تجربتـان في تعليم اللغة العربية في الصومـال (3) بقلم الشيخ عمــر محـمد ورسمة

                          ورقة بحث قدمت إلى المؤتمر الدولي الثالث للغة العربية بدبي 7-10 مايو 2014م

تجربة المعاهد  الخاصة في تعليم العربية في الصومال ( تجربة معهد البخاري أنموذجا)

نبذة عامة

    اللغة العربية في الصومالظهرةت تجربة المعاهد الخاصة في تعليم العربية في الصومال في مطلع  تسعينات القرن الماضي، ضمن طفرة مؤسسات التعليم الأهلي التي شهدتها الصومال بعد انقطاع الأمل بعودة  المؤسسات الحكومية والنظام التعليمي إلى البلاد، نتيجة استفحال الصراع بين الجبهات المتناحرة على تركة الحكومة العسكرية المخلوعة في يناير 1991م.

      ويعتبر معهد الإمام البخاري لتعليم اللغات الذي  تأسس صيف عام 1993في العاصمة مقديشو([1]) رائد هذه التجربة التي أصبحت فيما يعد نظاما تعليميا رائجا  في جميع  مناطق “الصومال الكبير” التي تضم إلى جانب جمهورية الصومال، جمهورية جيبوتي والولاية الصومالية في كل من إيثوبيا وكينيا([2]).ولعب المتخرجون من المعهد دورا أساسيا في نشر التجربة في العاصمة والمحافظات المختلفة، حيث افتتحت فيها عشرات المعاهد والمراكز على نهج معهد البخاري خلال سنوات، وأصبح اسم المركز بالتالي علامة تجارية رائجة يستخدمها مؤسسو مراكز تعليم العربية لجذب اهتمام المتعلمين.

     ويبدو أن ظهور هذه التجربة كان بمثابة  ثورة على الأنظمة التقليدية في تعلم العربية في الصومال التي  فشلت في تحقيق رغبات المتعلمين التواصلية بجناحيها الإنتاجي والاستقبالي، حيث يتخرج فيها الطالب- بعد عقد من الدراسة وحفظ المتون والمنظومات- وهو غير قادر  على التواصل باللغة.

 يقول الأستاذ عمر محمود مؤسس معهد البخاري ” أكاد أجزم أن معهد البخاري كان أول مبادرة لدراسة اللغة العربية في الصومال بطريقة تواصلية لا تقل واقعية وسهولة من الطريقة التي كانت تدرس بها اللغة الإنجليزية، فقبل معهد البخاري كانت المعاهد العربية تستخدم كتبا لا تمت بأي صلة بالواقع، مثل قصص الحيوانات، ومكر الثعلب وصلابة الأسد وجبن الضبع ونكت ما يجري في الغابة .. إلى جانب  دروس عن الحج والصوم والعبادات. ومن هنا فلم يكن من الغريب أن ترى طالبا من متخرجي الثانويات وكليات اللغة العربية، ولا يتحدث العربية إلا من خلال تلك الكتب.  وهو ما شوه صورة اللغة العربية حتى  في صفوف محبيها، حيث  يذهب الطالب إلى المدارس العربية وقد شغفه حبًا لهذا الوعاء الزاخر بالحضارة الإسلامية، ثم يرجع مهيض الجناح ولسان حاله يقول “هي لغة الدين والحيوانات”، بينما يذهب الطالب إلى المعاهد الإنكليزية، فإذا هو بعد ثلاثة أشهر قادر على المحادثة باللغة الإنكليزية، ومتحمس لمواصلتها. وليس هذا أن الشعب الصومالي كان يفضل الإنكليزية على العربية، وإنما أصحاب تلك قدموها بشكل يتواءم مع حاجيات العصر فيما أصحاب هذه شوهوها وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا” ([3])

