خواطر دعوية/ يابني إركب معنا,,, توجيهات لابناء الصحوة (1) للشيخ الداعية محمد إدريس احمد

إركب معنا

يا بنيّ اركب معنا ،،،،، توجيهات لأبناء الصحوة  … (١) 

 الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى ، اما بعد:

  فقد طلب مني الأخوة المنظمون للمؤتمر السنوي الثاني عشر الذي ينظمه سنويا مجلس الائمة الصومالي في شمال امريكا ومسجد ابي بكر الصديق في مينيابولس في الفترة من ٣١ اغسطس – ٢ سبتمبر ٢٠١٢  ان اقدم تحت شعار المؤتمر ( يا بني اركب معنا) ولا تخفى دلالته في مثل هذه الظروف التي تعيشها الأمة الاسلامية عامة والأمة الصومالية خاصة، أن أقدم ما سموه (توجيهات لأبناء الصحوة) وهذا من حسن ظنهم بالعبد الفقير جزاهم الله خيرا

 وأنا كتبت هذه الوريقات على متن الطائرة ، من امستردام بهولندا الى بوسطن بالولايات المتحدة، في يوم الاربعاء ٢٩/٨/٢٠١٢ والرحلة تستغرق سبع ساعات ونصف ساعة ، واقتنص هذه الفرص غالبا للكتابة والقراءة، فقد كانت الرحلة طويلة ، بدءا من صباح يوم الاثنين ٢٧/٨/٢٠١٢ حين غادرت منزلي بمدينة ممباسا بعد صلاة الفجر، مرورا بنيروبي ثم إلى الدوحة في قطر حيث وصلت بعد مغرب ذلك اليوم، فكانت الرحلة مع الانتظار والتحويل ١٣ ساعة وارتحنا ليلة الثلاثاء في الفندق بالدوحة ثم واصلت الرحلة بعد فجر الثلاثاء من الدوحة الى أوسلو عاصمة النروج على الطائرة القطرية وكانت الرحلة مع الاجراءات ١٠ ساعات ووصلت الى أوسلو بعد العصر ولكني انتهزت هذه الفرصة لزيارة مركزنا العامر مسجد التوفيق وصليت معهم المغرب والعشاء جمعا بسبب المطر، والتقيت اخينا وصديقنا الشيخ الدكتور على محمد صالح (الضحّاك) إمام المسجد وبعض مسؤولي ادارة المركز ومشروع المسجد الجديد والأحباب من جماعة المسجد وقضيت ليلة الاربعاء فيها

  ثم استأنفت الرحلة في الرابعة فجرا حيث انطلقت الى مطار أوسلو – جاردمون – وأخذت الرحلة الى امستردام بهولندا في الساعة السادسة والنصف ووصلت أمستردام الثامنة والنصف وساعات الترانزيت نحو ٦ ساعات لذلك كان في انتظاري الأخ  حسن بري وهو شاب مهندس رقيق الطبع ، دمث الأخلاق ، من مركزنا الجديد في امستردام مسجد ومركز قباء يسر الله فتحه، فالأمل ان يفتتح المسجد بعد الحج انشاءالله بعد ان منحت الحكومة رخصة البناء كمسجد والحمد لله وقد كان فكرة قبل سنوات وهو اليوم حقيقة مجسدة ، (افتتح المركز فعلا والحمدلله في ديسمبر ٢٠١٢ وعقدنا فيه المؤتمر السنوي مايو ٢٠١٣) رجوت من الاخوة القائمين عليه ان يدونوا تاريخ مراحل هذا المسجد الذي يحمل إسم ( مسجد قباء) الحبيب الى قلوبنا، والذي يذكرنا كل ما نطقنا باسمه، بطيبة الطيبة ، وهذه البقاع الحبيبة – جعل الله تربتنا فيها- وقد كنت فيها قبل اقل من ثلاثة اسابيع وصلينا ليلة الثاني والعشرين من رمضان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وامّ في صلاة التراويح في نصفها الثاني الشيخ الدكتور صلاح البدير حفظه الله وهو صاحب صوت خاشع فحلّق بنا في سور الصافات وص الى الجزء من الزمر ، يا الله… الآيات كأني اسمعها لأول مرة، يا سبحان الله ، ما أبردها على القلب، واروعها من قصص، وابلغها من حكم..، والحمد لله الذي جعل لنا في كل بلد وفي كل مدينة من هذا العالم إخوة لنا من هذه الدعوة السلفية المباركة

