حوار مع الداعية الإسلامي حسن محمد جامع حول تجربة الجالية الصومالية في أمريكا 2/2

الجزء الثاني من الحوار :

clip_image001

هل كان عندكم شراكة مع الجاليات الأخرى المسلمة في أمريكا؟.

سبقنا في منيسوتا العرب والباكستانيون، والفرق بيننا أننا وصلنا على شكل عائلات كبيرة، وهم وصلوا هناك على شكل أفراد من النخبة جاءوا للدراسة أو للعمل، وهم – رغم كونهم مسلمين مثلنا – يختلفوننا في أشياء كثيرة مثل استخدام مرافق المراكز بشكل متطور.

وهذا الاختلاف يمتد أيضا حتى في التوجه الديني؛ فالصوماليون يعرفون عن الإسلام أكثر، فالفتاة الباكستانية تدخل المسجد حاسرة الرأس وتصلي، والصوماليون لا يتحملون ذلك ويعرفون أنه مخالفة صريحة للإسلام.

وفي البداية بدأنا بتجربة الشراكة مع تلك الجاليات بشراء مراكز ثم عند حدوث الخلافات وسوء التفاهم انسحب الصوماليون من تلك الشراكة طواعية، وبدأوا أولا في استئجار مراكز، ثم بشرائها، ولب المشكلة نابع من أن الجالية الصومالية تنتمي إلى مجتمع قريب إلى الفوضى والبداوة، وبهذا لم تتحمل الجاليات الأخرى مشاركتهم فأكثروا من الشكوى فبرزت الحاجة إلى إقامة مراكز جديدة خاصة بنا.

مركز أبي بكر الصديق العملاق:

من تلك المراكز الكبيرة التي تأسست مسجد أبي بكر الصديق في مينيابوليس، وهو أكبر مسجد على الإطلاق للمسلمين جميعا تم شراؤه في المرحلة الأولى بمليون وسبعمائة دولار، وكان بحاجة إلى ترميم فتم إصلاحه بمليوني دولار أخرى، وتصل نفقات المسجد الشهرية بضع وثلاثين ألف دولار، يغطى باشتراكات الأعضاء الصوماليين، وهذا بفضل مجلس الأئمة الذي ينسق حملة جمع التبرعات والعلماء الذي ظلوا يتنقلون في المدن الأمريكية؛ لجمع المبالغ الكبيرة، وكان قبله مسجد الإمام الشافعي.

والشيخ الدكتور عبد الرحمن شيخ عمر هو رئيس مركز أبي بكر الصديق، ويتولى أيضا رئاسة مجلس الأئمة، ونائبه هو الشيخ عبد الله نور أبو الفضل.

و أسس هذا المركز وغيره لحفظ هوية المهاجرين وربطهم بدينهم وببلدهم الأم، وهذا المركز –إلى جانب إقامة الشعائر الدينية – يتجه نحو توحيد الصوماليين، وإشاعة الوعي ومحاربة العصبية بأسلوب عملي وحكيم، وبمحاربته للعصبية اكتسب أعداء؛ فعلى سبيل المثال حين جاء عهد المحاكم الإسلامية تصدى المركز للغزو الإثيوبي، وتم الاتصال بالحكومة الأمريكية وإبلاغها احتجاج الجالية مستخدمين أوراق ضغط متعددة، وكان المؤيدون لمظاهراتنا يختلفون في اتجاهاتهم من قومي أو وطني أو إسلامي، وانتصرنا – بإذن الله – على الطرف الآخر المؤيد لتدخل إثيوبيا لأسباب قبلية بحتة في نظرنا.

كانت مسيراتنا حاشدة جدا ومؤثرة، واستعنا باتحاد المغتربين الصوماليين United Somali Diaspora وفعاليات أخرى في مجتمع الجالية.

بروز مشكلة الانضمام إلى حركة الشباب:

ثم حدث أن ذهب بعض الشباب المتحمسين إلى الصومال للمشاركة في أعمال المقاومة وانضموا مؤخرا إلى صفوف حركة الشباب التي صنفتها أمريكا بأنها حركة إرهابية منذ بداية عام 2008م، وبعضهم لقوا حتفهم في خضم المعارك واتخذتها وسائل الإعلام الأمريكية فرصة سانحة لاستهداف المراكز الإسلامية، وبدأ بعض أعيان المهجر الأمريكي في مينسوتا من الصوماليين بدوافع قبلية باستغلال ورقة توجه الشباب إلى الداخل، واتهم المركز بأنه يدعم الإرهاب، ووجدوا فرصة للنيل من المركز والقول بأنه منبع الإرهاب، ونحو هذا، ووجهوا تهمة خاصة إلى الشيخ عبد الرحمن شيخ عمر باعتباره المسئول عن إرسال هؤلاء الشباب، علما بأن هؤلاء الذين التحقوا بحركة الشباب في الصومال كانوا يرتادون مركز أبي بكر الصديق كأي مسجد، وهذه الحملة ضد المراكز بدأت منذ الحادي عشر من ستبمبر عام 2001م.

الشيخ عبد الرحمن شيخ عمر لقي مضايقات شديدة فقد منع من السفر، والعلماء والدعاة واجهوا صعوبات شديدة في التنقل وجمع الأموال، ولكن بحمد الله بعد تحري طويل من قبل المخابرات وأجهزة الأمن الأمريكية بُرِّئت ساحة مسجد أبي بكر من الاتهامات السالفة الذكر.

وطبيعة المركز أنه مركز متعدد الأغراض إلى جانب كونه مسجدا فهو يستضيف لقاءات حتى الساسة الصوماليين في الحكومة الفيدرالية أو الولايات الصومالية مثل بونت لاند يزورون المسجد ويخاطبون الجالية الصومالية للمناقشة حول المصالح الصومالية.