     ونشتشف من هذا الخطاب ما كان عليه ميدان تعليم العربية في الصومال  من الانفصام الشديد بين متطلبات الواقع وما يدرسه الطلاب في الفصول، وانعكاسات ذلك على دافعية المتعلمين نحو اللغة العربية. وإلى مثل ذلك يشير  الأستاذ قاسم أحمد سهل القاسمي وهو أحد مؤسسي معهد البخاري  “كانت انطلاقة التجربة الجديدة لتعليم اللغة العربية في عام 1993 في معهد البخاري للغات بالعاصمة مقديشو في وقت كانت البيئة غير مواتية لتبؤ اللغة الإنجليزية على الميدان، حيث كانت تستفيد من وجود قوات دولية وشركات أجنبية في البلاد([4])، يضاف إلى ذلك خلو  الميدان من كتب دراسية حديثة للغة العربية مدعمة بالاستماع على غرار كتب تعليم اللغة الإنجليزية، ووضآلة فرص العمل لأصحاب الثقافة العربية،  كل ذلك أدى إلى انتشار نظرة سلبية تجاه اللغة العربية؛  غير أن التجربة الجديدة   نجحت في تلميع صورة اللغة العربية في الصومال من خلال الاهتمام بمهارة التحدث وربط الدروس بالعربية المعاصرة التي تستخدم في وسائل الإعلام. وقد آتت التجربة أكلها في زمن قياسي وقفز الإقبال عليها من سبعة طلاب سجلوا أسماءهم في يوم انطلاق التجربة في شهر يونيو عام 1993، على ما أتذكر، إلى آلاف طلاب في العامين التاليين وشكل أوائل المتخرجين روّادًا  يشار إليهم بالبنان في المدارس والمعاهد والجامعات في الداخل والخارج”([5]).

 

     وبناء على ما سبق يمكن إجمال الملامح  العامة لهذه  المدرسة فيما يأتي:

تتركز أهدافها على تعليم المهارات اللغوية وخصوصا مهارتي التحدث والاستماع.

تركز على تعليم العربية المعاصرة التي تستخدم في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والصحف والمجلات والحوارات والمقابلات الصحفية، وتدع للطالب فرصة التعمق في المفردات التراثية.

تتميز بتركيزها على مادتي الحوار وعربية وسائل الإعلام، كمدخل لتحقبق مهارتي التحدث والاستماع حيث يدرس الطالب حوارات حية تمس بالواقع، وتقارير وأخبار من مختلف الموضوعات الحياتية.

 تعطي الأولوية لتطبيق ما تعلمه الطلبة من خلال الحوارات الثنائية في داخل الفصل، والحوارات العامة في ساحة المعهد والمسابقات والأنشطة التفاعلية، ويحرز الطالب تقدما ملحوظا خلال الأشهر الأولى.

نظام الدراسة والمناهج التعليمية:

تتبع هذه المدرسة نظام الدورات التعليمية، ويستمر الطالب في المعهد سنة واحدة، موزعة على ثلاث مستويات (أساسي، متوسط، متقدم)، وتستمر الحصة غالبا ساعة أو 45 دقيقة.

تعتبر فعالية الحوار المفتوح في فناء المدرسة من أهم أدبيات تلك المعاهد، حيث  يجتمع طلاب المعهد وغيرهم من الراغبين في ممارسة العرببة في فناء المعهد يوميا، فيبدأ النقاش الثنائي بين الطلبة كل اثنين على حدة، أو تجتمع طائفة منهم لمشاهدة حوار ساخن بين طالبين بارعين في الحوار، وتدور أغلب النقاشات حول الأحداث السياسية محليا ودوليا، وذلك بعد أن درس  الطلاب تقارير صحفية، وحوارات ساخنة حول الأحداث السياسية.وتعتبر هذه الفعالية محاولة لخلق مجتمع لغوي عربي مصغر يكون عوضا عما يستدعيه تعلم اللغة الثانية من العيش في مجتمعه. وفعلا لقيت هذه المبادرة قبولا جماهيريا كبيرا، حيث لا نخلو ساحات  تلك المعاهد من عشرات الروّاد صباحًا ومساءً.

