علو الهمة في اصلاح الأمة / بقلم الشيخ عبد الله بن علي بن محمد الصومالي

علو الهمة

يذكر الأستاذ والكاتب الكبير الدكتور عبد الكريم بكار أن”قضية الإصلاح أكبر قضية في حياة البشرية، وهي المهمة الكبرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والسبب في أن قضية الإصلاح هي أكبر قضية في حياة البشرية يكمن في طبيعة الإنسان بالإضافة الى طبيعة الإجتماع البشري، ومايتولد عنهما من عقابيل بالإضافة الى حاجة الإنسان الى الإطار التوجيهي، كل ذالك وأسباب أخرى يوجب على البشرية أن تظل في حالة من التوتر الدائم لعلاج أخطائها وتقويم مسيرتها”  ويذكر الدكتور أيضا أن قضية الإصلاح بالرغم من أنها أهم قضية في حياة البشرية الا أنها كذالك أعقد قضية في حياة البشرية أيضا ويقول في ذالك ” يتجلى الإبتلاء فيها في أتم صوره ومعانيه بسبب ان الإنسان عاجز عن القبض على الحقيقة دفعة واحدة، فهو حين يظن أنه أصلح جانبا من جوانب الحياة لايدري بالتحديد مدى الفساد والضرر الذي يمكن أن يلحقه بالجوانب الأخرى”  وقضية في هكذا من الأهمية وفي هكذا من التعقيد تحتاج بالضرورة الى من يمكن أن ننعتهم بالفدائيين المخلصين الذين ينوبون عن المجتمع الكبير في شأن القيام بهذه المهمة الكبيرة، وهؤلاء هم الذين يقول الله تعالى في حقهم (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهو في الدين ولينذرو قومهم اذا رجعو اليهم لعلهم يحذرون) فطائفة مختارة من المجتمع لابد وأن تجتهد في تحقيق وتنفيذ هذه المهمة “مهمة الإصلاح” والطائفة المختارة هذه مختارة بالمثل الجميلة والنبيلة التي تتصف بها، هذه المثل هي التي تجعل هذه الطائفة تبرز من وسط المجتمع الكبيرة لتتميز عنه في الإهتمامات وفي المهام، فحين ينصرف الغالبية من المجتمع الكبير الى الإهتمام بشؤونهم الخاصة والضيقة، تجد هذه الطائفة تتجه بعيدا نحو الإهتمام بالشأن العام.   والسؤآل الذي يطرح نفسه هنا هو “ماهي أهم الخصائص والمثل التي يتحلى بها المصلحون في المجتمعات البشرية والتي تجعلهم يتميزون عن باقي أفراد مجتمعاتهم في الإهتمامات وفي المهام”؟  يذكر الدكتور عبدالكريم بكار أن من أهم هذه الخصائص خاصية “امتلاك حساسية عالية نحو بعض ضرورات التغيير، فحين ينذر المصلح ويحذر من أخطار الواقع المعيش يكون غيره غارقا في الملذات، أو مشغولا بالتوافه، أو لايكون هنا ولاهناك!”  والكل يعلم أن الحساسية العالية بنت الهمة العالية، فصاحب الحساسية العالية بالضرورة يمتلك همة عالية، فلولا هذه الهمة لماكانت له هذه الحساسية، وبهذا نقول ان الهمة العالية تأتي بالدرجة الأولى في الخصائص المهمة والضرورية للمصلحين في المجتمعات البشرية، ومن ثم تصبح مسألة “غرس وتنمية مقومات الهمة العالية في نفوس أفراد المجتمع مسألة ضرورية لامناص منها” ويمكن أن نذكر ونستخلص بعض هذه المقومات والتي من شأنها أن تساعد في غرس وتنمية الهمة العالية في نفوس شباب الأمة وذالك في الأسطر القليلة التالية