أعضاء الكونغرس الأمريكي يحضرون أنشطة المركز:

وأيضا أعضاء الكونغرس الأمريكي وعمدة المدينة يتم استضافتهم في المركز – أحيانا- للحوار معهم في المسائل التي تهم الجالية المسلمة الصومالية بمينسوتا، و تم استضافة ممثلين للأجهزة الأمنية للتفاوض معها حين ضغطت على المصلين.

السفير الأمريكي في كينيا رانبرغر – Michael Ranberger وهو المسئول عن الملف الصومالي -زار مينسوتا لإجراء لقاءات مع الجالية الصومالية فقيل له إذا لم تزر مركز أبي بكر الصديق فكأنك ما حصلت شيئا؛ فجاء إلى المركز، وتم استضافة ممثلين للمراكز الإسلامية الأخرى، وكانت جلسة مفتوحة في قاعة مؤتمرات المركز حضرها أكثر من خمسين شخصية مهمة من أعيان الجالية الصومالية بمنيسوتا، ناقشناه بعنف وصراحة، وآلمناه بانتقاداتنا اللاذعة للسياسة الأمريكية تجاه الصومال وقلنا له : إن سياستكم تجاه بلادنا خاطئة، وهي سياسة تقوم على العداء السافر، والصومال وإثيوبيا حين تحاربا وقفتم بجانب إثيوبيا، وفي عام 1992 ذهبتم إلى هناك تحت ذريعة عملية إعادة الأمل ودفعنا ثمنا باهظا ذلك ردحا طويلا، والاحتلال الإثيوبي أنتم أعطيتموه الضوء الأخضر . وقلنا : إن أكبر مشكلة تعاني منها الصومال هي سياسة أمريكا الخاطئة.

السفير رانبرغر بدوره أثنى على الرئيس شريف، وانتقد حسن طاهر أويس ، فقلنا له: حكومة شريف فاسدة لا اعبتار لها، وناقشناه بجرأة كأي مواطن أمريكي وقلنا له : اتركو الصومال وشأنها. فقال : هذا ليس واقعيا، وكنت أكثر الناس حدة في النقاش معه.

الاصطياد في الماء العكر :

كان موقفنا صريحا وهو أن لقاءاتنا مع أصحاب الشأن أمر تقتضيه مصلحة الجالية الصومالية، والمسلمون أقلية مستضعفة فلا بد لهم من التعامل بشفافية ودرأ التهم عن ساحتهم باللقاءات والمناقشات الصريحة المفتوحة، ولكن هناك شباب من مؤيدي حركة الشباب استخدموا لقاءنا مع السفير الأمريكي كدعاية بأن المركز تعاون مع الأجهزة الأمريكية، وبأن القائمين عليه منافقون، ووصمونا بكل سوء.

وهنا بدأ العلماء بإلقاء خطب ومحاضرات لبيان الموقف، فقلنا : المراكز في أمريكا أسست لتكون ملاذا للمهاجرين الصوماليين، وكل من لا يراعى أهدافها ويلتزم سياساتها، فلن يكون له موطئ قدم فيها، وحين لم ينفع النصح تعاملناهم بكل حزم، وتم منعهم حتى من ارتياد المسجد بسبب تماديهم في مخالفة اللوائح والأنظمة.

وقد استشعرنا أنهم بمكرهم قد يخططون لأعمال قذرة مثل الإعداد لتفجيرات حتى تضبطهم أجهزة الأمن داخل المركز وتتخذها ذريعة لمنع أنشطة المسجد، فعقدنا مؤتمرا وقررنا أن هذه المراكز أسست لتحقيق مصالح الجالية ولا تتحمل كل هذه الفوضى، وحين بدأوا بالشغب وحدثت معارك يدوية داخل المسجد استصدرنا قرارا من السلطات بمنعهم من الاقتراب من المسجد من كل جهاته الأربع قدرا محددا من الأمتار.

وإلى جانب مركز أبي بكر الشهير تم بناء مراكز أخرى من بينها مسجد دار الهجرة، ويترأسه الشيخ عبد الرحمن شريف من حركة الإصلاح، وهناك مراكز أخرى صغيرة.

ما هو مستقبل الجالية الصومالية في المهجر الأمريكي:

إذا أقيمت للصوماليين دولة ذات مؤسسات فاعلة في بلادهم فهذا – لاشك – سيغري أبناء الجالية للعودة إلى بلادهم مزودين بخبرات جديدة، وإلا فإنها ستغرق وتتلاشى في خضم المهجر الأمريكي، وسيقول الكبار لأبنائهم :جاء أجدادنا من الصومال.

والجالية الصومالية حاليا شديدة التعلق بالبلد الأم، ولكن معرفتهم بما يجري داخل البلاد سطحية، ومعلوماتهم عنها شحيحة، ولا توجد مراكز تصدر دراسات متوازنة ودقيقة يعتمدون في قراراتهم تجاه الوطن الأم.

والحروب المتواصلة في الداخل لا يدفع ثمنها سكان الصومال فحسب، بل تترك آثارا سيئة على أبناء الجالية، ويتضررون بها اقتصاديا؛ لأنهم سوف يشتغلون في تأمين أهاليهم في الداخل وتهجيرهم من مناطق النزاع ومداواة جريحهم، وتصبح ضغطا شديدا عليهم، يرتكبون ديونا لأجل ذلك، فكيف بالمهاجر المسكين يتلقى أنباء مزعجة من الداخل، وهو يكدح أصلا ليعيلهم ؟! فهذه الحروب تؤثر على مجرى حياته سلبا.

 المصدر: موقع الشاهد.

 

 

التعليقات مغلقة