فهم النصوص بين الانحراف والاستقامة (2/1) – الشيخ الدكتور هارون شيخ حسين عبدة

haaruunالحمد لله رب العالمين ثم الصلاة والسلام علي رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين وبعد;

 لا يمكن للمرء أن يدرك مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا عند ما يستقيم فهمه لنصوص الكتاب والسنة، وفهم النصوص الشرعية هي الركيزة الأساسية لصحة الاستدلال، وسلامة الإدراك في الاستنباط، كما أن صحة الفهم وحسن القصد من أزكى منن الله وأجلّ حصائد العلوم التي أنعم الله على عباده، بل ما أعطي عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أعظم منهما، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسدَ قصدُهم، وطريق الضالين الذين فَسَدت فهومُهم، ويصير من المنْعَم عليهم الذين حَسُنَت أَفْهامُهم وقصودُهم كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى [1].

ومما سمعنا من علمائنا الربانيين أن فهم الواحد لمراد الله من النص الشرعي لا يخلوا من أربعة أحوال: إما أن يكون فهمه مطابقاً لمراد الله، أو مناقضاً له، أو أعم منه، أو أخص، والموفق من وفقه الله، وفي ظل هذه العصور المتأخرة والتي تغيرت أساليب الحياة بسب التطور التقني وكثر فيها التخبط في أحكام النصوص، وأٌخذ العلم من شبكات العنكبوت و مجاهيل المشايخ من وراء غرف البالتوك وعبر المنتديات … في ظل هذه العصور انحرفت المفاهيم، واضطربت الأفكار، وكثرت تأويلات النصوص إلى غير المراد من قول الباري وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، ووجدت التفسيرات الظاهرية للنصوص التي تصادم الواقع، كما تكلمت الرويبضة[2] ورفعوا راية التحريف تحت شعار تجديد الخطاب الديني، وإعادة فهمه ليتوافق مع الواقع، وقلَّ خط الاعتدال والوسطية الذي يصدّ عن هذا التحريف؛ لهذا اشتدت الحاجة لتجلية مثل هذا الموضوع المهم، وإيضاح بعض جوانبه، فكان هذا المقال محاولة لتصحيح بعض المفاهيم الدخيلة، والرد على هذه القراءة المحرّفة، من خلال  نقول العلماء وتأصيلاتهم الشرعيه محتوياً مفردات العنوان، وأسباب الانحراف في فهم النصوص، وطرق الاستقامة في فهمها والله الموفق.

مفردات العنوان:

النصّ في اللغة: هو الرفع والظهور، يقال: نصَّ الحديث نصَّاً: أي رفعه وأسنده، ونصَّ النساءُ العروسَ نصَّاً: أي رفعنها على المِنَصَّة: وهي الكرسي الذي تقف عليه في جلائها [3].

وفي الاصطلاح: يطلق على عدة معان أشهرها: ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، كأسماء الأعداد [4]. ويطلق النصّ أيضاً: على ما دل على معنى كيف ما كان، وهو غالب استعمال الفقهاء يقولون نصّ فلان على كذا، ومنها نصوص الشريعة ومعانيها. كما يطلق على معنى ثالثٍ، وهو: ما دلّ على معنى قطعاً وإن احتمل غيره، كصيغ الجموع في العموم، فإنها تدل على أقل الجمع قطعاً مع احتمال غيره، كقوله تعالى:(فَاقْتُلُوا المُشْرِكِيْنَ) التوبة: [5]. فإنه يقتضي قتل اثنين جزماً مع احتمال قتل الجميع [5].

والمقصود بالانحراف: العدول عن الصواب، إما لشبهة انقدحت في قلب صاحبها، أو لضعف في تأصيله العلمي، وعدم امتلاكِهِ لآليات الفهم الصحيح للنص، وحمله على غير مراده [6].

والمراد بالاستقامة في فهم النصَّ: الفهم والعمل بالنصوص الشرعية على الوجه الذي دلت عليه من غير زيادة أو نقصان، وتحقيق طاعة الله في امتثال أمره ونهيه، وهي اتباع شرعه من غير إفراط ولا تفريط. وهو الاعتدال والتوسط والمضي على المنهج دون انحراف كما قال تعالى:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمرْتَ ومّنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوا إِنَه بِمَا تَعْمَلٌونَ بَصِيْرٌ) هود: [112].

 ويناقض هذه الاستقامة الشرعية طرفان زائغان وسبيلان منحرفان هما سبيل التفريط والإفراط.

قال ابن القيم رحمه الله: “وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد” [7].

أما الأول: فهو التفريط والتساهل: والمراد به تضييع حدود الله بتعطيل الواجبات النقص منها، أو بارتكاب المحرمات أو الاقتراب منها. وهذا هو عين اتباع الهوى المنهي عنه، والشارع الحكيم من مقاصده في شرعه إخراج المكلف من داعية هواه إلى عبادة مولاه، لأن عبادة الهوى مضادة لاتباع الوحي كما قال تعالى: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيْبُواْ لَكَ فَأعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهوَاءَهُمْ) القصص: [50]. فَحَصَر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى، فهما إذا متضادان. ومن وسطية هذه الشريعة أنها لم تنه المكلف عن اتباع هواه بالكلية، لأن هذا ليس بمقدوره، ولكنها أمرت أن يصرف هواه عن مواطن العطب إلى مواطن السلامة.

