كيفية استغلال الوقت – د.عبد العزيز علي أحمد

sandwatchالحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه أولى النهى ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الفصل بين الورى.

 أما بعد:

فالوقت نعمة، ومنة من الله سبحانه وتعالى، ومعظم الناس غافلون عنه، وهو أغلى ما يملكه المرء في هذه الحياة الدنيا، والعمر الذي يعيشه المؤمن في هذه الكون مجهول لا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى، وفي هذه المهلة المجهولة تكون الدائرة التي يشتغل الإنسان من خلالها، والزمن الفعلي الذي يحصل فيه الإنتاج قليل جدا بالنسبة لإجمال المهلة المجهولة، كما سنعرفه قريبا، ولذا ينبغي للمرء العاقل أن يستغل من هذا الوقت القصير ويعمر فيه ما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، وليكن الهدف الأسمى في هذا ابتغاء مرضاة الله، ونيل رضاه.

ولا يوجد شيء يمكن للمؤمن أن يندم عليه يوم القيامة، إلا لحظة مرت عليه في الدنيا ولم يذكر الله فيها! ولا توجد لحظة تمرّ على المؤمن أسعد من أن يحقق فيها عملاً يرضي الله تعالى، ويشعر معه برضا  الله سبحانه وتعالى.

 قانون: الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن للإنسان أن يتحكم به، وهذا قانون كوني جعله الله ثابتاً، فكل ثانية تمرّ يذهب معها جزء من عمرك ولن يعود أبداً، فالإنسان هو عدد من الثواني، وسوف تنقضي آخر ثانية من حياتك فجأة! فسارع إلى استغلال هذه الثواني وتسخيرها لتقوم بعمل تنتفع به في الدنيا والآخرة.


والاستغلال من هذا الوقت يكون بإلمام المرء بكيفية إدارة وقته، وسبل تقسيمه وتجزئته على المهام المطلوبة إنجازها حسب ما يقتضيه حال كل مهمة.

أول الأمر يجب على المرء أن يضع هدفاً أمامه ويرسم الطريق المناسب لتحقيق هذا الهدف، ويجب أن يعلم أن الخطوة الأولى على أي طريق هي الأصعب، ولكن بمجرد أن يبدأَ السير في هذا الطريق ” طريق إدارة الوقت” فسيجد المهمة أسهل وأسهل.

 

ما هي فوائد إدارة هذا الوقت؟

لإدارة الوقت فوائدة جمة لا يمكن حصرها في هذه العجالة، لكني أشير إلى بعض ما ذكره العلماء في هذا المجال باختصار.

أولا: المستغل من وقته في ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والأخرى أكثر سعادة من غيره.

ثانيا: إدارة الوقت تمنح الإنسان الرضا والنجاح، فمعظم الأمراض النفسية نتيجة عدم الرضا بالواقع كما يؤكده علماء الأمراض النفسية.

ثالثا: إن الإدارة الصحيحة للوقت على ضوء الكتاب والسنّة تعني:

(1): إنجاز الكثير من الأعمال في زمن قصير.

(2): تعني حل العديد من المشاكل بجهد أقل.

(3): تعني الاستقرار الاجتماعي والنفسي.

(4): تعني المزيد من الاستقرار العاطفي والشعور بالسعادة والقوة والتفاؤل.

(5): تعني التخلص من التراكمات السلبية التي تنهك طاقات الإنسان.

(6): تعني التخلص من الحزن والقلق وتعني أنك بدأتَ حياة جديدة.

 

الوقت الفعال لدى الإنسان:

يعتمد تنظيم الوقت قبل كل شيء على الزمن المتوافر لديك كل يوم، فاليوم 24 ساعة، والمتخصصون بإدارة الوقت قسموا هذا الوقت المتاح إلى الأجزاء التالية:

(1): هناك وقت للنوم بحدود 6 ساعات ( يفضل العلماء المتخصصون في إدارة الوقت  أن تكون على مرحلتين: 4 ساعات في الليل وساعتين في النهار)، إذاً يتبقى لدينا 24 – 6 = 18 ساعة.

(2): هذه المدة يجب أن ننقص منها ما يقوم به الإنسان من قضاء لحاجته وطعام وشراب واغتسال، وهذه المدة تحتاج لساعتين وسطياً، ويبقى لدينا 18 – 2 = 16 ساعة.

