خلوة القُرآن ودورها في صياغة المجتمع الصومالي – عمــــر محمد ورسمـــــة

dugsi1مقدمة:

ظل (الدكسي القرآني/ خلوة القرآن) في الصومال على مرّ العصور والأزمان، وعلى مختلف الظروف الاجتماعية والسياسية والحضارية في البلاد- صرحا علميا شامخا يُخرّج القراء, والدعاة, والقضاة, والمفكرين, واللغويين على حدّ سواء,  وتنبع منه الثقافة الإسلامية والعربية التي حمل الصوماليون لواءها في الجزء الشرقي من القارة السمراء.

وفي البوادي الصومالية، لا تتجاور أسرتان أو أكثر؛ إلا وتأسيس الدُّكسي القرآني يحتلّ مركز الصدارة في حديث شيوخ العشائر والأسر المتجاورة, خصوصا في أوقات سمرهم في فناء إحدى المنازل في مواسم الخصب من فصلي الربيع والخريف، إذ  لأولوية العظمى لدى الأسرة الصومالية تكمن في إلحاق طفلها بالخلوة القرآنية ليتلقى أساسيات الكتابة العربية، ولينهل من نور القرآن المبين، وينقش به صدره الطري (والتعليم في الصغر كالنقش على الحجر).

وتعود نشأة خلاوي القرآن في الصومال إلى أكثر من ثلاثة عشر قرناً تقريباً، إذ يفترض أن نشأتها كانت ملازمة لاعتناق سكان القرن الإفريقي – ومنهم الصوماليون – للإسلام منذ منتصف، أو أواخر القرن الأول الهجري على أبعد الاحتمالات. ومن المعلوم أن تعلّم القرآن كانت عملية لصيقة بالرسالة الخاتمة التي حمّلها الله عزّ وجل معجزة كلامية علمية، متعبدٌ بتلاوتها وحفظها والعمل بها وتنـزيلها على أرض الواقع.

وفي ظل الغياب القاتم الذي أسدل ستاره على الصومال وأهله، وغَيّب وجودهم من الساحة الثقافية والعلمية في ظرفهم الأمني الحرج؛ تأتي هذه الإطلالة لتلقي الضوء على مَعلم مهمّ من معالم الثقافة الصومالية وهو (الدكسي القرآني) الذي هو المعقل المؤسس، والمهد الأول للثقافة الإسلامية والعربية للشعب الصومالي في الحضر والبادية على حدّ سواء.

وتهدف هذه الكتابة إلى إعطاء القارئ العربي معلومات عامة عن تقاليد تحفيظ القرآن في الصومال، وإبراز مكانة الخلاوي القرآنية لدى الشعب الصومالي، وبيان دورها في صياغة الأنشطة الحضارية للمجتمع الصومالي منذ العصور البدائية وحتى يومنا هذا، كما أنها توضح أدوات وأساليب التربية والتعليم المتبعة في الدكسي القرآني.

dugsi2أولاً: دلالة لفظـة (دكسي Dugsi) فـي اللغـة الصوماليـة:

ينضوي تحت لفظة (دكسِي) في الصومالية معانٍ عدّة يحتضنها حقل دلالي عام هو (التدفّؤ)، وقد استخدمت اللفظة للدلالة الحسية، كتدفؤ الإنسان من ضربات الرياح والبرد القارس(1)، كما استخدمت أيضاً للدلالة المعنوية كتدفؤ الإنسان بأخيه وقرينه، إذا لجأ إليه واستعان به في ملمّاته، ويقال في الصومالية (hebel dugsi ma lahan: فلان ليس له دكسِي) بمعنى لا يستجار به، إما لبخله، وإما لكونه شخصاً غير نافع للمجتمع.

ولعلّ تسمية الخلوة القرآنية بـ(الدكسي) مأخوذة من المعنى الحسّي للكلمة، إذ جرت العادة على بناء الخلوة القرآنية في مكان دافئ، يكون غالباً تحت شجرة وارفة الظلال، يتولّى الأهالي بناء عريش تحتها؛ ليتحصّن فيها المدرس وتلامذته والضيوف النازلون عليهم من الرياح التي تضرب الرحل في ظل المناخ الصحراوي في الصومال. وكثيراً ما يطلب المعلّم من بعض الطلبة المبيت في (الدكسي) خصوصاً في أوقات المراجعة المكثّفة لطبقة الحفّاظ، وكذلك تلجأ إليه قوافل طلاب العلم المسافرين للمبيت في الدكسِي القرآني في ضيافة المعلّم وتلامذته، ومن هنا كان لا بد أن يكون المكان الذي يحتضن الدكسي القرآني مكاناً دافئاً صالحاً للمبيت.