 هناك مسابقات بين الطلاب والطالبات في الفصل الواحد، أو بين فصلين، أو بين طلاب الفترة الصباحية والمسائية، ومسابقات خارجية بين معهدين أو أكثر، وتتركز تلك  المسابقات حول ترجمة الكلمات من الصومالية إلى العربية ومن العربية إلى الصومالية، وترجمة الأخبار، وإدخال الكلمات في جمل، كما أن هناك فقرات إذاعية يقوم الطلاب بعرضها، ونقاشات ثنائية يكون  أقوى المتحاورين هو الفائر.

 أما من ناحية المناهج  فليس هناك مناهج دراسية  موحدة أو مطبوعة توزع على الطلبة في تلك المعاهد، وإنما تعتمد على مذكرات من إعداد المدرسين، وإن كانت تلك المذكرات تحولت بمرور الزمن إلى مناهج يتوارثها الأجيال، ويأخذها الطلاب من أساتذتهم ثم يقومون بتدريسها لطلابهم بعد تخرجهم من المعهد، ومن أهم المقررات التي تُعدّ قاسمًا مشتركًا بين المراكز المنبثقة من هذه التجربة ما يأتي:

الحوار:

   وهو أهم مقرر من  مقررات هذه المدرسة. ويبدأ عادة  بحوارات قصيرة حول الحياة اليومية مثل الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، وما يجري في الطريق،وما يقال في الأسواق والمستشفيات والفنادق ونحوها   ، ثم يدرس حوارات متوسطة حول الأحداث السياسية محليا ودوليا، ثم يتدرج في المستوى المتقدم، فيدرس حوارات طويلة حول موضوعات سياسية ساخنة حول الأحداث التي تتناقلها وسائل الإعلام، ويراعى في كل ذلك أن يكون المتحاوران على طرفي نقيض لتحميس الحوار.

عربية وسائل الإعلام( لغة الصحافة)

    وهي الشق الثاني من مرتكزات هذه المدرسة إلى جانب مقرر الحوار.ويُدرس هذا المقرر في ثلاث مراحل، يدرس في الأولى منها كلمات لغة الأخبار من مختلف الموضوعات كالحروب والمظاهرات والانتخابات والفيضانات والاقتصاد والرياضة ..إلخ، ضمن جمل وعبارات بسيطة لا تتجاوز سطرًا واحدًا في الغالب.ويدرس في الثانية تقارير صحفية موجزة حول الموضوعات المذكورة ومثيلاتها، وفي الثالثة  يتوسع في مفردات عربية وسائل الإعلام، ويدرس تقارير طويلة، ويطلب من الطلاب كذلك كتابة تقارير عن الأحداث المحلية.

     ومما دفع هذا المقرر إلى الأمام، وجعله ذا جدوى؛  ظهور فضائيات عربية بعثت العربية الفصحى من جديد، كانت أهمها قناة الجزيرة الفضائية، حيث يتعرض الطلبة بشكل يومي إلى تقارير تشبه تلك التي يتلقونها في صفوف الدراسة، ،  وقد اشتهرت في تلك الأثناء أسماء مذيعي قناة الجزيرة ومراسليها من أمثال وليد العمري، وشرين أبو عقلي، ومحمد خير بوريني ونحوهم بين طلبة المعاهد.

   ولا يخفى علينا ما في ذلك من الأهمية التربوية، إذ يلبي واقع الفصول الدراسية  المواقف الطبيعية في الحياة، ويشعر المتعلم أنه يحرز تقدما حقيقيا في غضون أشهر. وهو ما غاب كليا عن  تجربة المدرسة التقليدية التي شدت اهتمامها بتعزيز علاقة المتعلمين بالتراث، دون أن تعير أي اهتمام للواقع.

ج. القواعد:

    إلى جانب المادتين المذكورتين( عربية وسائل الإعلام والحوار) تدرّس بعض المعاهد كمعهد البخاري (الأم) القواعد النحوية بطريقة وظيفية تبدأ أولا بالموضوعات الأساسية التي يحتاجها الطالب في حياته الوظيفية مثل التعريف والتنكير والفعل والحرف وأسماء الإشارة وأداوت النفي والاستفهام، وغيرها من  موضوعات النحو والصرف التي يحتاجها وظيفيا بشكل تدريجي.ولكن فيما يبدو فإن الاهتمام بدراسة القواعد اختفى بمرور الزمن وأصبح التركيز على المحورين السابقين.

