قدح العلماء وإسقاطهم مصلحة من ؟ بقلم الشيخ عبد الغني حسين محمد البدر

البدربسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبيّه المصطفى ورسوله المجتبي، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك.

أما بعد: إخواني في الله، إن العلم الشرعي إذا استقرّ في قلب عاقل نفع، ودلّ صاحبه على الهداية ونجّاه من الغواية، وإذا لم يألف قلباً ذكياً لم يستقر، فإن خلا القلب من العلم، وكان صاحبه عاقلاً فظناً ذكياً استدل بعقله الى ما ينفعه في الدنيا، وقد يجرّه عقله الى الاعتراف بالخالق من خلال آياته الكونية، كما حدث لجبير ابن مطعون – رضى الله عنه- عند سماعه قوله تعالى:{أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون —–} الى آخر الأيات من سورة الطور – والقصة في صحيح البخاري- قال كاد قلبي ان يطير، وأسلم من حينه، وكما روي في قصة الأعرابي حين سئل: بم عرفت ربك؟ فقال: “الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير”؟.

فإن كان صاحبه مغفلاً بالخلقة او بالمسببات المكتسبة من المعاصي والذنوب التي تصد الهداية والتوفيق عن العبد  كالإعراض عن الله، والنيل من أهل العلم والصالحين لم ينتفع بعقله، واصبح عثرة على سبيل الدعوة، وأكثر من عارض دعوة الأنبياء والمصلحين من هذا الجنس، حيث يجمعون بين الجهل بالعلم الشرعي وبين الغفلة عن الواقع ومألات الأمور والعواقب، وهذا ما تدل عليه نصوص القرآن التي تصفهم بالسفه والغفلة أحياناً ، وبالجهل وعدم التعقل أحيانا أخرى. 

 تلاحظ ذلك جلياً في القرآن الكريم، حيث يخاطب دائما أصحاب العقول السليمة، ويمدحهم، قال تعالي:{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } العنكبوت 41، فجمع لهم بين العلم – إذ وصفهم بالعلماء – والعقل الذي يتعقّلون به معاني مدولات الأمثال ، وقال: {أفمن يعلم إنما أنزل اليك من ربك الحق كمن هو أعمى، إنما يتذكر أولو الألباب} الرعد 19، فجمع لهم كذلك بين المعلومة وبين الفهم والفطنة ونفى مساواتهم بأهل العمى، ومثل هذا كثير في القرآن الكريم، وبالمقابل يذم  أهل الغفلة والسفه والجهل: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}، البقرة 130، ووسم القرآن هولاء بعدم التعقل والجهل أكثر من ان يحصى.

ومن هؤلاء الذين لم ينفعهم علم ولا عقل بسبب الذنوب، المتطاولون المستحلّون لدماء العلماء والمنتهكون لأعراضهم بالثلم والطعن، حين جمعوا – مع فعلهم المشين – بين الجهل بالعلم الشرعي الصحيح وبين الجهل عن نتائج تصرفاتهم وعواقب أفعالهم، فبجهلهم عن مقاصد الشرع وقصور علمهم لم يدركوا منزلة أهل العلم عند الله، وأنهم ورثة الأنبياء وهداة الأنام على مر العصور، وأن الله حفظ الدين بهم ومتى خلو من الأرض ضل الخلق واستحق عليهم أمر الله فأهلكوا عن بكرة أبيهم.

وأما جهلهم عن الواقع ونتائج أفعالهم فإنهم يخدمون أعداء الاسلام وينفذون خططهم من حيث لا يشعرون  – او يشعرون – وذلك من خلال طعن العلماء واتهامهم بالجهل وباتباع الهوى، حيث ينتج عن فعلهم هذا اسقاط كلمة العلماء ومكانتهم بين الناس، ومن ثم يطرح ويترك كل ما يحملونه من العلم والدين، فإن لم تسفك دماءهم، يتركون ويموّتون وهم أحياء بين الناس، ويتخذ الناس رؤوساً جهّالاً فضلوأ وأضلوا، ومن ثمّ يسهل لأعداء الله ابعاد الناس عن الدين وعن العلماء حملة الرسالة وورثة الأنبياء، وتتحقق لهم أمنياتهم في التحكم على المجتمعات المسلمة وصدّهم عن سبيل الله ، فيحصل بذلك الفساد في الارض.

فجنو على الأمة وجنو على أنفسهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويدافعون عن السنة او يجاهدون لأجل الملة، وقد هدموها من أساسها.

أقول لكل محب للخير، متبع للسنة حريص على سلامة الأمة واستقامة الملة: عليك بالتزام العلماء والدبّ عنهم، الزم غرزهم، وانهل من معينهم، يقول ابن مسعود رضى الله عنه-  كما في السنن البيهقي- : “عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله ، وعليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو يفتقر إلى ما عنده، وإياكم والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق، فإنه سيجيء أقوام يتلون كتاب الله ينبذونه وراء ظهورهم “.

إّياكم والولوغ في أعراض العلماء بالقدح او الكلمة النابية، فإنها والله مزلق خطير ومرتع وخيم ، وقد عد العلماء اسباب الالحاد “القدح بالعلماء”، وكلام الحافظ ابن عساكر رحمه الله مشهور عند أهل العلم “واعلم يا أخي – وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإيّاك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب؛ بلاه الله قبل موته بموت القلب””فليحذر الذي يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم”.

وأخيراً ، هذه خاطرة انبثقت من ذاكرتي، بعد مناقشة دارت بيني وبين أحد المفتونين بالنيل من العلماء والطعن فيهم – البارحة – قائلاً: انّ العلماء خذلوا المجاهدين وقعدوا عن الجهاد، وهم جهلة عن الواقع وما يحاك ضد الاسلام والمسلمين- بزعمه وفهمه -، فرأيته سيفاً مسلتاً على الاسلام من قواعده حيث يهدم أهمّ ركن يقوم عليه الاسلام، وهم علماء الأمة، حملة الرسالة وحماة الملة، وهناك من يشارك هذا في تنقيص العلماء وتجريحهم وتبديعهم، لكنه في النقيض في بعض المسائل وبينه وبين هذا قواسم مشتركة، هذا بعض ما ظهر لي مما أدى بهؤلاء وقوع في مثل هذا الانحراف والزيغ، فأحببت ان اشرك هذا الشعور مع إخواني، عسى ان توقظ هذه الكلمات ضميراً مشرباً بهذه الآفة او تضيف فائدة لأحد من الإخوة او ينفع الله به احداً من عباده.

نسأل الله بفضله ولطفه وإحسانه ان يثبتنا على الحق حتى نلقاه غير مفتونين ولا مبدلين.

وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تعليق واحد

  • ابراهىم حرز جلوقال:

    ماشاالله هو مقال وقع فى مكانه فى صدد هاءلاء الذين ضلوا واضلوا واستحلوا دماءالمسلمىن والعلماء وأفسدوا الخلق والعمران وسعوا الي إدارة التوحش : ىقول الله فى سورة إبراهيم من الاية 28 الى الاية 30 (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) . نسئل الله العظىم ان ىهدىنا واىاهم الى صراطه المستقىم