 دعك من هذا الاستطراد فقد جلست مع الإخوة من مسجد قباء في امستردام بضع ساعات، وهيأوا لي جزاهم الله خيرا نزلا للراحة  قبل العودة الى مطار سخيبول بامستردام لأستقل الرحلة المباشرة الى بوسطن حيث اكتب هذه الكلمات ومنها الى كلومبوس إنشاءالله تعالى .. فمجموع ساعات الرحلة تستغرق ثلاثة أيام ، أمر فيها على ممباسا ونيروبي والدوحة وأوسلو وأمستردام وبوسطن وكلومبوس ٧ مدن وأربع قارات ، و ٤٣ ساعة طيران وإجراءات – بعضها مزعج للغاية – ونحو ١٥ الف كيلو مترا .. وهذا نموذج واحد من رحلاتي الدعوية خلال خمسة عشر سنة الأخيرة ، نحمد الله على نعمته وتوفيقه ..

 وبناء على طلب إخواني هؤلاء أسجل ما يرد على الذهن الكليل الآن ، وادون ما يحضرني أو يخطر ببالي ، حسب ما تسعفني به الذاكرة، وأنا محشور في كرسيّ الطائرة الصغير، وبعيد عن الكتب والمراجع ، أدون ما أظن أن شباب الصحوة الاسلامية بحاجة ماسة اليه اليوم ، نصيحة لنفسي اولا ولإخواني المسلمين عامة وأبناء جلدتي من الصوماليين خاصة ، وهي نصيحة المحب المشفق، وبوح القلب ، وثمرة الفؤاد، وتجربة السائر على طريق هذه الدعوة ..ليست بحثا علميا جادا، ولكنها اقرب الى الدردشة والخواطر مع من أحبهم، وأشفق على بعضهم،  وأرجو لهم الخير والفلاح، وأن يكونوا أنصارا لدينهم ، وعونا لأمتهم ، ناصحين لأنفسهم قبل غيرهم، سائلا الله ان يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه الكريم وان ينفعني بها (يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم

 ايها الأخ الحبيب، والإبن الكريم : هاك بعض هذه اللمحات الخصها لك في نقاط ارجو ان تعتني بها وتتأملها، فهي عصارة التجربة في طريق الدعوة على مدى ٤٠ عاما – ثبتني الله وإياك – فلعلك تجد فيها خواطر ، وفوائد، ولمحات ، وومضات ، قد لا تجدها في غيرها ، والنحل وهو صغير طائر العسل ، فلعل كلمة سائرة، ما تلقي لها بالا، تغنيك عن أسفار كاملة، ( الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب):

  ١) إحفظ كتاب الله ما استطعت وتخلق بأخلاقه وتدبر معانيه، خاصة في قيام الليل وأطل النظر والتكرار في أسراره، واقرأ تفاسيره المختلفة، لتفهم حقائقه، وتتذوق كلماته، وتنعم بحياته،  فما وجد أنفع ولا أصلح ولا أبرك منه للقلب الذي عليه مدار صلاح او فساد الإنسان

 ٢) اقرأ وأطل القراءة والنظر والتفهم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وأيامه وغزواته وحياته كلها ولتكن السيرة الصحيحة بجوارك دائما، وتأمل حياته صلى الله عليه وسلم ، وحاول أن تفهمها أولا ثم تطبقها في معاملاتك، فلنا فيه الأسوة الحسنة، واذا كبر في نفسك فلان من الناس وعلاّن واعجبت به، فاحذر ان تصبح اطوع له من السنة وأنت لا تشعر ، حتى لا تسقط عليك حجارة من السماء، ( لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون ) ..( لأنتم اشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بانهم قوم لا يفقهون) . بعض الناس يرفع صوت شيوخه ورؤسائه  فوق صوت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا يكاد يشعر، وهو يدعي بأنه يوقر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن الاعمال ابلغ من الاقوال كما قيل في المثل..