وإلى ذلك فإن الصوماليين يضفون على الخلوة القرآنية صفة التقديس، إذ يحرم تعرض الأذى بطلابها ومعلميها وكل من لجأ إليها حتى عندما تشتد المواجهات بين القبائل المتجاورة. وفي العرف الصومالي يحرم قتل معلم القرآن وطلاب الدكسي في أي حال من الأحوال، ويغرم قاتل معلم القرآن بدفع دية مغلظة (200 من الإبل) لانتهاكه حرمة معلّم القرآن، فهو إذاً حصن يتّقي به رواده عندما تلتهب نيران الحروب القبلية والثار. وهذه هي نقطة التلاقي بين الدلالة الحسية والمعنوية للفظة الدكسي.

ثانياً: رسميات التعليم في الدكسي القرآني:

1 – تأسيس الدكسي واختيار المعلّم
ينشأ التفكير في تأسيس الخلوة القرآنية في الصومال عندما تتوافر لدى الأسر المتجاورة عشرة من الأطفال، وهو الحدّ الأدنى لتأسيس الخلوة القرآنية. ويأخذ أحد شيوخ الأسر المتجاورة عادةً الراحلة والزاد اللازم للبحث عن مدرس شاب متفرغ يتولى تعليم الصغار وتحفيظهم، وذلك عندما يبرم الأمر على تأسيس خلوة قرآنية للمجمع السكني الريفي. وفي مثل هذه الحالة يتوجه الباحث عن المدرس تلقاء الحلقات العلمية المشهورة في القرى والمدن؛ ليطلب من فقيه الحلقة أن يرسل معه مدرساً شاباً متفرغاً. وهنا يتحرّى شيخ الحلقة لتقديم أفضل ما في جعبته حفاظاً على النزاهة، وتقديراً للمسؤولية المفوضة إليه.

ويخضع المعلّم قبل تعيينه لتولي الخلوة الجديدة لاختبار صعب في الحفظ والتلاوة التي يجب أن تكون برواية الدوري عن أبي عمرو بن العلاء المازني (ت 154هـ)، وهي الرواية الأكثر شهرة في الصومال، وإن كانت رواية حفص عن عاصم بن أبي النجود (ت 127هـ) قد زاحمتها في الآونة الأخيرة بتأثير انتشار المصاحف المطبوعة بالأخيرة، وتعلّق الناس بها في ظل رياح الصحوة الإسلامية المعاصرة التي كانت تهب من الجزيرة العربية ولا سيما الحجاز.

وإلى جانب حفظ القرآن الكريم يشترط للمعلّم أن يكون له إلمام بالفقه الشافعي والنحو والصرف، وخاصة الكتب الأساسية التي هي دعامة الثقافة الصومالية حتى اليوم، كسفينة الصلاة ومتن أبي شجاع في الفقه، والأجرومية والكواكب الدرية في النحو، ولامية الأفعال لابن مالك الأندلسي في الصرف. وتشترط بعض المناطق شروطاً إضافية، منها أن يكون المعلّم عزباً لم يتزوج بعد، ويتحتم عليه أن يؤخر الزواج حتى تخريج الدفعة الأولى من الطلاب، وبعدها يجوز له أن يخطب من بنات العشائر من أحب، على أن تتولّى الأسر دفع تكاليف الزواج والمهر، ويكون والد المخطوبة محظوظاً بمصاهرة معلّم القرآن الذي يتمتع بمكانة أدبية رفيعة لدى الشعب الصومالي(2).

