منهج الدعوة وسبيل التغيير(3/1) – الدكتور الشيخ بشير أحمد صلاد

Sh. Bashirملاحظة : أصل هذا المقال محاضرة ألقيت في الندوة العلمية العاشرة في مدينة بوصاصو-الصومال .

الحمد لله رب العالمين ، الذي ارسل الرسل مبشرين ومنذرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الهداة المهديين، الذين بعثوا ميسرين ولم يبعثوا معسرين. وبعد؛
فقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن منهج الدعوة والتغيير لدى التيارات الدعوية بمختلف اتجاهاتها، ووُجّه إلى الدعوة السلفية اتهام يقضى بأنها لا تمتلك منهجا واضحا وسبيلا بينا ، وأنها لا تسعى إلى التغيير أصلا، بل لا ترى باسأ في الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة الإسلامية ويتجرع مرارته الملايين من المسلمين.

ومع أن هذا الاتهام لا يستحق الاهتمام؛ لأنه ساقط بشهادة التاريخ الذي سجل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله- بصفتها أول دعوة في العصر الحديث، قامت استنكارا للواقع المؤلم ، وسعت إلى تغييره بطريقة شرعية وبتجربة نادرة ، التقى فيها- بتوفيق الله ومعونته- كتاب يهدي وسيف ينصر، بعد طول فراق وشقاق. تلك الدعوة التي ألهمت كثيرا من الدعاة والمصلحين ، وأثمرت على أرض الواقع ما لم تثمره أي دعوة أخرى ، ولا تزال تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها . والأمر الملاحظ و المؤسف معا ، أن ترى بعض الدعاة معرضين عن مدارسة تلك التجربة واستيعاب ايحاءاتها ودلالاتها .
مع هذا، فإن الدعوة السلفية ملزمة بتقديم منهجها في الدعوة والتغيير بصورة مفصلة ، كما قدمت منهجها العقدي، لأن ذلك على الأقل من حق منهج السلف الصالح علينا، ذلك المنهج الذي يتسم بالشمول ، ولا تنفصم فيه العلاقة بين العقيدة و بين منهج تحقيقها؛ ولأن ذلك مما تستدعيه الظروف الدعوية، حيث انتمى إلى الدعوة السلفية من ليس من أهلها، مغترا بدراسة أبواب من التوحيد ، ناسيا أن الخوارج الذين هم كلاب أهل النار، لم تكن مشكلتهم في شرك القبور ولا سكنى القصور، وإنما في انحرافهم عن منهج الصحابة في فهم النصوص والحكم على الناس .
وإذا كان بعض الدعاة و المؤسسون لكثير من التيارات قد اجتهدوا في إطار ظروفهم وقدراتهم العلمية، وقدموا للصحوة ما كان بحوزتهم ، فإن علماء الدعوة السلفية ملزمون بالتدقيق في هذا التراث الهائل والتمييز بين صحيحه وسقيمه، وغثه وسمينه، في ضوء التأصيل الشرعي و(التصفية) العلمية، لأنهم قريبون من النصوص الشرعية والآثار السلفية، وأولى الناس بالإفادة منها في توجيه سفينة (الصحوة) نحو بر الأمان ، في خضم أمواج متلاطمة من الرؤى والأفكار والمناهج.

والأمر المفترض في أبناء الصحوة ، وبعد هذا العمر المديد من التجارب والمعاناة ، أن تهيأت النفوس واتسعت الصدور لتقبّل النصائح والاستفادة من الآخرين والانعتاق من منهجين مدمرين : منهج يقدس تراث ونظريات المؤسسين والدعاة الأوائل ويرفض التعديل والإضافة ظنا أن ذلك لا يعني إلا الطعن والاتهام، ومنهج يسقط كل من ثبتت في حقه هفوة علمية أو عملية ، دون اعتبار لعذر أو مراعاة لظروف .
ونتناول في هذا المقال العناصر التالية : –
1- مكانة الدعوة-2- معنى كلمة المنهج- 3-مصطلحات الدعوة والتغيير والإصلاح – 4-الحاجة إلى المنهج -5- لماذا يكون هذا المنهج إسلاميا-6- لماذا يكون سلفيا-7- معالم من منهج الأنبياء في الدعوة-8- المنطلقات الثمانية لمنهج الدعوة-9-الخلفية الفكرية للانحراف عن المنهج الصحيح-10- مسارات العمل في هذا المنهج.

مكانة الدعوة :
توطئة: ينبغي الاهتمام بهذا الموضوع وإبرازه حتى تنطلق الأمة ويتم تجييشها في هذا المجال ، حيث يلاحظ قلة المهتمين بالدعوة وندرة المضحين في هذا السبيل ، إضافة إلى أن كثيرا ممن يمارسونها لا يصطحبون معهم العناية اللائقة بها،فلا يبذلون الجهد في تحسين عرضها، ولا يبحثون عن فرص نجاحها، ولا يحذرون من التحديات التي أمامها، وكأن القضية لا تعنيهم كثيرا،والأمر كله : قل كلمتك وامش .