٣) أطل النظر في منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وطريقتهم ، من الصحابة والتابعين وتابعيهم باحسان من ائمة الدين وأهل الحديث والأثر، لتتحرى أثرهم في عقائدهم وعبادتهم وأخلاقهم ، وذلك مبسوط في كتبهم ، ومعرفة كتبهم ، ومؤلفاتهم ، وتراجمهم ، وتاريخهم ، ومصادر منهجهم، ايها اللبيب ، من أعظم العلم والزاد، لأنه يحدد لك المسار، فمن مستزيد متضلع بعد ذلك ومقصّر قد خارت همته عن الاطلاع ، قال إبن الجوزي رحمه الله ( طالعت كتب مكتبة بغدد وهي الف الف مجلد، وما زلت بعد في الطلب ) وقال ابن تيمية رحمه الله ( ربما رجعت في تفسير الآية الواحدة الى مائة تفسير) وبعد ذلك يتكلم عنها، وقال ابن عساكر رحمه الله ( كتبت عن ألف شيخ ومائتي شيخة وأنا ما أزال في الطلب ) وعند ذلك ألّف كتابه الموسوعة ( تاريخ دمشق) وهو ٧٠ مجلد ، ولو فرغ الف دكتور اليوم لما استطاعوا أن يجمعوا ربعه ولا نصيفه فكيف بتلميذ لم يطلع من مناهج العلماء شيئا ، فالله المستعان ، ومع هذا كان يختم في ثلاث، ويملى الحديث، ويعاشر الأسرة، ويتكسب، ويصلي الليل ، وقديما قال الامام الخطيب البغدادي رحمة الله تعالى عليه ( لقد دخل في هذا الفن من ليس منه ) انظر كتابه القيّم رغم صغر حجمه ( شرف اصحاب الحديث) وكتابه ( تقييد العلم ) وكتابه النفيس ( آداب الطالب والراوي) وأعد القراءة مرة بعد مرة حتي تستأنس بمجالسة الخطيب طويلا والاستماع اليه كأنك تجلس بين يديه ..

 ٤) واذا اردت ان تنتمي الى منهج السلف رحمهم الله تعالى فاكثر جلوسك معهم أكثر من غيرهم من الناس من حولك ايها الأريب تفز بالجواهر والدرر، كما سماها السخاوي رحمه الله ترجمة شيخه ابن حجر العسقلاني ترجمة لم يكتب مثلها في الحافظ وسماها ونعم الإسم هداه الله اليه (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الاسلام إبن حجر) رحمهم الله جميعا – وقبل أن تعرج على كتب هذا الامام المؤرخ المحدث شمس الدين السخاوي رحمه الله في كتبه الكثيرة المتخصصة منها والعامة – تنبّه ايها الأريب الى أن تتأدب مع العلماء والائمة حين تدخل الى حماهم ومجالسهم في كتبهم المليئة بالجواهر والدرر، وتلتقطها لنفسك، فسترى بعض اللفحات الملتهبة بين الأقران، وهي أمور قل ان ينجوا منها الإنسان مهما بلغ من المكانة والمتانة، لذلك اذا رأيت – على ذكر السخاوي رحمه الله – وهو ينال من علماء آخرين من أقرانه او من غير مذهبه- كالإمام البقاعي رحمه الله الذي بينه وبين السخاوي رحمهم الله شيئ من الجفوة ، والعبارات الملتهبة، وهم مصريون منشأ وتعلما، فلا يوغرن صدرك شيئ من ذلك، وادع للجميع، وخذ اللآلئ والصدفات ودع الحجارة واللغطات، فكلاهما إمام نحرير عالم جليل ترك لنا ثروة من العلم لا نعثر بمثلها عند غيرهم، كما في كتاب الإمام البقاعي الفذ ( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وهو كتاب فذ في علم التفسير وفهم كتاب الله وتناسب مواضيع الآيات والسور، لا تستغني عنه عند طلبك لفهم كتاب الله تعالى ..

