قتلة الشيخ عبد القادر نور فارح ونهايتهم المظلمة – الشيخ مختار أحمد فارح

gacamey

كانت جريمة اغتيال الداعية الكبير الشيخ عبد القادر نور فارح [1]رحمه الله رحمة واسعة فاجعة مدهشة وحادثة مؤلمة ملئت قلوب كل من شهدها أو سمعها  بالحيرة والقلق. فسرعان ما ذاع الخبر هرع أكثر سكان العاصمة إلى موقع الجريمة ولم تصدِّق أعينهم بما رأت ولم تعد قلوبهم تستوعب حجم الفاجعة. فما أن قرر الأطباء بوفاة الشيخ امتلأ الجو بالحزن والأسى وساده البكاء والعويل.

لحظات ما قبل الموت

في 15 فبراير 2013 م وبعد صلاة الجمعة شارك الشيخ عبد القادر نور فارح تغمده الله برحمتة وأسكنه فسيح جناته في لقاء دعوي مقتضب بضيافة أحد دعاة مدينة جرووي – عاصمة ولاية بونتلاند، الصومال-  ضمَّ مجموعة من الدعاة والعلماء في المنطقة.  في هذا اللقاء استفاد الشيخ اللحظات الأخيرة من عمره بتوجيه نصائح دعوية غالية، ووصايا ذهبية سجلتها التاريخ وكتبتها بأقلام ذهبية. قال بعص زملاء الشيخ ممن شاركوا معه اللقاء: ما رأئينا مثلها وكانت كلمات نصحه مشتملة جوانب متعددة، و تناولت قضايا دعوية مصيرية.

 [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون] آل عمران:104.

بعد نهاية اللقاء توجه الشيخ إلى بيته ليستعد إلى صلاة العصر وقد قرب وقتها، فلم يزل الشيخ ينفث ويلقي آخر وصاياه ونصائحه الدعوية الدينية حتى في أثناء الطريق كأن دقائق الأجل ما زالت تعاقبه وتلاحقه. وصل الشيخ إلى بيته عند آذان العصر، ولكنه لم يجلس صالة الاستراحة كما يفعل المتعب عند وصوله إلى بيته، بل فتح المصحف وبدأ يقرء ويرتل…  الله أكبر…  وكأنه يتأهب إلى منزله القريب، وبيته الحقيقي الذي لاارتحال منه إلى قيام الساعة ويريد أن يودع كتاب الله بتلاوة وتدبر…  لم يلق باله إلى الأهل والأصحاب ولكنه يضاعف التأهب إلى الرحيل.

[الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض…..] آل عمران:191.

ساعة الصفر ولحظة وقوع الجريمة

خرج الشيخ مسرعا إلى الصلاة ومعه ابنه البارّ الذكي: إبراهيم، ووصل المسجد والجماعة في الركعة الثانية، فالتحق بالصف الأول من جهة اليسرى- الغرب – وصلى ما قدر الله له أن يصلي حتى أتاه اليقين:

[ وأعبد ربّك حتى يأتيك اليقين] الحجر:99.

مازال العدوّ متربصا يترقب الفرصة لا يبالي ولا يتحاشى الأماكن المحترمة في الأوقات المشهودة والأشخاص المحترمة. ففي الركعة الثالثة من صلاة العصر وقد نهض الشيخ من الركوع قائلا: سمع الله لمن حمده، دخل المسجد فتى مسرع تظهر عليه علامات الشقاء والبؤس وفي عنفوان الشباب بيده المسدسة القاتلة التي طالما أهرقت دماء بيرئة، و قطعت جماجم كثيرة.  استهدف الشقي الشيخ من ورائه و مدَّ يده الظالمة بالمسدسة إلى قفاه وهو واقف أمام الملك الديان، وأطلق عليه الرصاص حتى خرجت من جبهته الشريفة المقبلة إلى ربّها. وبعد ارتكابه لهذه الجريمة النكراء والاغتيال الغاشم ولّى الشقي البائس مسرعا يحاول اللواذ بالفرار والهرب من إلقاء القبض عليه علّه ينجو بنفسه الشريرة كما تعوَّد سابقا عند تنفيذ مثل هذه الجرائم البشعة المخالفة لكل الشرائع والأعراف. بصوت الرصاصة ارتجَّ المسجد واهتزَّ بارتداد أمواج الرعب والخوف وأصابت المصلين الدهشة والحيرة لا يدرون ماذا حدث ولكن من عبادالله من لا تأخذه في الله لومة لائم.

