فساد منهج التساهل في الفتوى بدعوى التيسير/ للشيخ عبد الله بن سالم البطاطي (1 / 5)

لا يخفى على أحد من أهل الإسلام شأن الفتيا وأهميتها ، وعلو منزلتها وخطورتها ، إذ هي توقيع عن الله عز وجل ورسوله . 

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفي الناس هذا الأمر ؛ فما من نازلة تنزل دقيقة كانت أو جليلة ، خاصة أو عامة إلا ويتوجه الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتغون الهدى والبيان ؛ فيسألونه ويجيبهم ، ويستفتونه فيفتيهم ؛ فيصدرون عنه وقد شفى العليل ، وأروى الغليل ، ولم يترك لهم شاذة ولا فاذة إلا وقضى حاجتهم منها ، وجاءهم الخبر آية من كتاب الله ، أو حديثاً من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . 

وخذ مثلاً على ذلك ما جاء في قصة عقبة بن الحارث رضي الله عنه : ” أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز ؛ فأتته امرأة فقالت : إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج ، فقال عقبة : ما أعلم أنك أرضعتني ، ولا أخبرتني ، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال : كيف وقد قيل ؟ ففارقها عقبة ، ونكحت زوجاً غيره ” [1] . 

وهكذا الحال على الدوام . . كلما جاؤوا بالمسائل جاءهم بالدلائل ، فكان الأمر يقيناً كله . 

الفتيا في عصر الصحابة :
ثم جاء عصر الصحابة رضي الله عنهم فكانوا أمنة حفاظاً ، حماة للعقيدة ، حراساً للشريعة ، وهم رضي الله عنهم يتفاوتون في حمل العلم تفاوتاً بيناً ، فمقل ومستكثر ؛ ولهذا فقد تجد عند المفضول من العلم ما ليس عند الفاضل وكلهم أهل فضل . 

قال مسروق رحمه الله : لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فوجدتهم كالإخاذ جمع إخاذة وهي الغدير أو مجتمع الماء فالإخاذ يروي الرجل ، والإخاذ يروي الرجلين ، والإخاذ يروي العشرة ، والإخاذ يروي المئة ، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم ، فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ [2] . 

وكانوا رضي الله عنهم محط أنظار الناس يومئذ ، يهتدون بهديهم ، ويقتفون أثرهم ، ويتأدبون بسمتهم ، وكل المسلمين يقصدونهم لأجل الفتيا والسؤال والتلقي عنهم ، وأخذ العلم منهم ، ولم يكن في زمنهم من يقوم مقامهم أو يسد مسدهم ، فالكل محتاج إلى ما عندهم من العلم . 

زد على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هيأهم لهذا الأمر ، وأخبرهم أن الناس تبع لهم ، وأمرهم أن يستوصوا بطالب العلم خيراً ، وأن يرحبوا به ويقبلوا عليه . 

فعن أبي هارون العبدي قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال : مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : ” إن الناس لكم تبع وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين ، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيراً ” [3] . 

فلم يكن بد من التصدي للناس ، والنظر في قضاياهم ، فبذلوا النفس والنفيس لنشر دين الله ، غير ضانين بالعلم على أهله ، واجتهدوا في تفقيه الخلق ، وتحديث الناس ، وقاموا بالوصية خير قيام رضي الله عنهم . 

تورع الصحابة في الفتيا : 
ومع ما حباهم الله به من الفضل والعلم إلا أنهم كانوا يتهيبون الفتيا ، ويتحرزون منها ، للعجز عن الإحاطة بالسنن والآثار كلها ، فإن هذا ليس في مقدور أحد ، ثم حتى مع العلم بها قد يعتري الإنسان شيء من الذهول والنسيان ، أو أي عارض من العوارض التي تحول دون الإدراك الصحيح ، والفهم المليح ، فلولا حاجة الأمة ، وخشية التأثم ؛ لامتنعوا بالمرة ، لأن الاجتهاد وبذل الرأي مزلة قدم ، ومظنة سوء الفهم . 

قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله ( ت82 هـ ) : ” لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار ، وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا ” [4] . 