وبعد اجتياز المعلّم الاختبار التقييمي، يتم تسليم الطلاب إليه بعد تجهيز أدوات التعليم لهم، ودفع العنزة البكر للمعلّم، وهي بمثابة رسوم التسجيل، وتسمى تلك الشاة التي تدفع للمعلّم في جلسة افتتاح الخلوة القرآنية في المصطلح الصومالي (فطيسن fadhiisin) ومعناه التقعيد، لأن الطالب بواسطتها يقعد في الخلوة ويعتبر مسجلاً فيها، ولا بدّ أن تقدم الشاة للمعلّم للنظر فيها، وتمييزها عن الأغنام الأخرى، وترعى الشاة بعد ذلك في غنم ولي أمر الطالب، على أن تسلّم للمعلّم وما تفرّع عنها في وقت طلبه.

2 – أدوات التعليم
(اللوح، المداد، القلم الخشبي)، ثلاث أدوات لازمة لكل صبي وصل سنّ الالتحاق بالدكسي القرآني، وتُجهّز الأسر عادة تلك المتطلبات لأطفالهم عند وصولهم السنة الخامسة لإعدادهم للالتحاق بالخلوة القرآنية. ويطلب اللوح من بعض الصنعة الماهرين من سكان القرية، بينما يتولّى الأطفال صناعة المداد البلدي Anqaas من الفحم وصمغ بعض الأشجار، كما أنهم يتفننون في صناعة أقلامهم من غصن بعض الأشجار اللطيفة، ويتحكم الطالب في حجم قلمه طبقاً لعدد الأسطر المسموح له نسخها، وفي حالة إذا كان الطفل صغيراً لا يستطيع أن يتولى صناعة المداد بنفسه فيقوم بمساعدته في ذلك إخوانه الكبار أو والده.

ويراقب المعلم عند استملاء الطلاب الحفظ الجديد، نوعية الحبر الذي يستخدمونه لنسخ القرآن؛ لأن هناك أنواعاً من الحبر يمنع استخدامها خاصة تلك التي تفتقر إلى بعض المواد الأساسية كالصمغ.

ولتوفية الزينة اللازمة للوح يُدلّك الطلاب على ألواحهم أوراق أشجار مخصصة على شكل سطور منظمة، تشبه سطور أوراق الطبع، ليتم نسخ الآيات القرآنية عليها. وتخضع عدد تلك السطور لذكاء الطالب ومقدرته في الحفظ، إذ يلزمه أن يباعد بين الأسطر إذا كان صغيراً أو بطيئاً في الحفظ، بينما يسمح لقوي الذاكرة أن يقارب بينها لتزيد الصفحات أو الآيات التي ينسخها للحفظ الجديد.

3 – بعد الفجر للحفظ الجديد
ينطلق طلاب الخلاوي القرآنية في الصومال إلى الدكسي قبل الفجر ليؤدوا فريضة الفجر وراء معلمهم، وبعدها توقد النار للإضاءة، حيث لا توجد مصابيح ولا كهرباء، ويشرع الطلاب في تسميع الحفظ القديم، ونسخ الحفظ الجديد، ولعلّ الغرض من ذلك ترسيخ الحفظ في وقت السحر الذي يوصف بالوقت الذهبي للحفظ، وإلى ذلك ففي انطلاق الطلاب للحفظ في السحر استغلال للوقت، الذي أضيق ما يكون عند صاحب البادية لكثرة المشاغل والأعمال كالرعي والحرث والسقي.. إلخ، وفي العادة يأتي طلوع الشمس وقد فرغ طلاب الدكسي من المراجعة والحفظ، وعندها ينطلقون إلى تناول الفطور، ومزاولة الأعمال المختلفة كرعي الغنم أو حراسة المزرعة.

4 – الطريقة الجماعية لمراجعة القرآن (سُبَع)
(سُبَع) هو المصطلح الصومالي الذي يطلق على جلسات مراجعة القرآن الجماعية التي يشتهر بها الصوماليون، وتعود هذه التسمية إلى ما كان سائداً في خلاوي القرآن في الصومال من قراءة القرآن في سبعة أيام، ويسمى كل جزء من هذه الأجزاء السبعة (سُبَع)، ومن ثم أُطلق المصطلح على كل جلسات المراجعة، سواء قرئ فيها سبع القرآن أو ما دونه.