         ولنترك الآن الأستاذ عمر محمود  مؤسس معهد البخاري ليحدثنا عن نظام الدراسة والمناهج  في تلك المعاهد حيث يقول”  بعد فتح معهد البخاري في أوائل التسعينيات من القرن الماضي فكرنا في ابتكار طريقة تفاعلية لتدريس العربية من خلال  حوارات قصيرة وقواعد نحوية مبسطة تقدم للطالب في البداية وعندما يتقن الحديث عن اليوميات مثل الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، وما يجري في الطريق ،وما يقال في الأسواق ، والعيادة والمستشفى والفنادق بالإضافة إلى دروس نحوية ابتدائية مثل تعريف الاسم والفعل والحرف وأسماء الإشارة وأداوت النفي والاستفهام وغيرها. كل هذا خلال ثلاثة شهور . ثم في وسط الدراسة يتلقى الطالب حوارات عن الحياة اليومية، لكن في هذه المرة يدرس أيضا لغة الأخبار والصحف، وقواعد نحوية وصرفية لكن مطورة،  بينما تخصص للإلقاء والمحاورات بين الطلبة أياما معلومة. وعندما ينهي الطالب من  هاتين المرحلتين يتلقى حصصا في المفردات من جميع مناحي الحياة مفردات طبية، مفردات في السياسية، في المدينة، في المطارات والموانئ والمواصلات العامة..، ثم يدرس  كيفية كتابة الرسائل وعلامات الترقيم.. وعندما تنتهي هذه الدورة يكون الطالب قادرا على التحدث بالعربية وفهم لغة الأخبار في الإذاعات والقنوات الفضائية وقراءة الصحف والمجلات”([6])

إيجابيات هذه المدرسة:

تشكل هذه التجربة نقطة تحول مهمة في تاريخ تعليم العربية في الصومال، حيث نجحت في كسر طوق  العزلة المفروض على تعليم العربية في الصومال الذي بعّد الشقة بينها وبين الواقع، وذلك  من خلال وسائل تفاعليه مبتكرة تخدم الأهداف الأساسية من تعلم اللغة، كما أنها نجحت في تلميع صورة اللغة العربية  في الساحة التعليمية الصومالية.

ساهمت في بلورة مجتمع ثقافي عربي صومالي  عريض  يتفاعل مع المثقفين والعاملين في المجال الإعلامي في العالمين العربي والإسلامي، كما أنها أصبحت رافدا أساسيا للمؤسسات الإعلامية العربية، علما بأن أغلب الكتاب والصحافيين الصوماليين العاملين في المؤسسات العربية الإعلامية اليوم بمختلف أنواعها  هم من المتخرجين في  تلك المعاهد.([7])

 تغرس الثقة في نفوس المتعلمين، وتدربهم على الإلقاء وممارسة العربية من خلال الحوار، كما أنها تغرس فيهم موهبة الإبداع وكتابة التقارير والمقالات([8])

يحقق الطالب تقدما ملحوظا في مهارة المحادثة في وقت قياسي، كما أنه يحرز تقدما في فهم الصحافة العربية، وهذا كله يغذي دافعيته نحو تعلّم العربية. وقد أفادني شخصيا أحد طلابي في  المعهد الإفريقي لتعليم العربية للناطقين بغيرها في مدينة بوصاصو بعد ستة أشهر من دراسة دورة الحوار وعربية وسائل الإعلام أنه  لم يكن يفهم شيئا من أخبار (الجزيرة) قبل الدورة إلا ما يفهمه من معطيات الصورة، وأنه يفهم بعد ستة أشهر 80% من الأخبار”  ثم أردف  قائلا” والعجيب أنهم يتحدون بدروسنا”.