الفتيا عقب عصر الصحابة : 
ثم جاء من بعدهم من أهل القرون الأولى المباركة وقد ارتشفوا من فضائل الصدر الأول الميمون ، وساروا على الأمر المستقيم ، فكانوا على إدراك تام بأهمية مقام الفتيا ورفعته ، فعظموه حق التعظيم ، وقدروه قدره ، فتحفظوا في الفتوى جهدهم ، وصاروا يتدافعونها طلباً للسلامة ، وقد تدور الفتوى دورتها بينهم حتى تعود إلى الأول ، فإذا رأى أنه لابد من الإجابة فلربما أجاب السائل وأفتاه وفرائصه ترتعد ؛ كل هذا حذراً من القيل على الله بغير علم ، ولا والله حاشاهم أن يقولوا على الله بغير علم لكنه الورع التام ، وهيبة المقام ، وخشية الوقوف بين يدي رب الأنام . 
قال سفيان الثوري رحمه الله : ” أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا ، حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا ” [5] . 

وقال عطاء بن السائب رحمه الله : ” أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن الشيء ، فيتكلم وإنه لَيَرعدُ [6] . 

وعن عمير بن سعيد رحمه الله أنه قال : ” سألت علقمة عن مسألة ، فقال : إئت عبيدة فسله فأتيت عبيدة فقال : إئت علقمة فقلت : علقمة أرسلني إليك ، فقال : إئت مسروقاً فسله ، فأتيت مسروقاً فسألته ، فقال إئت علقمة فسله ، فقلت : علقمة أرسلني إلى عبيدة ، وعبيدة أرسلني إليك ، قال : فأت عبد الرحمن بن أبي ليلى ، فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فسألته فكرهه ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته ” [7] . 

وهذا الموقف النبيل من شرع الله الجليل انسحب على أمة الإسلام من عامتهم وخاصتهم تأثراً بعلمائهم ، فإنهم بتعظيمهم للشرع قد أوجدوا سياجاً منيعاً في قلوب الخلق حول أحكام الملة ؛ فاستقر في النفوس تعظيمها وتبجيلها وإكبارها ، وأضفوا على النصوص هالة من الوقار والجلال ، فلم يتجرأ أحد على العبث بالحرام والحلال ، ولا تجاسر على الاستطالة عليها رقيق الحال ، بل كل واحد منهم عرف مكانته ومكانه ، حتى إذا انزلت بأحدهم نازلة يمم شطر هذا العالم أو ذاك ؛ فسألوهم إذ لم يعلموا ، إعمالاً لقوله تعالى :  فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  (النحل : 43) . 

الاستهانة بالفتيا في العصور المتأخرة : 
ثم تطاولت الأيام ، ومضت السنون ، ووقعت السنن ، وحلت الأقدار بما مضى به القلم ، وأصاب هذه الأمة ما أصاب سائر الأمم ، وأصبح الحال كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً ، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ” [8] . 

ولا يزال أمر الأمة في انحدار وسفال حتى ظهر الرويبضة التافه يتكلم في أمور العامة واندثر عصر المفتين وجاء عصر المفتونين ، وذهب زمن العلماء وجاء زمن المثقفين ؛ بل وأنصاف المثقفين ! وصار يفتي من ليس بفتي ، وأصبحت مسائل الشرع وأحكام الملة كالكلأ ترتع فيه كل سائمة ، وحتى مصنفات الأئمة ودواوين الإسلام لم تسلم من عبث الأقزام ؛ بل من ذا الذي لم يعد يفهم الدين أصولاً وفروعاً في هذا الزمان ؟! أليست المدارس ، قد انتشرت و الكتب الشرعية قد طبعت ؟! إذن لماذا الكبت على حريات الناس ، وتكميم الأفواه عن الكلام في الشريعة ؟! لماذا التسلط على عقول الآخرين والحجر على أفكارهم ؟! وهل هذه إلا رهبنة ، ولا رهبانية في الإسلام !! ” اللهم إنا نشكو إليك هذا الغثاء ” . 

