رمضان وفرص التغيير بقلم/ الشيخ حسن محمد إبراهيم (أبو حسان)

 يمر بنا رمضان كل عام يحمل في طياته كثيرا من الفرص التي ينبغي للمسلم أن يغتنمها ويبذل في سبيل الظفر بها كل غال ورخيص, ومن تلك الفرص الكثيرة فرصة التغيير من أحوال النفس وتهذيبها من العادات السيئة وتنمية جوانب الصلاح فيها.

وذلك لأن الله هيأ للمسلم في هذا الشهر ما يعينه على امتلاك ناصية نفسه وتطويعها لمرضاة ربه، ففي هذا الشهر تصفد مردة الشياطين التي طالما كانت عقبة كأداء أمام إصلاح النفس وتغيير عاداتها نحو الأفضل، وخلو رمضان من وساوس الشيطان وإغراءاته عون للمسلم على نفسه، يتعاهدها ويسير بها في مدارج السالكين ليلحق بركب الصالحين الذين عصوا من قبله همزات الشياطين ونزغاتها.

 وفي رمضان يًكبح جماح النفس وتُقمع شهواتها وتكسر، بمنعها من الطعام والشراب وسائر الملذات فلا تعود كما كانت قبل رمضان أمّارة بالسوء تنساق وراء الشهوات والأهواء، وتقضي يومها ممسكة عما اعتادته من الأطعمة والأشربة المباحة فضلا عن إمساكها عن كل المحرمات ، ما يجعلها تنقاد لصاحبها بسلاسة يوجهها بإذن الله إلى ما فيه خيرها في الدارين، فالضرب في الحديد يفلح حينما يكون ساخنا ويمكن تقويمه بكل سهولة أو تشكيله على النحو الذي تريده.

 وفي رمضان تصبح البيئة المحيطة ملائمة فالأصدقاء والأقرباء وسائر أهل البلد يتسابقون إلى فعل الخيرات وتعج المساجد بالمصلين – وطالما اشتكت قبل رمضان من قلة المرتادين- وليس ذلك خاصا بالصلوات المكتوبة بل يتزاحم الناس على صلاة التراويح ، بل إن المتخلف عنها يشعر بالوحدة والاغتراب، وهذا لا شك عامل إيجابي يحمل النفس على المسارعة إلى الخير والتنافس فيه مع المتنافسين، فالبيئة لما كانت قبل رمضان غير ملائمة كانت مثبطة تبعث على الكسل والوهن ، وأجواء رمضان اليوم تحدو المسلم إلى التزود من الأعمال الصالحة وتقويم اعوجاجات نفسه وتلافي ما كان بها من قصور أسوة بإخوانه المسلمين الذين يعمرون المساجد ويتسابقون إلى الطاعات.

 وفي رمضان تتنوع العبادات لأنه موسم الطاعات، فهناك الصيام الذي هو فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل غير معذور، وهو وإن كان مشهورا بهذا الشهر إلا أنه مشروع في سائر أيام السنة ولكن ليس على سبيل الوجوب ، فصيام رمضان كاملا يهيئ النفس للمواظبة على هذه العبادة وصوم الايام التي ندب الشارع إلى صومها، كالست من شوال ـ ويومي الأثنين والخميس، والأيام البيص، وبو عرقة وعاشوراء ويوما قبله أو بعده.

وهناك قيام الليل الذي يجتمع له الناس في المساجد وفي ذلك إعانة للنفس على التعود على هذه الصلاة التي هي دأب الصالحين من قبلنا ، وإذا واظب علبها المرء خلال هذا الشهر لم يعسر عليه أن يتخذها عادة تلازمه في سائر حياته .

 وهناك قراءة القرآن التي يتسابق إليها الناس في هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن فتراهم مكبين على المصحف ومنهم مقل ومستكثر، وفي ذلك شحذ لهمة الكسول الذي هجر قرآءة القرآن في غير رمضان ، فإذا ختم القرآن مرة أو مرتين أو اكثر انشرحت نفسه وآنست بالقرآن ولا يصعب عليه أن يواصل صحبته للمصحف خلال شهور السنة الأخرى.

 وهناك الصدقة التي يهرع المسلمون إليها في شهر رمضان أسوة بنيهم صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود ما يكون في رمضان مع أنه كان أسرع بالخير من الريح المرسلة، فمن عود نفسه على الانفاق في سبيل الله في هذا الشهر وكان له نصيب في إفطار الصائمين أو الإنفاق في وجوه الهير الأخرى حنت نفسه إلى مواصلة هذه العادة الحسنة في سائر أيامه.

 هذا في جانب تحسين السلوك التعبدي للمسلم ،فرمضان فرضة وأي فرصة لهذا التغيير الإيجابي في حياة المسلم ومن ضيع تلك الفرصة فهو لما سواها أضيع ، ونعوذ بالله من الخذلان ونسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

 ورمضان أيضا فرصة لمن بلي ببعض المعاصي كالتدخين ومضغ القات فهو في اليوم صائم وتصبر نفسه عن تعاطي هذه الآفات ولا يعسر عليه أن يواصل ليله بنهاره ويصبر عنها خلال الليل ويصنع ذلك الشهر كله، وإذا تأتى له ذلك عافت نفسه العودة إليها مرة أخرى، وفي ذلك علاج غير مكلف لمن كان يشكو من أضرار الإدمان، وحري به ان يغتنم فرصة رمضان للإقلاع عن جميع العادات السيئة وأن يعقد العزم على ذلك، ويقال إن عزائم الرجال تهز الجبال فكيف يعجز المسلم عن التخلى عن عادة سيئة تأذى منها كثيرا وحدث نفسه كثيرا بتركها والتخلص منها.

والله نسأل أن يعفو عنا وأن يلهمنا رشدنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كتبه / حسن محمد إبراهيم (أبو حسان)

التعليقات مغلقة