 فالمقصود ايها الاريب ان تجالس هؤلاء كثيرا أكثر من جلوسك مع الناس ولا سيما في هذا الزمان الذي أصبحت فيه معظم المجالس مجالس لهو وعبث دون فائدة علمية، ولا حكمة بالغة، ولا مسآلة شافية، فاقصر عنها كما قصر عنها قديما الإمام الجليل المحدث المجاهد عبدالله بن المبارك رحمه الله حين سأله أصحابه: الا تجلس معنا؟ لماذا لا نراك؟ قال : أنا أجالس الصحابة رضوان الله عليهم، وصدق الامام الجليل الناصح رحمه الله، فمن يجالس الصحابة والتابعين وائمة الدين فماذا يريد من كلام البطّالين، ..وثرثرة العاجزين… وخوض الخائضين ...

 

يتبع ٠٠٠

 

عدد التعليقات 7

  • هارون شيخقال:

    تجارب ودرر مفيدة لابناء الصحوة تستحق أن تكتب بماء الذهب فعلا، اسأل المولى أن يثيبك عن هذه النصائح للامة عامة والأجيال الناشئة خاصة.
    تحياتي إليك شيخنا.

  • أبو روضة الأثري السلفيقال:

    رسالة يا بني اركب معنا للشيخ محمد العريفي جعلها نكتة أحد المغرمين بالفكر البتديعي من بعض المتسلفة اليمان وهو الحجوري وعلق عليها قائلا في تبديعه للعريفي: صاحب رسالةاركب معنا ولا أدري إين يريد أن يركب الناس معه،
    فهل تريدنا يا فضيلة الشيخ أن نركب معك إلى كلومبوس في رحلة ثلاثة آيام…

  • حكم منيفة وجواهر فريد فجزاك الله خيرا شيخنا الكريم والوالد المربي الأريب ولأرجوا من الله تعالى أن يجعل هده الإشارات السامية والطرائف النامية عبرة للمعتبرين وكم لمثل هده الفوائد التعليمة أثرا على الأمة الإسلامية عامة والأبناء الصحة خاصة
    وقول الاخ أبو روضة :فهل تريدنا يا فضيلة الشيخ أن نركب معك إلى كلومبوس في رحلة ثلاثة آيام…
    ليس صوابا بالنظر إلى تعليقات شيخنا الوالد فإن شيخنا إنما دكر رحلته استطرادا وقد نص هدا
    والدي يركب معه هو ما علق أعلاه فلا حاجة إلى هدا التساؤل

    • أولا أشكر الشيخ على جهوده الدعوية التي يقدم فيها الكثير من التوجيهات والإصلاحات الفكرية والسلوكية، وأرى أن الأمة بحاجة إلى مثل هذا الشيخ وهذا المقال فيه فوائد جمة ودروس وعبر وأنصح طلبة العلم بأن يقرأوه ويستفيدوامنه.

  • عبدالرحمن السعديقال:

    حكم وددر,وجواهر فريدة فجزاك الله خير على تقديمك على هذه الجواهر القيمة ,بارك الله فيك يا شيخ وفي جهودك الدعوية,

  • جويريةقال:

    جزاك الله خيرا عنّا يا فضيلة الشيخ المربىّ ما أحوجنا إلى من ينصحنا ويذكرنا.

  • عبدالله محمدقال:

    جزى الله فضيلة الداعية محمد إدريس احمد القائد الحكيم والشيخ الجليل ونحن مستعدون لقبةل تلك النصائح ونطلب منك ان لا تعجز عن التوجيهات والنصائح