وما نراه اليوم في الفضائيات من فضائح على هيئة نصائح ، ومواقف مخزية وفتاوى مردية ، وأقوال مخجلة ، وآراء مجلجلة ، ” مبنية على التجري لا التحري ، تعنت الخلق ، و تشجي الحلق ” ، من قبل مفتي الجمهور ، و العالم الهامور ، الذي ” يفتي في وقت أضيق من بياض الميم ، أو من صدر اللئيم ، بما يتوقف فيه شيوخ الإسلام ، وأئمته الأعلام ” [9] ؛ لهو أكبر دليل على تسيب الفتوى ، وانحلال عقد الأمور ، والتعدي على حرم الشريعة . 

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ” لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله ، أما إني لست أعني عاماً أخصب من عام ، ولا أميراً خيراً من أمير ولكن علماؤكم وخياركم يذهبون ، ثم لا تجدون منهم خلفاً ، ويجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم ، فيهدم الإسلام ويثلم [10] . 

ليس البلية في أيامنا عجب بل السلامة فيها أعجب العجب ! 

وصرنا في زمان قل فيه العلماء وظهر أشباههم ، وارتفع الأدعياء وكثر اتباعهم ، وبرز المتعالم بل والعالم الماجن ! ، وبَدَا إبليس في صورة قديس ، وجاؤوا يركضون وراء ” العصرنة ” ويلهثون خلف ” التنوير ” ، وركبوا الصعب والذلول لإحياء المهجور ، وتعلقوا بالرأي الشاذ المغمور ، فكانت النتيجة : إذابة الفوارق ، وتمييع العقيدة ، وتحريف النصوص ، وتعطيل الأدلة ، وتبديل الفضائل وتخريج الرذائل ، والطعن في المسلمات ، والتشبث بالغوامض والمبهمات ، . . . في غيرها من أخواتها النحسات النكدات التي ملؤها التمويت والتمويه والتهوين ، فاللهم غفراً . 

ولقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من أناس يتشدقون بالعلم وليسوا أهله ، يلوكون المسائل كما تلوك البقرة بلسانها ، وأخبرنا أن من أشراط الساعة أن يطلب العلم المتين من هذا الصغير المهين كما جاء في حديث أبي أمية الجمحي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ” [11] .

وليس المراد بـ ( الأصاغر ) ههنا صغر السن . . كلا ، بل المراد صغير القدر ، ضحل العلم ، ضائع التقوى ، بائع الفتوى ؛ لأن هذا الأمر مداره على الأهلية وليس على طول القامة ، وكبر العمامة ، فالعلم لا يقاس بالأشبار ، ولا يعترف بالأحجام . 

قال إبراهيم الحربي رحمه الله ( ت 285 هـ ) : ” الصغير إذا أخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فهو كبير والشيخ الكبير إن ترك السنن فهو صغير ” . أهـ [12] . 

وذكر الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتابه ( جامع بيان العلم وفضله ) هذا الحديث وأحاديث أخر ، وبوب على ذلك بـ : بابٌ ، حال العلم إذا كان عند الفساق والأرذال ، ثم قال رحمه الله ( ت463هـ ) : ” وقال بعض أهل العلم : إن الصغير المذكور في الحديث إنما يراد به الذي يستفتى ولا علم عنده ، وإن الكبير هو العالم في أي شيء كان ، وقالوا : الجاهل صغير وإن كان شيخاً ، والعالم كبير وإن كان حدثاً . . . واستشهد بعضهم بأن عبدالله بن عباس رضي الله عنه كان يستفتى وهو صغير ، وأن معاذ بن جبل وعتاب بن أسيد كانا يفتيان وهما صغيرا السن ، وولاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم الولايات مع صغر أسنانهما ، ومثل هذا في العلماء كثير . 

إلى أن قال : ومما يدل على أن الأصاغر من لا علم عنده ما ذكره عبدالرزاق وغيره عن معمر ، عن الزهري قال : ” كان مجلس عمر مغتصاً من القراء شباباً وكهولاً ، فربما استشارهم ويقول : لا يمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأيه ، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه ولكن الله يضعه حيث يشاء . أهـ [13] . 