(3): هناك أشياء أخرى يجب أن نفعلها كمسلمين، وعلى رأسها الصلاة، وهذا الوقت مقدَّس، ويجب أن يكون على رأس اهتماماتنا، ونحتاج لأداء الصلوات الخمس مدة ساعة على الأقل، ويبقى لدينا 16 – 1 = 15 ساعة

(4): هناك فترة عمل يلتزم بها معظم الناس (من أجل البحث عن الإعاشة لنفسه ولمن يعوله) مثل وظيفة أو عمل حر أو تجارة أو دراسة في مدرسة أو جامعة.. أو غير ذلك، وهذه المدة تكون بحدود 8 ساعات يومياً، ويبقى لدينا وقت الفراغ الفعّال: 15 – 8 = 7 ساعات! تصوروا أن معظم الوقت استنفذ على حاجات الإنسان الضرورية، ولم يتبق إلا 7 ساعات يمكن أن يستغلها في أشياء أخرى. ولكن معظمنا لا يستفيد من هذه الساعات السبع.

 

 إضاءة: أكثر من الدعاء ومن الاستغفار ومن تلاوة القرآن وتدبره! فهذه الأشياء تجعلك أكثر اطمئناناً وتساهم في استقرار عمل القلب والدماغ، مما يعينك على إدارة وقتك إدارة جيدة ويساعدك على الإبداع والتفكير بطريقة أفضل. 

 

أمور تعينك في طريق إدارة الوقت:

ذكر أهل العلم أمورا مهمة تعين المسلم على إدارة وقته، وإليك بعضا منها:

أولا: لا تلجأ إلى أحد غير الله ولا تستعن إلا بالله ولا تطلب شيئاً إلا من الله، والله سيهيء لك الأسباب ويسخر لك من يساعدك وسوف يوفر عليك الوقت والجهد والمال.

ثانيا: عليك بالاستخارة فهذه أعظم طريقة لكسب الوقت ولاتخاذ القرار الصائب.

ثالثا: لا تحمل حقداً على أحد مهما بلغت الإساءة! بل سلّم الأمر إلى الله تعالى، وضع نصب عينيك أن الموت قريب منك وينبغي أن تصفح وتعفو وتأخذ المزيد من الحسنات، لأن الدنيا تافهة جداً، ولا تستحق أن تحقد على أحد فيها، بل ادع الله بالهداية لهم.

رابعا: لا تقلق، ولا تحزن! إن القلق والخوف من المستقبل يضيع الوقت بل وينهك الجسد ويؤثر على النظام المناعي مما يزيد من احتمالات التعرض للأمراض. واستبدل القلق بالتوكل على الله، وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وأن كل ما يحدث معك هو بتقدير من الله، فلماذا الحزن والخوف.

خامسا: لا تيأس! فاليأس يعني الموت، والموت يعني توقف الوقت. ولذلك فإن التفاؤل والتفكير الإيجابي يؤدي إلى استثمار الوقت، بينما نجد اليأس يحبط الإنسان ويقوده للاكتئاب، وبالتالي يتعطل دماغه عن التفكير، ويضيع الوقت دون فائدة.

سادسا: اترك ما لا يعنيك فهذا من حسن إسلام المرء؛ لأن التدخل في أمور لا تضر ولا تنفع يؤدي إلى إهلاك الوقت في أحاديث تافهة، وقد تعود بالضرر عليك.

سابعا: لا تنفعل وتغضب! فالغضب يقود إلى سلسلة معقدة من الانفعالات والتأثيرات الضارة على الجسد مثل ارتفاع ضغط الدم وتسرع دقات القلب وتحميل الدماغ أكبر من طاقته، وكل ذلك يؤدي إلى أمراض وإلى الموت المفاجئ وبالتالي تخسر الوقت.

ثامنا: لا تتكبر! فالتكبر صفة يبغضها الله ورسوله، والتكبر يؤدي إلى ابتعاد الناس عنك، ويقودك إلى الغرور وإلى داء العظمة، حيث لا ترى الحقائق كما هي، وهذا يؤدي إلى تضييع الوقت.

تاسعا: اترك الكذب؛ لأن الكذب يتطلب طاقة أكبر من الصدق! والكذب يحتاج لمبررات كثيرة، ويقودك لمزيد من الكذب، ويفقدك ثقة الناس بك، وهكذا يضيع الوقت من حيث لا تدري.