قال ابن القيم رحمه الله:  ” لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حياً فإن هواه لازم له كان الأمر له بخروجه عن الهوى بالكلية ممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة. مثاله: أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة، بل أمره بصرف ذلك الهوى إلى نكاح ما طاب منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء الله فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل” [8].

والثاني: هو الإفراط والتشدد: والمراد به الزيادة على المشروع باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب، أو باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه [9].

من أسباب الانحراف  في فهم النصوص:

ومع كثرة ظاهرة الانحراف في فهم النصوص في هذا الزمن الذي كثر فيه التعالم، فإنه ينبغي البحث عن أسباب ظهور هذه الظاهرة حتى يتسنى معالجتها من قبل أهلها، فكان من تلك الأسباب:

أولاً: الجهل بالعلم الشرعي بصفة عامة، وعدم التمكن في تنزيل النصوص الشرعية والقواعد العلمية على واقع ما، بصفة خاصة، وهذا شأن الشباب حدثاء الأسنان الذين نالوا من العلم بعضاً فأصبحوا ينزلون الشرعية على خلاف معناها، وهذا أكبر خطراً وأعظم ضرراً من الجهل العام لأنه يرى في نفسه ما لا يراه الجاهل من العوام فيخوض في نصوص الكتاب والسنة ظاناً في نفسه أنه بلغ رتبة الفهم لها على خلاف ما أدركه العلماء الراسخون. ولا شك أنه تعجل في أمر توقف فيه علماء أفذاذ، إذ تنزيل النصوص الشرعية على مناط معين ليس بالأمر اليسير ولا يحسنه الكثير، وهو الميدان الذين لا ينزله إلا العلماء المحققون وقد أصَّل الأصوليون لهذا التنزيل ورسموا له ضوابط وقواعد ومن ذلك قولهم:

“إن لكل حكم شرعي مقدمتين نقلية وعقلية” فالنقلية تعرف من خلال النصوص الشرعية، أما العقلية فيعنون بها تحقيق مناط الحكم الشرعي وتنزيله على ما يناسبه من وقائع وهو ما يسمى في علم أصول الفقه بتحقيق المناط، وهي “تطبيق القاعدة الكلية على فروعها” أو أن يأتي حكم شرعي معلق بوصف فتنزله وتطبقه على محاله وفروعه ويتأكد هل وجد الوصف  في الفرع أم لا؟ مثل : قوله تعالى: (وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الطلاق [2]. هل هذا الرجل هو العدل الذي ذكرته الآية.

ومثل قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) المائدة [95]. وذلك أن قاتل الصيد في الحرم يجب عليه المثل: مثل حمار الوحش يماثله البقرة فيجب على صائد حمار الوحش بقرة.

أو بيان وجود العلة في الفرع: هذا أيضا ما يسمى بتحقيق المناط مثل ماجاءت به الشريعة من أن الهرة إذا شربت من الماء فإن الماء يبقى على طهارته، والعلة في هذا أن الهرة تطوف بيننا في البيوت فالطواف علة طهارة سؤر الهرة، لعموم البلوى وصعوبة التحرز، وهذه العلة موجودة في الفأرة فيكون سؤر الفأرة طاهراً كذلك.

ومن ذلك أيضاً: أنَّ رجلاً كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقال عبد الله ويُلقَّب بالحمار، وكان يُضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد جلده في الشراب فأتي به يوماً فأمر به فجُلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله [10].

إذاً فلا يجوز إطلاق اللعن على كل شارب رأيتَه، مع أنه ورد نصٌّ في لعن شارب الخمر بإطلاق، ففيه فرق بين اللَّعن المعيَّن وبين اللَّعن المطلق، فتنزيل النصّ على الواحد يحتاج إلى دراية علم ودربة في فهم النصوص، كما في قصة ذلك الصحابي الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم عن صحابته إطلاق اللعن عليه، بسبب حبه لله ورسوله، وقس على ذلك في إطلاق جميع الأحكام من كفر، وردة، وبدعة، وفسق، ونحوهم.