والآثار عن السلف مستفيضة في ذم الفتيا بغير علم ، والنهي عن سؤال غير العلماء ، والتنفير من الاستماع للجاهل الحقير ، صيانة للإسلام وحماية لبيضته أن تستباح ، ونصحاً لعباد الله المؤمنين ، فكيف بمن جمع ” حشفاً وسوء كيلة ” ! وصار ضره أقرب من نفعه ! فالحذر الحذر أيها المسلمون ، كما قال هَرِم بن حيان رحمه الله : ” إياكم والعالم الفاسق . أهـ [14] . 

وهؤلاء المتسلطون على ذخيرة الأمة ، والساطون على ذخائر التراث ، يتقحمون دار الفتيا بدعوى الاجتهاد ، ويتخذونه مطية للتجني على النصوص الشرعية لا للجني منها ، وفتحوا باب ” المصلحة ” على مصراعيه ، فلا ضابط لها عندهم ولا قيد ، وأصبح واسعاً فضفاضاً يلج منه كل من أراد الانتهاك أو التهوك . 

زد على ذلك أنهم إذا تناولوا مسائل الشرع بالبحث والنظر ؛ تناولوها بروح المنهزم المتراجع تحت ضغط الواقع ؛ فينبهرون من وصول الغرب إلى المريخ ، وينسون ما سطره أسلافنا في التاريخ ، ويبهتهم التطور والتحضر والعمران ويجعلونه جزءاً من أصول فقههم ، ومراعاة التكنولوجيا والتمدن مقصد من مقاصد شرعهم !

فهذه ثلاث عورات لهم : ” اجتهاد ” لا محدود ، و ” مصلحة ” بلا حدود ، وانهزام أمام الواقع المنكود . . فماذ بقي يا عباد الله !!

ولعل احتمال ظهور أمثال هؤلاء هو الذي حمل بعض من سبق من أهل العلم على القول باقفال باب الاجتهاد ؛ خوفاً من أن يخوض في هذا الأمر من ليس أهلاً له فيعبث بالديانة خاصة في آخر الزمان حين تقل الأمانة ، فلله درهم ما أبعد نظرهم . 

وإن كنا نقول : إن الاجتهاد أمر مطلوب لسد حاجات الأمة ، ولا مفر من الإقرار والأخذ به ؛ لكن لابد من ضبطه بالضوابط ، وتقييده بالقيود ، وإلا أصبح مطية ذلولاً لكل مارق ومعاند ؛ فإن الاجتهاد ” حركة عقلية في أحكام الدين المشروعة لمصالح الأمة ، وليس الاجتهاد مجرد حركة عقلية تتجه مباشرة إلى المصالح ” [15] والقول بغير ذلك يؤدي إلى تلاعب التافهين بكلام رب العالمين وسنة سيد المرسلين وحينئذ ليس ثمة اجتهاد وإنما هو اجتثاث واجهاض ، ينتج عنه قزع من الفتاوى الممسوخة . . عياذاً بالله . 

وأنا أذكر لك هنا مثالين اثنين لتستبين سبيل القوم : 
المثال الأول : ما قاله الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى (ت1363هـ) في كتابه : ( فتح المنعم ) في بحثه عن تجويز حلق اللحية ، قال : ولما عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية حتى إن كثيراً من أهل الديانة قلد فيه غيره خوفاً من ضحك العامة منه ، لاعتيادهم حلقها في عرفهم بحثت غاية البحث عن أصل أخرِّج عليه جواز حلقها حتى يكون لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق ، فأجريته على القاعدة الأصولية ، وهي : أن صيغة ( افعل ) في قول الأكثرين للوجوب ، وقيل : للندب ، وقيل : للقدر المشترك بين الندب والوجوب ، وقيل بالتفصيل : فإن كانت من الله تعالى في القرآن فهي للوجوب ، وإن كانت من النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث هنا على الروايتين وهما رواية : ( وفروا ) ، ورواية ( اعفوا ) فهي للندب . أهـ . 

