معاً لتكون الساحة الدعوية خالية من الغلو. لفضيلة الشيخ الدكتور/ فيصل محمد علي

IMG-20130911-WA0001

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته, ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون}([1]).{يا أيّها النّاس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس وحدةٍ وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}([2]).{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}([3]).

 أما بعد:  فإن مرض الغلو في الناس قديم, وضرره على الأمة عميم, وهو وباء خطير, وداء شره مستطير, ولم يخلو عصر من عصور البشرية من مبتلى به وطائفة تمتهنه وتمارسه بصور مختلفة.

وفي هذا المقال أحاول فيه أن أستعرض صور هذا المرض وقبحه عبر القرون مع ذكر شيء من أسبابه وعلاجه.

تعريف الغلو:

هو: مجاوزة الحد، قال ابن فارس: “غلو: الغين واللام والحرف المعتل أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر، يقال: غلا السعر يغلو غلاء، وذلك ارتفاعه، وغلا الرجل في الأمر غلوا، إذا جاوز حده، وغلا بسهمه غلوا إذا رمي به سهما أقصى غايته”([4]).

وقال الجوهري: “وغلا في الأمر يغلو غلوا، أي جاوز فيه الحد”([5]).

وقال ابن منظور: “وغلا في الدين والأمر، والأمر يغلو: جاوز حده”([6]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده، أو ذمه، على ما يستحقه ونحو ذلك“([7]).

وعرّفه الحافظ ابن حجر  بأنه “المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد”([8]).

وذكر بعض أهل العلم أن تعريفه شرعًا هو تجاوز الحد الشرعي بالزيادة ، اعتقادًا أو عملاً ، وتجاوز الحد الشرعي بالزيادة على ما جاءت به الشريعة ، سواء في الاعتقاد أم في العمل.

أنواعه الرئيسية:

وأكثر ما يقع الغلو في الأشخاص والطوائف مدحاً أو ذمّاً, وفي المسائل الدينية إثباتا ونكراناً.

الغلو منهي عنه في الشرع:

قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق}([9]) .

وقال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبلُ وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل}([10]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “والنصارى أكثر غلواً في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن“([11]).

وقال -أيضاً-: “المشارِك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك”([12]).

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع –أي مزدلفة-: “هلم القط لي الحصى”. فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: “نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”([13]).

قال ابن تيمية -رحمه الله-: وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه: مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار([14]).

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هلك المتنطعون” قالها ثلاثًا”([15]).

الغلو قبيح:

الغلو قبيح في كل شيء, وفي الدين أقبح.

فبسببه قالت اليهود والنصارى ما حكى الله عنهم بقوله: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناءُ الله وأحبّاؤه}([16]).

وبه قالوا: ما حكى الله عنهم بقوله: {وقالوا لن يدخل الجنّة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم}([17]).

وبه قالوا: ما حكى الله عنهم بقوله:{وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}([18]).

وبه قالوا  ما حكى الله عنهم بقوله: {وقالت اليهود عزيرٌ ابنُ الله, وقالت النصارى المسيحُ ابنُ الله ذلك قولهم بأفواههم}([19]). وغير ذلك من أقوالهم الغالية في دينهم.

قبحه في هذه الأمة:

بسببه قال شيخ الخوارج وإمامهم للنّبي عليه الصلاة والسلام: “اعْدِلْ، فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ”!!([20]).

وبسببه قتل الخوارجُ أميرَ المؤمنين وثالثَ الخلفاء الراشدين عثمانَ بن عفان رضي الله عنه في البلد الحرام –مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم- وفي الشهر الحرام – شهر شوال عام 35هـ-ناشراً كتاب الله يتلوه!.

وبسببه قتل الخارجي الشقي التعيس عبدالرحمن بن ملجم المرادي أميرَ المؤمنين ورابعَ الخلفاء الراشدين أبا الحسن علي بن أبي طالب, ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه خارجاً لصلاة الصبح في شهر رمضان عام 40هـ.

وبسببه مدح الخارجيُ عمرانُ بن حِطّان قاتلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها        إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبه                  أوفى البرية عند الله ميزانا.

وبسببه كان أبو الغادية إذا استأذن على معاوية وغيره يقول: «استأذن لي وقل: هذا أبو الغادية قاتل عمّار» متبجحاً. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “قاتل عمّار وسالبه في النّار”([21]).

وبسببه قتل التكفيريون الشيخَ الدكتور أحمد حاج عبدالرحمن خارجاً من صلاة الفجر صائماً في العاشر من شهر الله المحرم عام 1432هـ

وبسببه قتل التكفيريون الشيخَ الكبير عبدالقادر نور فارح قائماً يصلي في بيت من بيوت الله. سنة 1434هـ

وسببه كفّر التكفيري الجَلْد حسّان كثيراً من الأمة الصومالية المسلمة, وكفّر جماعة الاعتصام بالكتاب والسنّة, واستباح دماءهم سفهاً بغير علم, وافتراءاً على الله.

وبسببه قال قائلهم: يجوز لي قتال الشعب الصومالي, وعندي مائة دليل يكفيني منه واحد!!.

وبسببه قال قائلهم: من لم يبال بكلام الشيخ فلان فلا تبالوا به… فإن أخذ وصية الشيخ واجبة!.

وبسببه قال قائلهم: يَجِب أن نعطيَ الشيخَ الفلاني ولاءاً خاصاً.

وبسببه أنكر أحدهم على من لم يقلد الشيخ الفلاني. تقليداً مطلقاً. أي الصدور منه في كل أمر.