سلبياتها:

على الرغم من أهمية هذه التجربة وما أضافته إلى ميدان تعليم العربية في الصومال فإنها لم تسلم من العيوب، وفيما يلي أهمها:

غياب جهة تربوية رسميه تشرف على هذه المعاهد، أدّت إلى طغيان الأهداف التجارية على الأسس العلمية، خصوصا بعد الإقبال الجماهيري  الكبير الذي حظيت به تلك المعاهد، فكثرت العمليات الارتجالية في هذا الاتجاه،  وتصدى لعملية التدريس من هم ليسوا أهلا لها، وذلك في ظل غياب القوانين الضابطة لفتح المؤسسات  وقياس الجودة التعليمية.([9]).

غياب المنهجية في تقديم المحتوى، إذ لا يوجد هناك منهج متكامل تتبعها تلك المعاهد، بل الأمر متروك لاجتهادات المدرسين، وهذا ما يؤدي إلى العشوائية في طرح الموضوعات واختيار المواد التعليمية([10])

يُحمّل المدرسون أنفسهم عبئا ثقيلا من الحصص في الفترتين الصباحية والمسائية،  أو يكون لدى بعضهم عملا أساسيا آخر، ويأتي إلى المعهد في الفترة المسائية؛ وهذا يؤدي إلى  الإرهاق وضعف الأداء، وبالتالي يختار  المدرس  في حصصه الأساليب قليلة الفعالية ليوفر لنفسه قسطا من الراحة التي يفتقدها.

يَدرُسُ الطلبة في المعاهد بشكل ثانوي بعد الفراغ من دراستهم الأساسية في المدارس النظامية والكليات، ولساعات قليلة لا تتجاوز ساعتين أو ساعة يوميا،  وهذا بؤثر سلبا على تحصيل الطلاب من جانب، واستقرار التعليم من جانب آخر.ولهذا يكثر التسرب من التعليم لدى  دارسي تلك المعاهد([11])

اختلاف مستوى الطلبة في الفصل الواحد، حيث لا يوجد هناك معايير ثابتة للقبول والتسجيل، وهذا يؤثر على الطلبة نفسيا ، ويشوش العملية التعليمية.

غياب التدريبات التحريرية والتركيز على  مهارة التحدث يؤدي إلى غياب التوازن في عملية تعليم المهارات اللغوية.

استخدام اللغة الصومالية في الفصول الدراسية، حتى مع طلاب المستويات المتقدمة. وكان بالإمكان الاكتفاء باستخدامها في المستوى الأساسي، وتطبيق التحدث بالعربية في المستويين الثاني والثالث.

تركيز تلك المعاهد على مهارة التحدث، وعربية وسائل الإعلام، وإهمال غالبيتها لتدريس القواعد والنحو أدى إلى ضعف منتسبيها في القواعد ، وبالتالي، أصبح من المعتاد أن تجد طالبا بارعا في  التحدث وكتابة التقارير، ولكنه يفتقر إلى القواعد الأساسية كاستعمالات حروف الجر، وال التعريف  ونحوها.

تكثر الترجمة الحرفية من  الصومالية إلى العربية ونقل القوالب الصومالية  إلى العربية في المجتمع التعليمي في تلك المعاهد([12])، حيث يحاولون إيجاد مقابل عربي لكل مثل أو حكمة أو مقولة صومالية، ولهذا تكثر في ساحاتها بعض العبارات والأمثال المولّدة التي ربما لا يفهم العربي فحواها.

 

 

 

الخلاصة

    من خلال هذه السرد المختصر تبين لنا عراقة الثقافة العربية في الصومال وتغلغل العربية والحرف العربي في المنطقة منذ القرون الأولى للهجرة، ولكن مع ذلك، وللأسباب التي تعرضنا لها سلفًا، لم يحدث تعريب شامل للمنطقة الصومالية كالذي حدث في  السودان ومصر ودول المغرب العربي، ولهذا تدرس العربية في الصومال لغة ثانية، وقد تعرفنا على عمق الدرس اللغوي في الصومال من خلال تجربتي الحلقات العلمية والمعاهد العربية وفيما يلي بعض التوصيات لتطوير هاتين التجربتين:

الحلقات العلمية هي المعقل الأساس لنشر العربية وعلومها في الصومال، وهي إلى ذلك معلم أساسي من معالم الثقافة التلقليدية للصوماليين، ولهذا ينبغي رعايتها وتطوير أساليبها ووضع إستراتيجيات لاستثمارها في نشر العربية. وقد يكون أولى الخطوات في هذا الاتجاه إعداد دراسات علمية دقيقة عن عنها، واقتراح سبل تطويرها وفق مستجدات العصر ومتطلباته.