” فهذا القول حكايته تغني عن التدليل على بطلانه ، فالشيخ قد أقر باتفاق العلماء على حرمة حلقها ، ثم سعى إلى تخريج فاسد ترتب عليه نسف جميع الأوامر النبوية حيث جوز مخالفتها ، لأنها تدل على الندب لا الوجوب كما يدعي ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ” [16] . 

والمثال الثاني : ما قاله الدكتور وهبه الزحيلي هداه الله وغفر له حين تكلم عن قبول شهادة النصراني ، فقال بعد كلام له حول جواز التلفيق بين المذاهب : فإن الحكم بشهادته ينقض ؛ لأن الفاسق لا تقبل شهادته ، والكافر أشد منه فسوقاً وأبعد عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس فينقض الحكم لذلك ولقوله تعالى : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ) (الطلاق : 2) ، وهو رأي المذاهب الأربعة ، إلا الحنابلة فقد أجازوا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم ، عملا بقوله تعالى : (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) (المائدة : 106) . 

ثم يأتي بعد هذا التقرير الجيد والمشهور في كتب الفقهاء يستدرك على نفسه فيقول : لكني أرى أن الأسباب المعنوية والاجتماعية ، والظروف الخاصة ، والتعصب الذي كان موجوداً في التاريخ بين المسلمين وغيرهم هو الذي أدى إلى رفض قبول شهادة غير المسلمين ، أما الآن وقد عاش المسلمون مع غيرهم في صعيد واحد ، واتصلوا اتصالاً وثيقاً مع بعضهم ، فلا مانع من قبول شهادتهم على المسلمين للضرورة ، وقد جرى العمل على ذلك في البلاد الإسلامية !! [17] . 

هذا هو ” الفقه الطائش ” ، الذي يتخطى النصوص ، ويخطيء الأسلاف ، ولا ينظر إلا إلى المصلحة ( الضرورة ) . . والمصلحة فقط وبلا قيود . 

ولا أريد الوقوف عند هذا القول الباطل للرد عليه ، فإن من شم رائحة الفقه يعلم سقوطه بل وخطورته على الاعتقاد ! ولو تأمل فضيلة الدكتور قليلاً لرأى أنه بكلامه هذا يهدم المسألة من أصلها ؛ فإنه إن كان الكافر تقبل شهادته فالفاسق من المسلمين مهما كان فسقه وجرمه لأنه لن يبلغ درجة الكفر بارتكابه للمعاصي من باب أولى ، وحينئذ لا ترد شهادة أحد أبداً ! وهكذا يفعلون . . يبنون قصراً ، ويهدمون مصراً . 

ونحن في هذا الزمان قد ابتلينا بصنفين من المتفيقهة : 
الأول : متعالم في الفقه لا يدريه ، فهذا غايته الجهل ؛ لا يعرف من العربية حرفاً ولا من الفقه فرعاً ، ولا في الاصطلاح نوعاً . 

الثاني : تلميذ من ( مدرسة الفقه العصرانية ) موئل الإفراز للزيغ بصلابة جبين ، وهذا والله أمرُّ الأمرين ؛ لأنه دخل هذه المدرسة أناس شهروا ، فنفخ في بوقهم الكافرون ؛ حتى نفذوا عن طريقهم ، بإنزال الشرع المبدل ، والشرع المؤوَّل محل الشرع المنزل ، من عدة طرق رتبها القاسطون . 

فترى فواقر الرخص ، وبواقر الشذوذ يجتمع منها الكُثُر في الشخص الواحد ، وأجواء العصر المادي على أهبة الاستعداد باحتضان عالم الشقاق ، فتحمل له العلم الخفاق لنشر صيته في الآفاق ، فيغتر بذلك أسير الحظ الزائل ، وما زاد أن صار بوقاً ينفخ به العدو الصائل ” [18] . 

 

المصدر: موقع ملتقى أهل الحديث http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=284357

________________________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب العلم ، باب : الرحلة في المسألة النازلة رقم ( 88 ) ، وتكرر الحديث في المواطن التالية الأرقام : ( 1947 ) ، ( 2497 ) ، ( 2516 ) ، ( 2517 ) ، ( 4816 ) .

