والحدّة أحيانا لكننا لم نكن نعرف فى الصومال-حسب رأيى- التبديع والتشهير خاصة فى داخل الأخوة السلفية; لقد تناحر و تفرق شعبنا بالقبلية وبالتعصب لزعيم حرب أنانى لا يهمه إلا كرسيه وتكفير الناس وبالتعصب لآراء وأفكار; لكن ألم يأن للعقلاء أن يجمعو شمل ما تبقى من الشعب؟ لا نريد أن يقلّد العامة ذوو التوجه الدينى هذه السلوكيات ويرددو غدا بأن فلانا بدعيا وهذا يميّع السلفية وذاك منحرف ضال وآخر من فرقة الناجية وبحر فهامة. وهذا ليس معناه إننى أرفض إظهار الحق بل هذا واجب لكن للردّ فنون وللعامة عليكم حق فاحرصو على وحدتهم وسلامة عقيدتهم.

    بارك الله فيك يا شيخنا الفاضل وكثر من أمثالك لقد أثلجت صدورنا بهذا التوضيح.