وفي جلسة (سبع) يتحلّق الطلاب حوالي المعلم الذي يجلس عادة على الحصير البلدي المزركش، بينما يفترش الطلاب التراب حوالي المعلّم. وتبدأ الجلسة ببعض الأدعية التقليدية يقرؤها أندى الطلاب صوتاً، من أشهرها هذا الدعاء المنحوت من بعض الآيات القرآنية والأدعية:
(ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين، إنه كلام الرحمن في الدارين آمنين، سهل لنا ما نريد، ونجنا مما نخاف، برحمتك يا لطيف في الدارين آمنين).

ثم يقرأ الاستعاذة والبسملة، ويبدأ القراءة من المكان الذي يحدده المعلم، ويقرأ آية ثم يقرأ الذي يليه الآية التي بعدها، وهكذ حتى ينتهوا من القدر المقرر لتلك الليلة، ويكون الطلاب في مثل هذه الجلسات على حذر من أي خطأ في الحفظ والتلاوة؛ حفاظاً على سمعتهم، وتحاشياً من أن يسلب المعلم ثقته منهم.

ويتشدّد معلمو القرآن في الصومال على الحفظ بصورة لا مثيل لها، ولهذا يجب على الطالب أن يتقن ما مر عليه من السور حفظاً متقناً يغنيه من العودة إلى المصحف؛ لأن العودة إلى المصحف محظورة بالنسبة إلى الطلاب، إذ يتقرر عليهم تعويد أنفسهم بالدربة والمراجعة المستمرة بعدم العودة إلى المصحف. وإذا اختلفوا في وضع آية رجعوا إلى المعلم، ويحكم على الذي يخطئ بأنه ضعيف الحفظ وعليه تقوية حفظه حتى لا يسلب منه الثقة.

5 – صنفان من طلاب الدكسي القرآني
تتبع خلاوي القرآن الصومالية نظام توزيع الطلبة على مستويين نظراً للقدرات والمواهب، ويضم المستوى الأول الطلبة المخصصين لحفظ القرآن، ويطلق على هذا الصنف في المصطلح الصومالي (فطيسن Fadhiisin) ومعناه (التقعيد) إشارة إلى أنهم يفرغون للقعود والجلوس لمعلم القرآن، وعادة تخفف منهم أعباء الرعي، والسقي، وغيرها من الأعمال الشاقة. وفضلاً عن ذلك فإن الأمهات يتفقدن أحوال هؤلاء الأطفال وما يأكلونه في وجباتهم تفقداً خاصاً؛ تقديراً للظروف التي يلاقونها في الحفظ والتلاوة التي تكون غالباً بصوت عال حسبما يطلبه معلم القرآن.

أما الصنف الثاني فهم الطلاب الذين يدرسون القرآن بشكل غير منتظم، وكثيراً ما يرتحلون مع قطيع الماشية إلى أماكن بعيدة وراء منابت العشب ومساقط المطر، حتى إذا أتى موسم الرخاء، وهبطت الأمطار، وقلت الأشغال، وحيث لا تتجاوز المواشي المراعي والأودية القريبة من المنازل، يستأنف هذا الصنف من الطلاب حفظ القرآن بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر على الأقل.

وفي توزيع الأطفال على هذين الصنفين تخطيط عجيب يوفّق بين متطلبات إعداد معلمي القرآن للأسر، وذلك بتخصيص أذكى الطلاب للحفظ والجلوس للمعلم، بينما لا يحرم الآخرون من دراسة القرآن، وإن كانت بعض فترات الانقطاع تعتريهم بين فينة وأخرى.

6 – ثلاث ولائـم تكريميـة
من الرسميات التقليدية في الدكسي القرآني  الصومالي، لا سيما في المناطق، ثلاث ولائم تقام لتشجيع الطالب على الحفظ، والدعاء له بالنجاح في رحلته مع حفظ القرآن، وتتزامن الأولى منها وتسمى (الوليمة الصغرى) مع وصول الطالب إلى الآية (13) من سورة الفجر (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)، وهي عبارة عن احتفال باقتراب الطفل من إكمال الحزب الأول من القرآن، وهنا تغمر السعادة الطالب وأهله وزملاءه، وقد يتقرر تأجيز الطلبة يوماً من تسميع الحفظ الجديد تشجيعاً لهذا الشبل الذي قارب إتمام الحزب الأول من القرآن(3).