(2) أخرجه : أبو خيثمة في كتاب ( العلم ) رقم 59 ، والبيهقي في ( المدخل ) رقم ( 150 ) . 
وصححه الألباني في تعليقه على كتاب ( العلم ) لأبي خيثمة زهير بن حرب ( 17 ) .

(3) أخرجه : الترمذي رقم ( 2650 ) ، ( 2651 ) ، وابن ماجة رقم ( 247 ) ، ( 249 ) ، وعبدالرزاق في ( المصنف ) رقم ( 20466 ) ، والحاكم في ( المستدرك ) 1/88 وصححه وقال الذهبي : على شرط مسلم ، ولا علة له – أهـ ، وابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل ) 2/12 ، وأبو نعيم في ( الحلية ) 9/253 ، وابن عدي في ( الكامل ) 5/1733 ، وتمام الرازي في ( الفوائد ) رقم ( 23 ) ، ( 142 ) ، ( 151 ) ، والرامهرمزي في ( المحدث الفاصل ) رقم ( 21 ) ، ( 22 ) ، ( 23 ) ، والخطيب البغدادي في ( الفقيه والمتفقه ) رقم ( 126 ) ، و ( شرف أصحاب الحديث ) رقم ( 28 ) ، ( 29 ) ، ( 30 ) ، ( 31 ) ، و ( الجامع لآداب الراوي ) رقم ( 810 ) ، ( 816 ) ، وحسنه الألباني ( الصحيحة ) رقم ( 280 ) .

(4) أخرجه ابن المبارك في ( الزهد ) رقم ( 58 ) ، وأبو خيثمة في كتاب ( العلم ) ، رقم ( 21 ) ، والدارمي في سننه رقم ( 137 ) ، والبيهقي في ( المدخل ) رقم ( 800 ) وابن سعد في ( الطبقات ) 6/110 ، والخطيب في ( الفقيه والمتفقه ) رقم ( 641 ) ، والفسوي في المعرفة والتاريخ 2/817 ، والآجري في أخلاق العلماء 1 – 2 وابن عبدالبر في جامع بيان العلم رقم ( 2199 – 2201 ) وإسناده صحيح .

(5) أخرجه : الآجري في ( أخلاق العلماء ) 117 ، وعنه الخطيب البغدادي في ( الفقيه والمتفقه ) رقم ( 649 ) ، وإسناده صحيح ، وانظر : ( الآداب الشرعية ) لابن مفلح 2/66 .

(6) أخرجه الخطيب في ( الفقيه والمتفقه ) رقم 1085 ، والفسوي في (المعرفة والتاريخ) 2/718 ، وسنده صحيح .

(7) أخرجه : الخطيب في ( الفقيه والمتفقه ) رقم ( 642 ) ، والآجري في ( أخلاق العلماء ) ( 103 ) ، وسنده ضعيف ، فيه : الحجاج بن أرطأة .

(8) أخرجه : البخاري في كتاب العلم رقم ( 100 ) ، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة رقم ( 6877 ) ، ومسلم في العلم رقم ( 2673 ) ، باب : رفع العلم وقبضه .

(9) ( التعالم ) بكر أبو زيد ( 31 ) .

(10) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها ، ( 80 ) ، والدارمي في سننه برقم ( 194 ) ، والطبراني في ( الكبير ) 9/105 رقم ( 8551 ) ، والبيهقي في ( المدخل ) رقم ( 205 ) ، وابن عبدالبر في ( جامع بيان العلم ) رقم ( 2007 ) ( 2010 ) والخطيب البغدادي في ( الفقيه والمتفقه ) رقم ( 483 ) ، ( 484 ) وفي إسناده : مجالد بن سعيد ، وهو ضعيف ( مجمع الزوائد ) 10/180 وفي لفظ بنحوه من قول ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً ، أخرجه : ابن أبي شيبة في ( المصنف ) رقم ( 19003 ) ، وابن وضاح في ( البدع والنهي عنها ) 89 ، ومختصراً في 34 ، والدارمي في سننه برقم ( 191 ) ، ( 192 ) ، والحاكم في ( المستدرك ) 4/514 – 515 وسكت عنه ، وصححه الذهبي على شرط الشيخين .

