خواطر دعوية / همّ الدعوة … للشيخ الداعية/ محمد إدريس احمد

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد: 

خواطر دعوية 1

أدركت بالنظر والتجربة على مدى السنوات التي قضيتها في ميدان الدعوة منذ أن كنت شابا يافعا  والى يومنا هذا أن من أهم أسباب نجاح الداعية في دعوته أن يكون لديه همّ لدعوته، يستولي على كيانه ويملك عليه مجامع نفسه وفكره، وأن تكون الدعوة في حياته أول الأولويات، وأهم المهمات، في قائمة مشاغله حتى يستطيع أن يرسم خريطة حياته وفق هذه الأولويات التي لا يتقدمها شيئ على الدعوة مطلقا، فاذا قدّم الدعوة تقدم، واذا أخر الدعوة تأخر ولا بد في ميدان السباق، واذا نظر الى الدعوة من خلال الدنيا صغرت وهانت الدعوة في عينه وكبرت الدنيا وتضخمت حتى ينأى به طلب مرعاها، واذا نظر الى الدنيا من خلال الدعوة يكون العكس، كبرت وعظمت الدعوة في عينيه وهانت وصغرت الدنيا أمام ناظريه ، اذا أعطي نفسه كلها للدعوة احتضنته الدعوة وسلّمت له قيادها، واذا أعطى نفسه للدنيا وجعل الدعوة في آخر القائمة، أبعدته الدعوة من ميادينها، وحرمته كثيرا من فضائلها ، هذه أمور مجربة، قبل أن تكون مبادئ موضحة ومبينة

  لا يعرف الشوق الا من يكابده ٠٠٠٠٠٠٠ ولا الصبابة الا من يعانيها 

  سألني بعض الطلاب الذين أوشكوا على التخرج من الكليات الشرعية بعض سنوات من الطلب والتحصيل: ماهي وصيتك لنا في ميدان الدعوة؟  قلت بلا تردد على الفور: إن كنتم قد دخلتم هذا الميدان بنية الدعوة فالأمر لا شك محسوم عندكم، وستعودون الى أقوامكم لتبلغوهم لعلهم يحذرون، وليس هناك ثمة مجال للاختيار بين الوظائف وميادين العمل، وان كنتم انما جئتم لنيل الشهادة ثم الانصراف الى دنياكم مع المنصرفين ، فستنالون  منها ما كتب لكم، ولكن لن يكون لكم أثر كبير في هذا الميدان ..

  قلت لهم ان منطلق الدعوة هو المسجد، ولما هجر الدعاة المساجد، والحلق، والإمامة، والخطابة، والتوجيه، هجرهم الناس ، واصبحوا غرباء بينهم،  ولذلك أوصيكم بأن تبدأوا من المساجد كل منكم يرتب نفسه في مسجد كبير، ويمسك بزمام التوجيه، ويرتب الأنشطة المتنوعة، من حلقات علمية للرجال والنساء، وكتاب بعد كتاب، ومحاضرات وندوات، وتحفيظ القرآن والإجازات، والأنشطة الاجتماعية والخيرية من خلال الأحياء والمدن التي تقيمون فيها،  كل ذلك يجعل المجتمع مشدودا الى المسجد، ومرتبطا بالدعاة، كما يجعلكم أنتم الدعاة قادة التغيير المنشود وتربية الأمة تحمل وتطبيق النشروع الاسلامي في واقع الحياة، ويجعلكم في دائرة التأثير المباشر على مجريات الأحداث، وستكون خطبة الجمعة التي تعدونها جيدا وتوظفونها لأهداف الدعوة محور حديث الناس في هذا الأسبوع حتى تأتي الجمعة التالية، لأنكم تتفاعلون مع اهتماماتهم وأحاسيسهم. 

  وقلت لهم: إنه ليحزنني أن آتي الى بلدة في بلادنا أو في غيرها وفيها بضع مئات من المساجد فلا تكاد تجد مسجدا يعتبر مركز التوجيه للمجتمع وتكون فيه الخطبة بمثابة البيان الاسبوعي لتوعية الجماهير، أو يتولاها مثلا بعض أشهر الدعاة في البلدة، مع وفرة العلماء والدعاة، ولكن قليلا منهم يتصدى للتوجيه العام، بل إن كثيرا من الدعاة والعلماء عزفوا عن الامامة والتوجيه المنظم في المسجد وتراهم يتركون الخطابة والإمامة لصغار الطلاب  في المساجد مما يجعل الناس يؤدون الصلوات فقط في المساجد لكن لا يرتبطون بشيخ المسجد، ودعوة ليس لها رموز في المساجد كل منهم يحتل مساحة جغرافية معينة تكون له ساحة تأثير وتغيير لا تكون ذات صلة بالمجتمع كثيرا، والداعية لديه فرصة ومجال اعلامي واسع من خلال المسجد لا يتوفر للسياسيين ولا للاعلاميين ولا للمفكرين وفرسان المنابر والمساجد هم الوحيدون في العالم أجمع الذين يجثو الناس على الركب أمامهم كل أسبوع ويستمعون اليهم باهتمام بل يحرم عليهم الكلام ، وبامكانهم اذا استغلوا هذه المناسبة الاسبوعية للدعوة المؤثرة وللتوجيه المركز والاعداد الجيد، أن يحركوا الناس نحو الوجهة التي يريدونها…

  وقلت لصاحبي المتخرج: إذا كان همك الاول بعد التخرج أن تؤمن أولا مصادر الدخل، والوظيفة، و المشروع، وغير ذلك وتؤجل الدعوة او الانغماس فيها الى أن تستقر ظروفك المالية، وترتب أمر العائلة، و وو  … فاعلم يا صديقي أنك ستحرث في البحر، وتبحر بسفينتك الصغيرة وسط أمواج عاتية، تسلمك احداها الى الأخرى، وربا تغرق في المحيط الهادر قبل أن ترميك الأمواج بعيدا عن الهدف، لكن صدقني إن جعلت همّك الأول أن تقوم بواجب الدعوة، وتختار أحد المساجد في بلدك او غيره منطلقا لدعوتك واتصالك بالناس، وتعليم ما علمك الله، فسوف تأتيك الدنيا تبعا لذلك راغمة، ويرزقك الله القناعة، ويفتح لك أبواب الخير من حيث لا تحتسب، ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقد قال الله في تقديم شأن الآخرة (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) فليكن همّك الآخرة وستأتي الدنيا تبعا لذلك وسبحانك اللهم وبحمدك. 

 

 

التعليقات مغلقة