أما الوليمة الثانية وتسمى وليمة (العجل/ إشارة إلى العجل الذي يقدم للمعلم فيها) فتتزامن مع اقتراب الطالب من منتصف القرآن وبالتحديد عند وصوله إلى الآية الأخيرة من سورة طه (قلْ كُلٌّ متَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) طه الآية 135، ومن العرف أن يقدم العجل للمعلم عند وصول الطالب إلى الكلمة الأخيرة من الآية المذكورة (من اهتدى)(4).

أما الوليمة الثالثة ويقال لها (الوليمة الكبرى) فتتزامن مع اقتراب الطالب من ختم المصحف، وبالتحديد عند وصوله إلى الآية رقم (171) من سورة آل عمران (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، وفيها يجتمع الحاضرون على وليمة كبيرة، مستبشرين بقدوم الحافظ الجديد، ويتبادلون الأدعية والتبريكات، وفيها يقوم الطالب بكسر القلم الخشبي الذي كان ينسخ به القرآن.

7 – الرسوم الدراسية
الرسوم الدراسية في خلاوي القرآن في الصومال لم تكن ثمناً تدفع للمعلم، إذ لم تكن العملات الورقية والمسكوكات منتشرة لدى الصوماليين إلا في حدود ضيقة محصورة بمدن الشريط الساحلي مثل بربرة، ومقديشو، وبراوة، ومركا ونحوها، أما بقية المناطق فكان البيع فيها يتم بالتبادل والتقايض، ولهذا كانت رسوم الدراسة في خلاوي القرآن شاة تقدم للمعلم في كل ستة أشهر، أو يقدم له كلّما أتم الطالب حفظ (سُبُع) القرآن، وينتهي السُبَع الأول عند وصول الطالب إلى سورة الحجرات، والثاني عند وصوله إلى سورة السبأ عند قوله: (ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) سبأ الآية 20، والثالث عند وصوله إلى سورة المؤمنون عند قوله: (نسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ) المؤمنون 56، والرابع عند وصوله إلى سورة إبراهيم عند قوله: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) إبراهيم 26، والخامس عند وصول الطالب إلى الآية 171 من سورة الأعراف: (إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، والسادس عند وصوله إلى الآية 62 من سورة النساء: (فكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً)، أما عند إتمامه السبع السابع ويبدأ من الآية المذكورة إلى ختم القرآن فيُدفع للمعلّم ناقة بكراً تكريماً لجهوده في تخريج الحافظ الجديد. ويطلق الصوماليون على كل جزء من الأجزاء السبعة المذكورة اسم يومٍ من أيام الأسبوع، فيقال للأول –تصاعدياً – الخميس، ثم الأربعاء، ثم الثلاثاء، ثم الاثنين، ثم الأحد، ثم السبت، ثم الجمعة وهو الذي يبدأ من أول سورة البقرة إلى قوله: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة) النساء 62.

هذا إلى جانب الشاة التي يستلمها المعلم من كل طالب في أول جلسة، والعجل الذي يقدم له عند نهاية سورة طه، والناقة التكريمية التي تقدم له في (الوليمة الكبرى)، وغيرها من الأغنام والمواشي التكريمية التي تأتي إليه من أولياء الأمور، والزائرين، والمتبركين.

وعلى هذا كان مدرّس القرآن من أغنى أهل البادية، لحصوله على ثروة هائلة من المواشي، ومن المألوف أن يتجه حافظ قرآن شاب من بلاده صوب البادية الموغلة للعمل في مجال تدريس القرآن الكريم، ليعود إلى أهله بعد تخريج عدد كاف من الحفاظ والمعلّمين، مع ثروة هائلة من المواشي بأنواعها.