نوصي إعادة النظر في طريقة الترجمة الشائعة في تدريس العربية وعلوم الشريعة في الصومال، والتي لم تسلم منها كليات اللغة العربية والدراسات الإسلامية والمعاهد، وقد أشرنا سلفا إلى عدم جدواها في تعليم اللغة الثانية.

أثبتت التجربة بأن من أنجح  طوائف متعلمي العربية في الصومال أولئك الذين جمعوا بين الحلقات العلمية،  وتجربة  المعاهد، بينما ظهر  الخلل وعدم التوازن من اكتفى بإحدى التجربتين.

أثبتت تجربة المعاهد في الصومال على أهمية عربية وسائل الإعلام في تعليم العربية للناطقين بغيرها، فالطالب يتعرض بشكل يومي لسماع الدروس التي أخذها  في الفصول الدراسية من خلال نشرات الأخبار في القنوات العربية، وهذا يدعم دافعيته نحو تعلم العربية،ولهذا نوصي مؤسسات تعليم العربية للناطقين بغيرها  العناية بتلك التجربة، كما نوصي الباحثين بدراستها وتقييمها والإفادة منها في إعداد برامج تعليم العربية لغة ثانية.

نوصي الجهات الرسمية في الصومال الاهتمام بتجربة المعاهد الرائدة  وتطويرها، وإنشاء إدارة خاصة لها في وزارة التربية، بما أنها أصبحت نمطا تعليميا ناجحا ومنتشرا  تنتسب إليه عشرات المعاهد والمراكز في شرق البلاد وغربها.

قد يكون من المفيد الجمع بين تدريس السلسلات المعاصرة في تعليم العربية للناطقين بغيرها كسلسلة (العربية بين يديك) و(العربية للناشئين) و(العربية للعالم)  ونحوها، إلى جانب تدريس مادتي الحوار وعربية وسائل الإعلام،  ومقرر الخط العربي. حيث يتعلم  الطالب من السلسلات الكثير من المفردات والقواعد النحوية الوظيفية، وجوانب من الثقافة العربية،  ويجد فيها تدريبات متنوعة في المهارات  الأربع والأنماط النحوية، بينما تساعده دراسة عربية وسائل الإعلام في فهم الأخبار والبرامج التلفزيونية وتجعله في قلب الأحداث ([13]).

  نوصي بتقوية دور وسائل الإعلام في نشر اللغة العربية وكتابة البحوث والدراسات حول هذا الموضوع، ولفت أنظار القائمين على وزارات الثقافة والإعلام والمؤسسات الإعلامية العربية إلى  الدور الريادي الذي يمكن أن يقدموه لنشر اللغة العربية. وهناك جهدٌ ريادي يستحق التثمين قامت به شبكة الجزيرة الإعلامية بعد أن فتحت صحفة خاصة بتعليم العربية، تحتوي على دروس منتقاة من النشرات الإخبارية مصحوبة بالمشاهدة والتدريبات والأنشطة التعليمية المتنوعة. 

وأخيرا، فلا شك أن ملاك ذلك كله، أننا نحتاج إلى كليات ومعاهد لإعداد معلمي اللغة العربية، وتدريبهم بمتطلبات تعليم العربية لغة ثانية، والاهتمام كذلك بإعداد مناهج علمية وضعت لمتعلمي العربية لغة ثانية، بل إلى مناهج خاصة بالمتعلم الصومالي تؤخذ موادها من  الواقع المحيط بالدارسين. وفي خضم  الأزمة الراهنة للصومال لا شك أننا نحتاج إلى مساعدة  المؤسسات العربية المعنية بهذا الشأن.