[ومن أطلم ممن منع مساجدالله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم] البقرة:114.

المجرم يقع تحت القبضة

qatalah1بعد إطلاق الرصاصة وقبل وقوع الشيخ على الأرض والدم يتدفق من قفاه وثب أربعة فتية من أشبال الحي والشباب البواسل علي الفور ليلاحقوا المجرم وليلقوا القبض عليه، على رأسهم الابن الذكي-إبراهيم. لا عجب أن طوّعت هؤلاء الفتية أنفسهم للقيام بهذه المهمَّة الصعبة من مطاردة وملاحقة لذلك المجرم المسلح الذي لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة. ولا عجب أن ترى تلك الفتية العزل وهم يطاردون ذلك المجرم المسلح كأنهم أسهام رميت إلى وجوه العدوّ. أدركت نفس المجرم أنه أحيط بها، وحاول أن يتخلص منهم بكل حيلة ولات حين مناص، فرمى عليهم قنبلة يدوية كانت في حوزته ألقت بعضهم أرضا ولكن الله نجاهم منها. لم تتراجع أنفس الشجعان عن قرارهم الحاسم ولم يصبهم الذعر والخور من ملاحقته وإلقاء القبض عليه مهما كانت الظروف والأحوال وسرعان ما أصابت السهام هدفها الذي كانت تعاقبه وتنشده. فبعد سماع دويّ التفجير ومناشدة الفتية الشجعان إلى السكان هرع جمع غفير من قاطني الحي إلي مطاردة المجرم القاتل. أصيب المجرم بالفزع وخيبة الأمل فلجأ مرة أخري إلي إطلاق الرصاص علي الجمهور المطارين له عسي أن ينجو هذه المرة بنفسه أو يخيفهم من ملاحقتهم له إلي أن نفد منه الرصاص وقد أصاب ثلاثة من طليعة الشجعان بجروح بعضها خطرة إلا أنه ما زالت الأعداد تكثر وتزاد في كل لحظة وثانية.

[ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا] الأحزاب:23.

و أخيراً وبفضل من الله تعالى كبير، تمَّ القبض على المجرم وهو ما يزال يعدو ويدافع عن نفسه، ثمّ قادته أجهزة الأمن وبعض أفراد الشرطة إلي السجن حيث بقي إلي أن تمت محاكمته ولقي جزاءه في الدنيا و ما ينتظره في الآخرة أشد وأدهى.

[ومن يقتل مؤمنا متعمّدا فجزاءه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما] النساء:93.

هذا وقد شارك في تنفيذ هذه الجريمة النكراء شاب آخر اسمه:عبد الله عثمان أحمد(عينتي) هرب من موقع الحادث فور ما علم بمصير مرتكب الجريمة ووقوعه في قبضة الشباب البواسل. هذا الأخير كان دوره الإشراف علي العملية الإجرامية والمراقبة العامة والتأكد من تنفيذها وكان هو المندوب والممثل الرسمي في مدينة جرووي للفئة الضالة من حركة شباب المجاهدين التي قامت وتبنت باغتيال أعيان الأمة وعلماءها وتفجير دور العبادة ومراكز التعليم-  عليها من الله ما تستحق. فرَّ هذا الشاب من المدينة ليلة السبت وبعد وقوع الحادثة بساعات قليلة مشيا علي الأقدام خائفا من مملاقاة نفس مصير زميله المجرم إلي الجهة الشمالية من المدينة غير أنه بفضل الله وعونه سقط بيد شرطة مدينة لاسعانود-  وهي مدينة تبعد من مدينة جرووي حوالي 130 كم من جهة الشمال الغربي. وبعد استجواب سريع تمَّ نقله إلى شرطة مدينة هرجيسا – عاصمة صومال لاند. ومن جهتها وبعد اتصالات دبلوماسية مكثفة أعادت المجرم إلى الجهات المعنية من حكومة بونتلاند الصومالية.