عاشرا: اترك النظر إلى ما حرَّم الله، فهذه النظرات تقودك إلى الكلام ومن ثم إلى مزيد من العلاقات المحرمة، وفي النهاية تجد أنك ضيعت نصف وقتك في أشياء تضرُّك ولا تنفعك.

 

خطوات عملية لإدارة الوقت:

أولا: تذكر قبل كل شيء أن أجلك في الدنيا محدود وقصير جداً، وانظر دائماً إليها على أنها مرحلة مؤقتة ولكن لابد منها، وأنها عبارة عن ساعة واحدة فقط، مقارنة بيوم القيامة الذي سيمتد إلى خمسين ألف سنة. فينبغي عليك أن ترتب أمورك بدقة خلال هذه الساعة؛ لأنك ذاهب إلى حياة الخلود: إما الجنة أو النار. ويجب أن تستغل كل ثانية ودقيقة، وذلك لهدف نهائي واحد هو رضاء الله تعالى، أي أن جميع أعمالك وأقوالك وتفكيرك سيكون ابتغاء مرضاة الله، وأنه لن ينفعك أي عمل إذا لم تبتغِ به وجه الله.

ثانيا: تأمل سيرة سيد الخلق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكيف كان وقته، وكيف كان يستفيد من وقته، وأنه صلى الله عليه وسلم ضرب أروع الأمثلة في الاستغلال من الأوقات.

ثالثا: اعلم أنه مهما أنفقت من وقتك في ذكر الله تعالى فلن ينقص من وقتك شيء.

رابعا: لا تترك يوماً يمر دون أن تتعلم شيئاً جديداً ونافعاً، ترقى به في العلم والأدب.

خامسا: لا تترك يوماً يمر إلا وتفعل عملاً مفيداً، ونافعا لك ولأمتك.

سادسا: اعمل لنفسك جدولا لما تريد إنجازه، وخطط لتلك المهام، وابدأ الأهم، فالمهم.

سابعا: تأمل حال المسلمين في واقعنا اليوم، وما صاروا إليه من إهمال الوقت، وعدم الاهتمام به، وتأمل حال أعدائهم، وما صاروا إليه من الاهتمام بالوقت، واستغلاله، بل تفننوا فيه حتى ألفوا كتب كثيرة في مجال إدارة الوقت، ولذا قيل:

 

لم يتفوق الغرب علينا إلا باحترامه للوقت ولدقته في المواعيد ولاستغلاله كل لحظة في الإبداع والاختراع والتطوير. 


ثامنا: احرص وابذل جهودا دؤوبة في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. ويؤكد علماء النفس حديثاً أن عملية اتخاذ القرار ليست عملية لحظية، بل تخضع لتفاعلات كثيرة ومعلومات تراكمية مخزَّنة في دماغك، ولذلك كلما كان استثمارك للوقت أفضل، وكلما كان دماغك منظماً، كانت قراراتك صحيحة وصائبة أكثر.
ولذلك فإن موضوع إدارة الوقت مهم جداً بالنسبة لنا كمسلمين لتطوير أمتنا والنهوض بها نحو الأفضل، ولا ننتظر الآخرين حتى يخترعوا ويبدعوا ونأخذ نتاجهم جاهزاً دون تعب أو جهد! ولذلك نحن أولى منهم باستثمار وقتنا والاستفادة من خبراتهم ونتائج دراساتهم، ولكن دائماً نأخذ ما يتوافق مع كتاب ربنا لأننا نتخذ من الدنيا طريقاً إلى الآخرة فنكون قد ربحنا الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، بخلاف هؤلاء الكفرة فإنه ليس لهم في الآخرة أمل ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ( سورة الروم، آية رقم

وأخيرا تذكر هذا الموقف العظيم الذي سيتعرض له كل غافل عن الله وعن لقائه، وكيف يتمنى في لحظة الموت أن يمتد عمره لحظات قليلة فقط ليفعل الخير، ولكن هيهات… فالأجل قد جاء ولن يحصل على ثانية واحدة إضافية! يقول تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون: 10-11]. بعد هذا الموقف: هل ستقدّر قيمة الوقت وتعمل منذ هذه اللحظة على استغلال كل دقيقة من وقتك فيما يرضي الله تعالى؟

تعليق واحد