     ولسنا نفشي سرا إذا أشرنا إلى سوء أحوال تدريب معلمي العربية في الصومال، حيث يتصدر لمزاولة هذه المهنة غير المتخصصين، فضلا عن غياب أقسام اللغة العربية في أغلب الجامعات الصومالية، لغياب الدعم اللازم، والكوادر المؤهلة. وقد يكون أهم المساعدات التي نحتاجها الآن تخصيص منح لإعداد معلمي  اللغة العربية في الصومال، ودعم كليات ومعاهد اللغة العربية، وتوءمتها مع المعاهد والكليات العربية المماثلة.

الهوامش


[1]– الأستاذ قاسم أحمد سهل القاسمي: أحد مؤسسي  معهد البخاري  ومراسل الجزيرة نت في مقديشو حاليا ( مقابلة 11/2/2014)

[2]– تم تقسيم الصومال الكبير في القرن التاسع عشر إلى خمس وحدات سياسية بين قوى الاحتلال الأوروبي وإمبراطورية الحبشة الموالية لهم،  والأقسام الأربعة هي الصومال البريطاني والصومال الإيطالي  وقد اتحدا تحت اسم جهورية الصومال في 1960، والصومال الفرنسي (جيبوتي) والصومال الإيثوبي (  إقليمي هرر وأوجادينيا) والصومال الكيني وهي الولاية الشمالية الشرقية لكينيا.

[3]–  مقابلة مع الأستاذ عمر محمود أحد مؤسسي معهد البخاري لتعليم اللغات، ومدير مكتب الجزيرة في مقديشو حاليا  28/6/2013م.

[4]– يشير إلى قوات الأمم المتحدة (يونيصوم) التي وصلت إلى الصومال عام 1993، وخرجب منها دون جدوى في مارس  1995..

[5]– الأستاذ قاسم أحمد سهل القاسمي:  أحد مؤسسي معهد البخاري في مقديشو، ومراسل الجزيرة نت في مقديشو حاليا، وهو صاحب  سلسلة  تعليم لغة الصحافة  التي اشتهرت في ميدان تعليم العربية في الصومال بالاشتراك مع زميلة  الأستاذ سولي.

[6]– الأستاذ عمر محمود (مقابلة 28/6/2013م)

[7]– يعمل في شبكة الجزيرة الأستاذ عمر محمود والأستاذ قاسم سهل وهما من من مؤسسي معهد البخاري،  ومن روادها أيضا الصحفي عبد الفتاح أشكر مراسل الجزيرة نت في شرق الصومال، والصحفي شافعي ، وعبد الرحمن بخاري مراسل قناة العربية في مقديشو،  وليس هذا فحسب بل لا نبالغ إذا قلنا أن أغلب الكتاب والصحافيين الصوماليين ذوي الثقافة العربية  تأثروا بهذه التجربة بشكل أو بآخر..

[8]– مقابلة مع الأستاذ عبد الفتاح نور أشكر مراسل الجزيرة في ولاية بونت لاند شرق الصومال وهو أحد  المتخرجين في هذه التجربة.

[9]– قاسم أحمد سهل القاسمي (مقابلة  11/2/2014)

[10]–  أيان محمد علي: ماجستير في تعليم العربية للناطقين بغيرها، باحثة في مرحلة الدكتوراة في علم النفس التربوي، وهي إحدى المتخرجات من معهد الإمام البخاري في بلدة حواء جنوب غربي الصومال (مقابلة  9 فبراير 2014 )

[11]– أحمد إسماعيل سليمان: مدير معهد الإمام مسلم في لاسعانود ، وهو من متخرجي معهد البخاري في لا سعانود (مقابلة 10/2/2014م)  

[12]–  أيان محمد علي: ماجستير في تعليم العربية للناطقين بغيرها، باحثة في مرحلة الدكتوراة في علم النفس التربوي، ( مقابلة )

[13]-رأينا ثمار  الجمع  بين تدريس السلسلات إلى جانب الحوار ولغة الصحافة والخط العربي،  أثناء عملنا في المعهد الإفريقي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها التابع لجامعة شرق إفريقيا في بوصاصو وجلرووي شرق الصومال، وتُطبق أيضا في معهد اللغة العربية التابع لجامعة نوجال في لاسعانود، ومعهد الإمام مسلم في المدينة نفسها.

التعليقات مغلقة