[ولا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا] فاطر:43.

جثمان الشيخ يوارى عليه الثرى

عند الوقوف علي جثمان الشيخ محمولا علي الآلة الحدباء وبدأ الناس يحثون التراب ليتركوه في مثواه الأخير، لم تتمالك أن هطلت عبرات ساخنة من أعين الأصدقاء والزملاء والتلامذة فضلا عن الأهالي والأولاد، وأخذت الكل ينتابه الحزن والأسى ويتعجب من الذي تجرأت نفسه الظالمة علي اغتيال الشيخ الكبير الداعية المشهور القائم أمام ربّه في بيب من بيوته، في الصف الأول، في صلاة العصر، في أفضل يوم – يوم الجمعة – من أيام الأسبوع وسيِّدها؟! ازداد العجب بعد ثبوت الجهة المسؤولة عن الجريمة وأنها من حركة شباب المجاهدين. لم يأخذ العجب أنفس العارفين بأفعال تلك الحركة الجهنمية أن صدرت من جهتها مثل تلك الفعلة النكراء لأنهم كثيرا ما فعلوا جرائم لم تتصورها العقول السليمة ولم تقبلها الطبائع البشرية المستقيمة … لا غرو وقد بارك كثير من قادتهم وزعمائهم في اغتيال الشيخ وأبدى الشماتة والفرح بقتله.

توجه إلي موقع الجنازة كل من كانت له صلة بالشيخ من الأصدقاء وطلبة العلم ووجهاء الأمة وعامتهم من جميع الأمصار و أقاليم الصومال بأكملها وبمستويات متعددة من التمثيل. شارك في جنازته وفود جاءت من كل من الحكومة الفدرالية، وحكومة صوماللاند، بالإضافة إلي ممثلين من جميع محافظات بونتلاند، من مسؤوليين حكمويين وعلماء وجميع شرائح المجتمع الصومالي. هذا واجتمع في تشييع جنازته والصلاة عليه جموع غفيرة من آلاف المسلمين حتي دفن في مقابر مدينة جرووي مساء السبت الموافق لـ16 من شهر فبراير عام 2013 م، تغمده الله برحمته و أسكنه فسيح جناته.

[وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرسول عليكم شهيدا] البقرة:143.

مثول القتلة أمام العدالة

 qatalah3استغرقت اجراءات التحقيق وملاحقة المجموعة المدبِّرة لاغتيال الشيخ حوالي ثلاثة شهور، ثمّ رفعت قضيتهم إلي المحكمة العسكرية الابتدائية، حيث أكّدت النيابة العامة بأن الحقائق والمعلومات لديها تثبت دون أدنى شك بأن حركة شباب المجاهدين وجناحها الأمني هي المسؤولة بشكل مباشر عن اغتيال الشيخ وارتكاب الجريمة. وبعد مداولات ونقاش حاد دام بعض الوقت أصدرت المحكمة حكمها:  بإعدام جميع أعضاء المجموعة المشاركة في الجريمة بأدوار مختلفة المكونة من ستة أشخاص . وجدير بالذكر أن اثنين منهم مثلا أمام المحكمة وتمّ الحكم علي البقية غيابيا إذ لم تتمكن الجهات المعنينة من إلقاء القبض عليهم وما زالت تلاحقهم ولا يضيع حق وراءه طالب. في الجولة الثانية وبعد الفترة القانونية حسب النظام المتبع أكَّدت محكمة الاستئناف من جهتها نفس حكم الإعدام.

[ قإمّا تثقفنّهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم لعلّهم يذّكّرون]. الأنفال:57.

القتلة في طريهم إلي منصة الإعدام

qatalah2 دار الزمن كهيئته يوم أن خلق الله السموات والأرض، والأيام تتداول بين الناس، فمن سوَّلت له نفسه بالمتاجرة في الجرائم وارتكاب الأطنان من الآثام والذنوب تكون عاقبته الخسران والندم. في طريقهم إلي الموت بدأت أعين القتلة تسيل و تذرف خوفا من ملاقاة مصيرهم لا خوفا من الله، وتضائلت عندهم فرص الحياة كما ضاقت بهم الأرض بما رحبت وصارت الأبواب عليهم مسدودة من كل المنافذ.  وفجأة توجهت الجهات المخولة لتنفيذ الحكم بالقتلة إلي منصة الإعدام للقاء حتفتهم وملاقاة مصيرهم جزاء بما كسبت أيديهم، وذلك بعد الشروق في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق لـ 23 يوليو 2013 م.

