ما لا يدرك كله لا يترك كله / إعداد الشيخ أحمد عبد الرحمن

 

 

 مالا يدرك كلهحمدا لله على نعمائه وشكرا له على آلائه وامتنانه, وصلاة وسلاما كاملين دائمين على حبيبنا وقدوتنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فإن لتلك القاعدة المذكورة أعلاه قاعدة فقهية كبيرة ومهمة, ولها تطبيقات كثيرة في مسائل متنوعة في أبواب شتى, ويصلح تطبيقها في مجال الدعوة إلى الله تعالى وتبليغ دينه, وفي السطور الآتية نحاول أن نكشف عن شيء من ذلك, فنقول مستعينين بالله:

إذا تأملت أحوال المسلمين اليوم وسبرتَهم عن قرب وكثب, وأمعنت النظر في سياساتهم وسير أمورهم الداخلية والخارجية؛ من انقسام شديد في صفوفهم وتسلط للأعداء على بلدانهم وأوطانهم, وغزوهم عسكريا وفكريا في عقر دارهم, وحرصهم على إخراج المسلمين من دينهم وإسلامهم, ووقوفهم أمام كل محاولة تسعى لتطبيق الشريعة الربانية في بلدانهم؛ وإعراض شريحة كبيرة من المسلمين عن مبادئ دينهم الأساسية, ترى ما لا يعجبك ولا يسرك, ويبدوا لك ما يحزن فؤادك ويقلق صدرك, وما يندى له الجبين وتدمع العين لأجله, ثم تجد نفسك عاجزا عن التغيير المنشود والاصلاح المطلوب, وتجدك أمام سيل جارف وعارم يصعب مقاومته وصده, فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما دور الداعية الموفق والمصلح المخلص تجاه دينه وأمته في هذه الظروف الحالكة؟ فهل يستسلم لهذا الواقع المؤلم المرير ويلقي سلاحه ويظهر هزيمته؟ وهل يترك دعوته ويكون من السواد الأعظم ثم يجلس في بيته ويقبل على خاصة نفسه, حتى لا يجهد نفسه ويثقل كاهله ويشتت أمره!! لأن التحدي كبير, ولأنه لا يستطيع التغيير المرغوب ولا يجد القبول لدى الناس بل لا يصغون إليه بإسماعهم ولا يلتفتون إلى ما عنده ولا يعيرونه باهتمامهم!! فمن الحماقة أن تسمر في طريقك العقيم هذا الذي لا يرجى منه كبير نفع, ولا يعول عليه كثيرا فائدة!!

فالجواب على هذا السؤال نجيبه بسؤال آخر فنقول: من الذي قال لك إن ثواب الداعية إلى الله والمصلح في الخلق مبني على نتيجة دعوته وثمرة عمله وظهور أثر لإصلاحه؟  هذا خطأ محض, بل إن ثوابه وأجره مترتب على جهده ودعوته وعمله, فيجد الثواب الجزيل عند الله تعالى ولو لم يجد لدعوته قبولا واستجابة من المدعوين, إذا ما قصر هو, وأخلص لله في دعوته, ثم أيضا لا يلزم عليه أن يغير العالم كله رأسا على عقب وبين عشية وضحاها, وليعلم أن الباطل لا يزول كليا, بل الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل يدوم إلى قيام الساعة, وأهل الشر والكفر هم أكثر الناس عند قيام الساعة كما ثبت ذلك في الحديث, وإذا عجز عن تغيير العالم أو إصلاح جميع البلاد, فهل يعجز من إصلاح نفسه وأسرته وأقربائه, وأهل حيه, ثم أهل بلدته ومدينته, ثم الذين يلونهم..! فالواجب على الداعية أن يستمر في عمله ودعوته وأن يبذل جهده وأن يحرص على هداية الناس وعودتهم إلى دين الله وأن يثبت على الحق وإن قل من يستجيبه أو يسمع لكلامه أو يتبع لطريقته, ولا يضره إعراض المعرض عنه أبدا, فله سلف من الدعاة والأنبياء في ذلك, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (يأتي النبي –يعني في القيامة- ومعه الرجل والرجلان, ويأتي النبي وليس معه احد) فهل يظن أحد أن أولئك الأنبياء والرسل الكرام كانوا مقصرين في دعوة أقوامهم؟! كلا, بل بذلوا جهودهم وأدو رسالات ربهم على الوجه الأكمل, ولم يعجزوا عن تبليغها للناس رغم كل العقبات, حتى إن كثيرا منهم قتل في سبيل دعوته وأودى حياته في جنب الله, واقرء في القرآن الكريم قصة نبي الله نوح عليه السلام الذي استمر في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاما, ولم يقطعها ولم يملّ عنها, ولم يقصر في دعوتهم طوال هذا الوقت, بل كان يدعوهم ليلا ونهارا, سرا وجهارا, ولم يجد منهم إلا فرارا وبعدا عن الله, ومع ذلك صبر في أثناء هذه المدة الطويلة ولم يستسلم لهذا الواقع ولم تغيره العقبات ولم يركع للتحديات يوما,

 وانظر إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصبره على تبليغ هذا الدين, وعلى أذى الكفار والمنافقين, ويقول لقومه مظهر لهم إصراره على مبدئه وسبيل دعوته (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركت) ويطلبون منه التنازل عن بعض ما يدعوا إليه ليتنازلوا بدورهم عن بعض الأشياء ويلتقوا في وسط الطريق (مثل ما يسمونه اليوم توحيد الأديان أو تقريب الأديان) فتنزل عليه سورة البراءة من الكفر والشرك جوابا لهم (قل يائها الكافرون..) فتنقطع رجاء الأعداء, وهذا هو جوابهم في كل عصر ومصر, وهذا هو طريق الداعية الموفق, يصبر على الأذى ويجتهد في تبليغ الدين وتعليم الناس وإصلاح المجتمع, ولا يستبدل بذلك شيئاً, نعم؛ الداعية الى الله قد يغير كيفية دعوته وأسلوب خطابه إذا رأى أن غيرها أنفع منها وأرجى لحصول المقصود, لكن أن يترك الدعوة والاصلاح, فكلا ثم كلا, وإن جاءت أمامه العقبات ولقي من يؤذيه ويطعن من ظهره ويصفه بأوصاف تقشعر منها جلوده, لكن بشرط أن يكون في منهجه وفي طريقة دعوته واصلاحه مستقيما وموافقا على الكتاب والسنة وتطبيق السلف الصالح للنصوص, ومما يبعث الأمل في قلب الداعية إلى الله أن ثمرة دعوته ونتيجة عمله قد تظهر بعد أزمنة بعيدة, فقد تدركها في حياتها لتقر بها عينه, وقد تتخلف عنه ويظهر نفعها للناس بعد موته.

فاعمل أيها الداعية وابذل الوسع والطاقة, واترك النتيجة لله تعالى, بعد بذل كل الأسباب المتاحة واجتناب الموانع المعيقة, ولا تسقط في بداية الطريق, واعمل بحسب استطاعتك وقدراتك, وبحسب ما عندك من الفرص, فلا تجلس مكتوف الأيدي, فما لا يدرك كله لا يترك جله

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

عدد التعليقات 3

  • abu cikramaقال:

    sheekh aad ayaad u mahadsanatahya waa maqaal wax badan ii taray runtii

  • مصطفى شيخ محمودقال:

    شيخنا الفاضل لقد قمت ببذل جهد كبير في سبيل توعية الدعاة وتوجيهم وذلك في مواطن كثيرة وما ذها المقال الا جزء يسير من ذلك الجهد …

    شكرا لكم …