:-  أولا: تنمية الشعور بالمسؤولية  الشعور بالمسؤولية تجاه الأمة، وتجاه الدين، وتجاه المجتمع، وتجاه الكون، هو الذي يكّون من الأفراد نمطا فريدا متميزا، هو الذي يجعل بعض أفراد هذه الأمة يلزمون أنفسهم في أن يكونو “آخر من ينامون وأول من يستيقظون” هو الذي يجعل بعض أفراد هذه الأمة يحملون في عاتقهم مسؤولية اصلاح خلل مجتمعاتهم وبدون مقابل، هو الذي يجعل بعض أفراد هذه الأمة يتحملون الصعاب والمشاق الجليلة في سبيل تقويم وتهذيب مجتمعاتهم، انهم يشعرون أن في عاتقهم مسؤولية عظيمة وجليلة تجاه أمتهم، وأنهم لو فّرطو في هذه المسؤولية فإنهم قد يفتحون على أنفسهم وعلى الأمة ثغرات قد يصعب عليهم وعلى غيرهم سدّها بعد فوات الأوان.  

ثانيا: تنمية روح المبادرة  المبادرة تعني اندفاع الفرد تلقائيا الى القيام بأعمال الخير، وتنمية روح المبادرة في النفوس من شأنها أن تجعل الأفراد يتحركون من تلقاء أنفسهم نحو التطوع بأعمال الخيرالصالحة والضرورية في تنمية المجتمع ورفع مستواه، والمبادرة الحرة من كل القيود سوى قيد التلقائية هي التي تجعل الفرد المبادر يغتنم كل فرصة سانحة لتقديم رسالته وشعاره في هذا الأمر هو “إذا هبت رياحك فاغتنمها”، والفرد المبادر يمتلك من الحيوية ومن الهمة العالية ما من شأنه القيام بمسألة تحريك عجلات المجتمع نحو فعل الخيرات والبعد عن المنكرات، وتعد المبادرات الفردية اليوم من المقاييس المهمة لفاعلية المجتمعات

.  ثالثا: التعلق بأهداف عليا  ان كل العظماء بدا من الأنبياء والمرسلين نجدهم عظماء لأنهم ضحّو بأنفسهم وبأموالهم في سبيل تحقيق أهداف عليا عظيمة، والتمحور حول هدف عظيم هو الذي يجعل من الفرد انسان مستقبلي ومن ثم انسان يختار الآجل على العاجل ليترفع بذالك عن الإشتغال في تحصيل الملذات الآنية،  ان معنى التضحية الحقيقي يكمن في “أن يبذل الإنسان شيئا غاليا من أجل شيئ أغلى منه، ولايوجد شيئ أغلى من الدين على وجه الارض” وأسمى هدف وأعلاه هو السعي لتمكين دين الله في الأرض ونشر تعاليمه، والتشبع بروح هذا الهدف من شأنه تكوين أجيال فريدة تقدم الغالي والنفيس في سبيل تحقيق مبادئ وقيم الإسلام على وجه المعمورة.  

رابعا: مطالعة أخبار أصحاب الهمم العالية  يقول الأستاذ الدكتور خلدون الأحدب في ذالك ” واذا نظرنا الى أؤلئك الذين استفادو من لحظات أعمارهم وكان من نتائجهم وأثرهم مايعجب أويدهش، نجدهم لايصاحبون الا الجادين العاملين، والنابهين الأذكيا، الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم، لأن الزمن هو الحياة، وصحبة هؤلاء الأمجاد كان له عظيم الأثر في همة مثل الإمام ابن جرير الطبري، وابن عقيل الحنبلي، وابن عساكر الدمشقي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن النفيس، والمزي، والذهبي، وابن حجر، وأضرابهم في غزارة انتاجهم وجدته”

.  خامسا وأخيرا: تنمية الحسّ المرهف تجاه أحوال الأمة  يذكر الشيخ محمد بن اسماعيل المقدم أنه قد جاء الطبيب يسأل شاعر الدعوة الإسلامية المعاصرة عمر بهاء الدين الأميري وهو في جناح طب القلب موصول الصدر الى جهاز المراقبة الإلكتروني بأسلاك تفك من حركته، ويحقن في البطن كل يوم مرات بابر لإماعة الدم، جاءه الطبيب ليسأل عن استراحته، فيرد عليه باستغراب، وبفهم يختلف عن فهمه فيقول:-

كلا رويدك يا طبيب ********* وقد سألت أما استراح؟

 هل يستريح الحر يوقد**************** صدره العبء الرزاح؟!

 

 عبدالله علي محمد الصومالي  Ibnucabbaas2005@hotmail.com   

التعليقات مغلقة