من الغرابة بمكان أنه عندما شرعت جهة التنفيذ في ربط الأحزمة وشد الوثاق علي القتلة ذهبت ألسنتهم تلهج وتهذر بدل التوجه إلي الله بالتوبة والإنابة بكلمات نابية بشعة بأنهم قتلوا المجرم الأكبر وهو يحاكي أفعال الصلاة – يعنون الداعية الشيخ عبد القادر مصليا، وأنهم قتلوا قبله كثيرا من المرتدين علي حد زعمهم-  يقصدون أعيان الأمة ووجهاءها ومثقفيها، وهاهم في طريقهم إلي الجنة حسب اعتقادهم الفاسد وكيف لهم الجنة يا ترى وقد ارتكبوا أبشع الجرائم وأقبحها وما زالوا مصرِّين عليها حتي لفظوا آخر أنفاسهم!

هذه كانت نهاية المجرمين لتكون عبرة وعظة لكل من تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء والعلماء ووجهاء الأمة وأعيانهم فلله الحمد والمنة.

[ ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون] البقرة:179.

وفي الختام لا ننسى الفضل لكل من ساهم في إتمام هذه القضية بأبهى صورتها ولا سيما جميع الجهات المعنية من حكومتي بونتلاند، وصوماللاند وكافة شرائح المجتمع كما نشكر بصفة خاصة الشباب الباسل الذين لم تأخذهم في الله لومة لائم في ملاحقة وإلقاء القبض علي المجرم القاتل في اللحظات الأولى من وقوع الجريمة ومنهم الابن البار إبراهيم ابن الشيخ عبد القادر نور فارح رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.

أسماء مجموعة الجريمة المحكوم عليهم بالإعدام:

-عبد الرحمن حسين جامع (مرتكب حريمة القتل)

-عبدالله عثمان أحمد-عينتي-(الممثل  الرسمي للحركة )

-محمد عبد الله-إلكعسي-(عضو)

-شقللي حسن هيبي-(عضو)

– ابن محمد-(عضو)

– شينو-(عضو)

كتبه: الشيخ مختار أحمد فارح – رئيس معهد خديجة الدعوي وعضو بمحكمة الاستئناف المدنية بمدينة جرووي, بونتلاد, الصومال


[1]  كان الشيخ عبد القادر نور قارح، أحد علماء الصومال ومن أشهرهم، ومن مؤسسي الصحوة الإسلامية في الصومال في السبعينات من القرن الماضي، ومن كبار جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة.  قتلته حركة الشباب المجاهدين في مسجد بدر، أحد مساجد مدينة جرووي عاصمة ولاية بونت لاند في الصومال، وهو في صلاة العصر من يوم الجمعة من 15ـ فبراير 2013 م وهو في الثاية وسبعين من عمره.

عدد التعليقات 3

  • جزاك الله خير الجزاءيا شيخ مختار على هذا المقال التاريخي الشامل (وان يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم)
    والشقي جزاؤه الشقى،
    ورحم الله شيخنا الفاضل شيخ عبدالقادر وآنس عمله الصالح في قبره.
    عبدالشافي أحمد علي مدير فرع بوهودلي من جامعة شرق افريقيا

  • عبد النور محمدقال:

    جزاك الله ، يا شيخنا ، قد كتبت وأطلت وأحسنت وأجدت ، كنا شهود عيان في هذه الأزمة ، وكانت جريمة نكراء …،
    ورحم الله شيخنا رحمة واسعة

  • أولا أحمدالله ثانيا أحمد الشيخ على سعيه المشكور ورحم الله شيخنا وقائدنا الشيخ عبدالقادر رحمة واسعة ونقول للخوارج لن تتعثر مسيرة الدعوة بالسثشهاد قاداتنا ولن يثقلنا الجراح عن أداء الدعوة