ثانياً: الجهل بمقاصد الشريعة وحكمها: كالجهل بيسر الشريعة، وسماحتها، وما جاءت به من تيسير ورفع الحرج والمشقة، وخاصة تلك المقاصد الضرورية التي جاءت الشريعة برعايتها، “مقصد حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال” فكل حكم أو قول يؤدي إلى خلل بأحد هذه الكليات لا عبرة به،  فالحكم بالتكفير مثلا على أحدٍ بِعَينه من أهل القبلة سيؤول في نهاية الأمر إلى استباحة دمه،  وهذا خُرمٌ لمقصد عظيم وهو حفظ النفس المعصومة، ويشمل حفظها: الحفظ عن التلف قبل وقوعه، مثل مقاومة الأمراض السارية كما منع عمر ابن الخطاب الجيش من دخول الشام لأجل طاعون عمواس، كما يشمل حفظها: تحريم الإنسان قتل نفسه أو قتل غيره قال تعالى: (ولا تَقْتُلُوا أَنفُسكَم إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيْماً) النساء [29]. وشنع على هذه الجريمة فاعتبر قتل النفس بمثابة قتل الناس جميعاً قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرضِ فَكَأنَمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيْعاً) المائدة: [32]. وهذا المقصد لا ينتهك إلا بمسوغ صحيح صريح من الشرع نفسه، وإلا نبقى على الأصل لا نتجاوز ولا نتعداه.

ثالثاً: الجهل بمنهج السلف من أهل السنة والجماعة في فهم النصوص: مما أدى إلى وقوع الخطأ في فهم القضايا الكبرى كالتكفير والردة، والحاكمية، وتغيير المنكر ونحوها، فكان ينبغي الحذر والتريث من الوقوع في مثل هذه المزالق الهاوية، والمفاهيم الخاطئة التي سلكها أهل الابتداع في دين الله كالخوارج الذين كانوا يحفظون كتاب الله لكن لما لم يفقهوه ولم يرجعوا بفهمهم إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم زلت بهم الأقدام، حتى وصل بهم الحال إلى تكفير صحابته صلى الله عليه وسلم، ثم تكفير كل ذي ذنب ومعصية، وقد تأثر بفكرهم ونهج نهجهم أفراد وجماعات معاصرة فأطلقوا التكفير على الشعوب المسلمة وحكامهم، بل لم يسلم منهم العلماء الراسخون في العلم الذين رضيت الأمة بعلمهم فحكموا عليهم بالكفر والقتل، لكونهم بينوا الحق ووقفوا أمام انحرافاتهم، كما جاءت هذه الفئة المنحرفة بمقولات عجيبة وتناقضات لم يسبق إليهم في الاستدلال بها على المسلمين وجماعتهم، وهي بدعة “القاتل مجاهد والمقتول شهيد”  أي المقتول من العلماء شهيد وقاتله مجاهد مما يدل على عدم الفهم وقلة الإدراك، وقد صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال في أمثالهم: “يخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” [11].

رابعاً: الخلل في مصادر التلقي للعلم الشرعي: وهو البعد عن العلماء وعدم الرجوع إليهم في فهم النصوص الشرعية،  وهو من أهم الأسباب التي تؤدي إلى خلل وانحراف في الفهم، فالذي لا يمتلك الأدوات التي تعينه على الفهم، وهو معرَّضٌ للخطأ أكثر من غيره، ولذا قال تعالى: (فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل [43] . فبسبب هذا البعد ينصرف بدلا منهم إلى من لا علم له فيأخذ منه، أو عن غير المتخصصين في العلم الشرعي، وبسبب هذا تصدر غير المتأهلين للتعليم والإفتاء والدعوة من حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام الذين لا فقه عندهم ولا علم، ولعل أكثر هؤلاء من الذين يأخذون العلم من مجرد الكتب دون قراءتها على العلماء وتلقي شرحها وبيانها منهم، وهم المسمون بالمتعالمين المدّعين بالعلم نتيجة للاقتصار على مطالعة الكتب، ولا شك أن هذه الطريقة هي التي جرت للأمة الإسلامية الكثير من الويلات قديماً وحديثاً والله المستعان وعليه التكلان.

وإلى لقاء آخر في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

 

كتبه/ الدكتور هارون شيخ حسين عبده –  الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

 


([1]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/87).

[2] هو الرجل التافه الحقير ينطق في أمور العامة وليس له أهلية في ذلك.

[3] انظر: المصباح المنير ص: (494)، المعجم الوسيط (2/926).

[4] انظر: شرح تنقيح الفصول ص: (36)، شرح الورقات لابن الفركاح الشافعي، ص: (203). وكتاب الحدود في الأصول ص: (140).

[5] انظر: شرح تنقيح الفصول ص:(36-37).

[6] انظر: الانحراف في فهم الحديث النبوي ص: (11).

[7] مدارج السالكين (2 / 108).

[8] روضة المحبين ص: (10).

[9] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (103).

[10] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6398).

[11] أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (168).

عدد التعليقات 3

  • حسن عبد اللهقال:

    ما شاء الله بارك في الكاتب. فإن البعض يهدم بالدين من إجل انحراف فهمه للنصوص نسأل الله السلامة والعافية

  • طاهر محمود نورقال:

    بحث يستحق ان يكتب بقلم من ذهب علي صفحة من فضة,,,,,, بارك الله الباحث وسدد خطاه

  • لأهمية هذا الموضوع أصبح من أكثر المواضيع قراءة واهتماما، ننتظر من الشيخ الفاضل الحلقة القادمة إن شاء الله.