غــض البــصــر, وكف النظر, وبعض ما ورد فيه من الخبر, وما يستفاد منه من العبر / إعداد : أحمد عبد الرحمن

غض البصرالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه زمن والاه؛ أما بعد:

(1)            فإن غض البصر هو امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في الدنيا والآخرة: قال تعالى:  (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) وقد ذكر اللهَ صفات المؤمنين ومنها ( أنَّهُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ ) ولا ريبَ أنَّ حفظ الفَرْج لا يَكون إلا بِغَضِّ البَصَرِ، لأن النَّظر بريدُ الزِّنَا, يقول ابن القيم “النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع”.

(2)           وذكر الله تعالى أنه يحاسبنا به فقال (إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً).

(3)            والله تعالى يعلم حالك وقصدك: قال تعالى (يَعْلَمُ خَائِنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور) قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: “الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة, فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإن رأى منهم غفلة نظر إليها؛ فإن خاف أن يفطنوا به غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ودّ أنه نظر إلى عورتها“.

(4)            وقد ذكر صلى الله عليه وسلم  أن النظر؛ زنًا فقال (العينان تزنيان, وزناهما النظر)

(5)            وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم   أنه قال: (ثلاثة لا ترى أعينهم النار : عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله ).

(6)           وأخرج الإمام أحمد و الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم   قال: (ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره؛ إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه).

(7)            وقال النبي صلى الله عليه وسلم   قال: (اضمنوا لي ستا من أنفسكم؛ أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم ). صححه الحاكم وغيره

(8)            ولا تنظر بعد النظر الفجاءة, وهي الأولى : فعند الترمذي وحسنه عن علي بن أبي طالب  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم   قال له: (لا تتبع النظرة؛ النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى) قال ابن الجوزي: “وهذا لأن الأولى لم يحضرها القلب، ولا يتأمل بها المحاسن، ولا يقع الالتذاذ بها“.

(9)            وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “لأن تمتلئ منخري من ريح جيفة، أحب إلي من أن تمتليان من ريح امرأة”

(10)      وعن أنس رضي الله عنه قال : “إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك

(11)      وكان طاوس – رحمه الله تعالى – لا يصحب رفقة فيها امرأة.

(12)      وعن عمرو بن مرة قال: “نظرت الى امرأة فأعجبتني؛ فكف بصري”  قال ابن الجوزي “ إنما بصرك نعمة من الله عليك فلا تعصه بنعمه، وعامله بغضه عن الحرام تربح”

(13)      وقال وكيع: “خرجنا مع سفيان الثوري – رحمه الله تعالى – في يوم عيد فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا غض أبصارنا” .

(14)      وخرج حسان بن أبي سنان يوم العيد، فلما رجع قالت له امرأته: كم من امرأة حسنة قد نظرت اليوم إليها؟! فلما أكثرت عليه قال: ويحك! ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت حتى رجعت إليك“.

(15)      وكان الربيع بن خثيم يغض بصره, فمر به نسوة, فأطرق, حتى ظن النسوة أنه أعمى، فتعوذن بالله من العمى!.

(16)      فغض البصر يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه الهلاك؛ إلى القلب.

(17)        ويورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل ، والصادق والكاذب ، وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول : “من عمّر ظاهره باتباع السنة, وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال؛ لم تخطئ له فراسة “.

(18)      ويظهر في وجهه النور, كما أن من يعصي الله يظهر منه الذل, قال الحسن : “أبى الله إلا أن يذل من عصاه ”   

(19)       ويسد على الشيطان مدخله من القلب، فإنه يدخل مع النظرة, وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، ثم يَعِده ويمنيه, ويوقد على القلب نار الشهوة .

(20)       أنه غضه يفرغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاقه يشتت عليه ذلك, ويحول بينه وبينها, فتنفرط عليه أموره, ويقع في اتباع هواه, وفي الغفلة عن ذكر ربه، قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) ، وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه .

(21)      أن بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب اشتغال أحدهما بما يشغل به الآخر ، يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، فإذا فسد النظر فسد القلب، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ, قال ابن الجوزي “أكثر فساد القلب من تخليط العين: ما دام باب عين البصر موثقا, فالقلب سليم من كل آفة، فإذا فتح طار الطائر، وربما لم يعد بعد”.

(22)      وذكر الإمام القرطبي في كتابه (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) في باب (ما جاء في سوء الخاتمة وما جاء أن الأعمال بالخواتيم) فقال: روى أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجداً للأذان والصلاة، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة، فرقي يوماً المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني ذمي، فاطلع فيها, فرأى ابنة صاحب الدار, فافتتن بها وترك الأذان، ونزل إليها ودخل الدار, فقالت له: ما شأنك؟ ما تريد؟ فقال: أنت أريد, قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبتِ لبي, وأخذت بمجامع قلبي، قالت: لا أجيبك إلى ريبة, قال لها: أتزوجك، قالت له: أنت مسلم وأنا نصرانية, وأبي لا يزوجني منك, قال لها: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل, فتنصر ليتزوجها, وأقام معها في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم؛ رقي إلى سطح كان في الدار, فسقط منه فمات, فلا هو بدينه, ولا هو بها، فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة, وسوء الخاتمة, انتهى.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

التعليقات مغلقة