ثالثاً: دورة حضارية متكاملة حول الدكسي القرآني
كانت خلاوي القرآن في الصومال – ولا تزال – ملتقى أنشطة المجتمع البدوي، فإليها تؤول حالات المرض والإصابات، وإليها تفزع الأهالي حين تنقطع الأمطار، ومنها يتعلم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة، وفيها يحفظون القرآن العظيم، فهي المدرسة والجامعة والمعهد الأكاديمي، وهي المستشفى والصيدلية والمختبرات، وهي المراكز الروحية التي يشعر فيها الغادون والرائحون بحلاوة التقوى والطاعة، ولهذا كان لا بد من القلم الذي يتناول الدكسي القرآني أن يقف على هذه الدورة الحضارية المتكاملة التي تصنع في محيط الخلاوي القرآنية، وبشكل سريع نقف على أهم زوايا تلك الدورة الحضارية التي تبنى حول مائدة الخلاوي القرآنية:

1– رعاية الأطفال بوصفهم لبنة أساسية في بناء المجتمع

إذا كانت الدراسات التنموية الحديثة تتحدث عن الأطفال بوصفهم اللبنة الأولى في بناء المجتمعات ونهضة الأمم، فإن الدكسي القرآني يُؤَسس بداية للعناية بهم، فأينما وجدت مجموعة من الأطفال لا شك أن الآباء يضعون مسألة تأسيس الدكسي القرآني في مقدمة أولوياتهم. ومن العناية بالطفل في الدكسي القرآني – كما ذكرنا آنفاً – أن الأمهات يتفقدن أكله تفقداً خاصاً، حيث يعفى عنه المشاغل من رعي المواشي وإحضار المياه من الآبار البعيدة، وأكثر من ذلك فإنهم يشيرون إلى العقوبات التي تلحق بمن يسيء لطالب القرآن، وحتى الشجرة التي تمسك بطرف ردائه يعتقدون أن جذورها ستموت بسبب إلحاقها الضرر بطالب القرآن، وتعظيماً لمكانتهم يطلق عليهم إذا كانوا جماعة (كُتب) وإذا كان واحداً (كِتاب) إشارة إلى فضلهم لحملهم كتاب الله.

2– في الدكسي القرآني يتربى الأطفال على السلوك الاجتماعي والأخلاقي 
من ناحية بناء الخلق الاجتماعي فإن هنالك رسميات متبعة في الدكسي القرآني، تعوّد الطفل على الاحترام، حيث يقدر كل من يسبقونه في الحفظ ومن يكبرونه في العمر، ويطلق الطفل الصومالي عادة لفظة (العم والعمة) على كل من يكبرونه، سواء أعرفهم أم لم يعرفهم، وأما المعلم فإنه يتبوأ مكانة عظيمة بين المجتمع، بل ويشمل التكريم أسرته وأطفاله وكل أقاربه. وتربي الأسر أطفالها على تقدير المعلم وخدمته برعي أغنامه، وتفقد أحواله، وبشكل يومي يستفتح الطلابُ الدكسِي القرآني في الفترة المسائية أدعية تسمى بالمصطلح الصومالي Shaafii، وتضم أدعية كثيرة للمعلم ومعلمه، ومعلم معلمه والوالدين، والجيران. وفي هذه الرسميات يلعب الدكسي القرآني دور المحاضن التربوية، ويكون نجاحه مضموناً في ظل غياب المؤثرات وجهات التلقي الأخرى من حياة البادية القائمة على الفطرة السليمة.

3– عند حدوث مرض أو إصابة بلدغ عقرب أو ثعبان يسعف المرضى إلى الدكسي القرآني:
في الأرياف والبوادي، حيث لا يوجد طبيب ولا مستشفيات، ترد مراراً وتكراراً على معلم القرآن وطلابه حالات إصابة ومرض متعددة في اليوم والليلة، فهذا يشتكي من وجع في رأسه، وذاك يشتكي من لدغ عقرب أو ثعبان، وثالث يشتكي من ألم في ظهره.. إلخ، وهنا يعالج المعلم وأطفال الدكسي المرضى بالقرآن الكريم وبالنية الصالحة، والإيمان والعقيدة، طبقاً لقوله عز وجل: (ونُنـزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين…) سورة الإسراء 82.

وفي الذاكرة الشعبية الصومالية أن أمر المريض إذا قرئ عليه القرآن الكريم كاملاً لا يخرج من أحد أمرين: فهو إما أن يكون قد بقي من أجله شيء، ويرجى في هذه الحالة أن يكتب الله له شفاء عاجلاً، وإما أن يكون أجله قد انقضى، وفي هذه الحالة يرجى أن يسهل الله له سكرات الموت، ويسمى قراءة القرآن بأكمله في المصطلح الصومالي (مرة Maro).