(11) أخرجه : ابن المبارك في ( الزهد ) 1/20 – 21، والطبراني في ( الكبير ) 22/361 رقم ( 908 ) ، وفي ( الأوسط ) كما في ( مجمع البحرين ) 1/145 رقم ( 276 ) واللالكائي في ( شرح أصول اعتقاد أهل السنة ) 1/95 رقم ( 2 ) وأبو عمرو الداني في الفتن 2-62 والهروي في ذم الكلام 2/137 وابن عبدالبر في جامع بيان العلم رقم ( 1051 ) ( 1052 ) ، وعزاه ابن الأثير إلى ابن منده ، وأبي نعيم ( أسد الغابة ) 5/20 رقم ( 5694 ) وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف ( مجمع الزوائد ) 1/135 ، قلت : لكن راويه عنه هو : عبدالله بن المبارك ، وهو ممن روى عنه قبل احتراق كتبه ؛ ولهذا قال الحافظ عنه : صدوق ، خلط بعد احتراق كتبه ، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما ، أهـ ( التقريب ) رقم ( 3563 ) – وصححه الألباني في ( الصحيحة ) رقم ( 695 ) ، و ( صحيح الجامع ) رقم ( 2207 ) .

(12) انظر : ( شرح أصول اعتقاد أهل السنة ) اللالكائي 1/95 .

(13) ( جامع بيان العلم ) ( 617 ) ( 620 ) بتصرف ، والأثر الذي ذكره عن عبدالرزاق موجود في ( المصنف ) 11/440 رقم ( 20946 ) ، وفي صحيح البخاري من طريق الزهري أيضاً ، قال : أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة ، أن ابن عباس رضي الله عنهما قال ثم ذكر قصة جاء فيها ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته ، كهولاً كانوا أو شباناً ، كتاب التفسير ، باب : ” خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ” رقم ( 4366 ) .

(14) أخرجه الدارمي في سننه رقم ( 308 ) ، وابن سعد في ( الطبقات ) 7/133 ، وسنده صحيح وانظر ( السير ) للذهبي 4/49 .

(15) ( ومضات فكر ) محمد الفاضل ابن عاشور 40 – 41 .

(16) ( زجر السفهاء عن تتبع رخص العلماء ) جاسم الفهيد الدوسري 1110 ، ومنه نقلت كلام الشيخ حبيب الله الشنقيطي ، والكتاب على صغر حجمه مفيد جداً .

(17) ( الفقه الإسلامي وأدلته ) لوهبة الزحيلي 9/64 ، والجزء التاسع ( المستدرك ) صدره بمطلب وهو : الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب! 9/29 – 80 ، خرج فيه عن الجادة ، وفاته حسن التقرير والاختيار ، ورفض إجماع العلماء في النهي عن تتبع الرخص والسقطات ، وأتى بغرائب من القول كاعتداده بمذاهب الشيعة الإمامية والزيدية والإباضية ضمن الثروات الفقهية للأمة 9/32 ، وكقوله : فالواجب أولاً طلب ما فيه الحق والصواب أو المصلحة من الأقوال الفقهية ، أهـ 9/33 ، وكقوله : وأما المعاملات ، وأداء الأموال ، والعقوبات المقررة في الشرع والقصاص لصيانة الدماء ونحوها من التكاليف المراعى فيها مصالح البشرية والمرافق الحيوية ، فيجب الأخذ فيها من كل مذهب ما هو الأقرب لمصلحة الناس وسعادتهم ، ولو لزم منه التلفيق ، لما فيه من السعي وراء تأييد المصلحة التي يقصدها الشرع ! ، ولأن مصالح الناس تتغير بتغير الزمان والعرف وتطور الحضارة والعمران !! أهـ 9/54 ، إلى غير ذلك من هنات القوم المعروفة ، والله المستعان .

(18) ( التعالم ) بكر أبو زيد 44 ، 54 ، 92 .

التعليقات مغلقة