وبسببه قال قائلهم: “السّلفيون في الحجاز قلة قليلة!!”.

وبسببه قال قائلهم: “لا يوجد في الرياض سلفي؛ غير عبدالسّلام برجس!!”.

وبسببه قال قائلهم: “ائتوني بثلاثة سلفيين في جامعة الإمام!!!”. أي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

وبسببه قال أحدهم: من خالفني في الحكم على الجماعة الفلانية فلا يشاركني في دعوتي, ولا يلقي درساً في مسجد تحت مسؤوليتي!!!.

وبسببه قال أحدهم: من لم يوافقني على حكمي على الجماعة الفلانية يُبَين له. فإن قَبِل وإلا فيلحق بهم وإن لم يكن عضواً منها!!!.

ألآ ما أقبح الغلو, وما أسوأ عاقبته, كيف طمّس بصيرة قوم, وأذهب نور علمهم حيث أعملوا الهوى وتركوا التقى.

 أسباب الوقوع في الغلو:

لا شك أن لكل مرض سببه, ولكل علة موجبها؛ ولهذا المرض -أعني الغلو في الدين- أسباب عدة من أهمها:

الهوى: وما أدراك ما الهوى إنه الهوان سرق منه النون.

وقد يكون الهوى لغرض دنيوي من طلب الرياسة -دينة أو دنيوية- أو الشهرة أو نحوه, وقد يكون لغرض ديني بدعي, لكونه سبق إلى قلب الإنسان وإلى عقله واستقر فيه, كما قيل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى       فصادف قلباً خالياً فتمكّنا.

الجهل بالدين: إذا تخلى العلم عن المرء أعمل العاطفة المجردة عن العقل؛ فيقع في شراك الغلو, فكم من إنسان مارس غلواً دهراً ثم لما تعلّم العلم الشرعي نزع عنه. ولهذا كان كثير من الخوارج الأُوّل يرجعون عن بدعتهم بالمناظرة الشرعية.

التدابير الوقائية من هذا المرض:

أولها: تقوى الله عز وجل, والنظر إلى الأخرة, والإعراض عن الدنيا الفانية.

ثانيها: العلم والعمل به؛ لأنه قد يكون الواقع في الغلو من أهل العلم؛ فلا يكفي مجرد العلم بل لا بد من العمل به؛ لأنه ليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً.

ثالثها: التربية الصحيحة. حاجتنا إلى التربية ماسة خاصة صغار الطلبة.

 وفي الختام أنصح نفسي ومن يبلغه قولي أن نتكاتف جميعاً لجعل ساحتنا الدعوية خالية من هذا المرض وغيره من الأمراض المتجددة في الأمة, وألا نترك للغلاة محلّاً ولا مكاناً يفرخون فيه.

أسأل الله الكريم أن يمنّ علينا بالهداية والرشاد إلى سبيل الهدى والرشاد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للورى.

 كتبه: الدكتور/ فيصل بن محمد بن علي

المدينة النبوية

حرر/ بتاريخ/ 3/11/1434هـ

الموافق 10/09/2013هـ

 

([1]) سورة آل عمران ( 102 )

([2]) سورة النساء ( 1 )

([3]) سورة الأحزاب ( 70 -71 )

([4]) معجم مقاييس اللغة (4/388).

([5]) الصحاح (6/2448).

([6]) لسان العرب (15/132).

([7]) اقتضاء الصراط المستقيم (1/328).

([8]) فتح الباري (13/278).

([9]) سورة النساء (171).

([10]) سورة المائدة (77).

([11]) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 289).

([12]) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 289).

([13]) أخرجه ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي (2/ 1008 رقم 3029) وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في السلسلة الصحيحة رقم (1283).

([14]) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 289).

([15]) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون (4/ 2055 رقم 2670).

([16]) سورة المائدة (18).

([17]) سورة البقرة: (135).

([18]) سورة البقرة: (111).

([19]) سورة التوبه (30).

([20]) أخرجه الحميدي  في مسنده (2/344).  وأصله في الصحيحين بلفظ: “اتق الله يا محمد”.

([21]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (13/539). وهو حديث صحيح.

عدد التعليقات 14

  • حسين شيخ محمدقال:

    السلام عليكم فضيلة الدكتور
    نشكرك على ما قمت بتوضيخ هذه الفكرة التي عمت العالم عموما وفي العالم الإسلامي خصوصاً، ونسئل الله أن يعيذنا عن الغلو إنه ولي ذلك والقادر عليه

  • ها هي كلمات رائعة تفتح الأفق وتعطي المفاهيم الصيحة السليمة, تُنَوِر القلوب مع طِيْبِ الفَهْمِ, من كان له قلب وبصر يَفْهَمُ الحقائق الغلو, ولايريد إلا خيراً مع حبّ أهل العلم والدين.
    وكذلك تعطي درساَ من كان له قلب مريض عوج سقيم مقلوب معكوس, لا يفهم حقائق الدين, ولا يفرق بين حقائق الدين والشبهات.

  • أبو حفصقال:

    الغلو بشتى صوره مذموم وكان ينبغي للأخ الدكتور أن يسمي لنا الأسماء في هذا الموقف الذي فعلوا الأفاعيل حتى لا يوسع الخرق بالإحتمالات فمثلا أحد الأقوال الذي نقل الأخ فيصل لحسن طاهر أويس وهو الرجل الذي تعرفونه لم لم يبين لنا موقفه وموقف الجماعة منه