وهكذا ظلت الخلوة القرآنية دُوراً للتطبيب والطوارئ والإسعافات منذ قرون طويلة، ويرجع نجاحها في أداء دورها بنجاح إلى ما يتمتع به طالب القرآن ومعلّمه والدكسي القرآني من القداسة الروحية لدى المجتمع الصومالي. ولا يزال – حتى اليوم – كثير من الأهالي في القرى والأرياف وحتى في الحواضر يجعلون الأدوية الكيماوية اختياراً متأخراً، بينما يضعون التداوي بالقرآن واللجوء إلى الدكسي القرآني على رأس قائمة الاختيارات.

4– عندما تنقطع الأمطار تلجأ الأسر إلى الدكسي القرآني:
أما إذا اشتدّ الظمأ وانقطعت الأمطار وعمّ الجفاف، فإن الأهالي يفزعون إلى الدكسي القرآني ليطلبوا من المعلم وطلابه أن يخرجوا للاستسقاء، وربما وعدوهم بالعطايا والتكريم إذا نزل المطر وانكشف القحط. ومن العادات المتبعة عند الاستسقاء أن يخرج الطلاب وعلى رأسهم الكبير (نائب المعلم) رافعين ألواحهم على رؤوسهم وهم يرددون قول الله عزوجل من سورة نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مدْرَاراً) نوح 10،11، وربما تسلقوا الأشجار مع التوجه إلى الله بالدعاء والتضرع ومدّ البصر إلى السماء، ويقرؤون عادة سورتي (هود) و( نوح) بأكملهما فوق الأشجار. والإيمان السائد في الصومال أن دعاء طلّاب الدكسي القرآني لا يردّ.

5 – عندما يضيع قطيع من الماشية تلجأ الأسر إلى الدكسي القرآني:
في الغابات الكثيفة التي تنتشر في الصومال على نطاق واسع تضيع المواشي بين الفينة والأخرى، وتكون عرضة للوحوش المفترسة، وعندها تحضر ساحة الأسرة التي كانت تحترف الرعي كمهنة أساسية طامة كبرى، وهنا لا بد من اللجوء إلى كل السبل التي يحتمل أن تساعد في استعادة الماشية الضائعة، وقبل الانطلاق إلى البحث عن الماشية الضائعة يمرّ الخارجون إلى البحث على الدكسي القرآني؛ ليطلبوا من المعلم وتلامذته أن يدعو الله لإنقاذ الماشية الضائعة من الوحوش، وربما خرجت طائفة من الطلاب مع الباحثين على ألا يفتروا من الدعاء وقراءة آية سورة النور: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ….) النور 35، التي يعتقد الصوماليون أن قراءتها تساعد في الحصول على الشيء الضائع.

خاتمـة
وفي الختام تبين لنا من خلال هذه القراءة السريعة لتقاليد تحفيظ القرآن في الصومال، الاهتمام الكبير الذي يعطيه الشعب الصومالي المسلم لحفظ القرآن، والتمسك به، وهو ما لوحظت ثماره في الآونة الأخيرة في ساحات المسابقات الدولية للقرآن الكريم، وقد عرفت الصومال عند المهتمين بهذا الشأن بـ(بلاد القرآن). وتظل الخلوة القرآنية إن أخذت بعين الاعتبار أهم وسيلة لإحداث تربية هادفة في عقول أجيالنا الناشئة، في ظل معمعة الصراع الثقافي الرهيب الذي يشهده العالم اليوم.

الـهوامـش:
1 – انظر معجم اللغة الصومالية: صالح حاشي عرب مادة dugsi.
2 – علي حلني: الدكسي وحفظ الإسلام في الصومال، موقع إسلام أون لاين، قسم الثقافة والفن 3/12/2003م
3 – علي حلني: الدكسي وحفظ الإسلام في الصومال، إسلام أون لاين، قسم الثقافة والفن 2003م
4 – عمر محمد ورسمة: مدخل إلى أدب الطفل الصومالي، 43 دار عبادي للنشر، صنعاء 2007م.

 

يمكن التواصل مع الكاتب عمــــر محمد ورسمـــــة ببريده الألكتروني الشخصي:  Binwarsame99@yahoo.com

التعليقات مغلقة