لذا جاءت الفقرات التالية للحديث عن هذا الموضوع والتذكير به :-

ينظر إلى مكانة شيء ما أو عمل ما بالنظر إلى عدة إعتبارات: مثلا ينظر إلى الجهة التي يخصها هذا العمل، وينظر إلى مكانة ونوعية من يكلف بأن يقوم بهذا العمل ،وينظر إلى الغاية التي يحققها،أو على الأقل ينظر إلى المردود المادي الذي يعود إلى صاحبه ، وينظر إلى ما يترتب على فقدانه، فلو نظرنا إلى الدعوة من خلال هذه الإعتبارات لوجدنا أنها في أعلى درجة بكل المقاييس؛ فبالنسبة للجهة التي يخصها هذا العمل، فمعلوم أن الدعوة عمل كله لله، بداية ونهاية، وتدور حول تحقيق مراد الله في عباده،وتوجيه قلوبهم وأقوالهم وأفعالهم إليه،حتى تكون حياتهم على مقتضى أحكامه ،ولعل ابلغ تعبير عن هذا الإعتبار هو قوله تعالى لموسى-عليه الصلاة والسلام- : واصطنعتك لنفسي( طه :41) .

وإذا نظرنا إلى مكانة ونوعية من من الناس كلفوا بهذا العمل، نجد أن أشرف الخلق وأعلاهم مكانة، هم من كلفوا بالقيام بهذا العمل، وهم الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله من خلقه، وكلأهم بعينه، وهيأهم لخدمته، وصدق الله إذ يقول لموسى- عليه الصلاة والسلام-: ولتصنع على عيني( طه :39) . ولا شك أن انقطاع الرسل لهذا العمل وتكريس كل حياتهم له، هو مصدر الخصائص والفضائل التي خصوا بها من بين الخلق اجمعين .

وإذا نظرنا إلى اعتبار الغاية، نجد أن الدعوة هي العمل الوحيد الذي يستهدف تحقيق الغاية العظيمة التي خلق الخلق لأجلها، وهي : عبادة الله عز وجل، بينما الأعمال الأخرى تؤدى أدوارا دون ذلك ، وتكون منزلتها بحسب قربها وبعدها من خدمة تحقيق تلك الغاية، وخذ مثالا على ذلك قصة نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام مع جنوده، فكان عمله الدعوة إلى الله، وهذا عمل شريف في ذاته، بينما شرف جنوده بمختلف أجناسهم وتخصصاتهم مرتبط بمدى قربهم وبعدهم من هذا العمل. وكفى الداعي إلى الله شرفا أن يكون عمله في منزلة عمل سليمان عليه السلام، بينما كل من يعمل في التخصصات الدنيوية من الأطباء والمهندسين وغيرهم في منزلة البنائين والغواصين من جند سليمان عليه الصلاة والسلام .هذا حال من يعمل في الأمور النافعة ، فكيف من يضيع عمره في الأمور التافهة من اللهو واللعب ، ناهيك عن الأمور المحرمة شرعا ، والعياذ بالله تعالى .

وإذا نظرنا إلى المردود المادي، فإنه جنة عرضها السماوات والأرض، و في الحديث الصحيح : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها (رواه البخاري) ، إضافة إلى المنافع الدنيوية التي تتعلق بحياة الفرد والأسرة والمجتمع والبشرية جمعاء. وهذه الآثار والمنافع بادية للعيان في المجتمع الصومالي ، وها هي المجتمعات الإسلامية الأخرى تضع ثقتها في الدعوة وأهلها ، ولو من باب الحفاظ على الأموال العامة وتوفير فرص عمل للعاطلين .
وإذا نظرنا إلى ما يترتب على الفقدان،نجد أن كل أنواع الخسارة تترتب على ذلك ؛ من خسارة الإنسان لإنسانيته وقيمته وتميزه عن الحيوان، لذا قال بعض العلماء : لولا الأنبياء لكان الناس كالبهائم، ومنها الشقاء في الدنيا بسبب الظلم والعدوان بين الناس واستعمال الإنسان لقدراته فيما يعود بالضرر عليه وعلى الآخرين ، وصدق الله حيث يقول: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (الأنفال : 55) ، ومنها فقد الإنسان لدوره في الحياة ونزول اهتماماته إلى سفاسف الأمور وانحسار أفكاره في دائرة الملذات والشهوات ، حتى تتحول الأمة كلها إلى مجموعة من الناس، لا يهمهم إلا مثل ما يهم الحيوان، والوقوع تحت سيطرة القوة الغضبية والقوة الشهوانية،وفقد كل أسباب السمو والسلامة والبركة. فقد قسم الله الأمم وبيّن مراتبها ومصيرها، كما هو مذكور في قوله تعالى: قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك، وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم(هود:48)، فبالدعوة تنال الأمة العزة وتفوز بالسلامة والبركة، وتخرج من الغثائية التي يريد لها أعداؤها .

وإذا كان الدعاة –وهم على حق- يبحثون بلهف عن وسيلة سريعة لإيقاظ الأمة ، فإن اقصر طريق لإحياء الأمة وبعثها من جديد، هو إشعارها بمسؤوليتها الدعوية وإشراكها عمليا في جهود الحفاظ على الدين والدعوة إليه ، فحينئذ تنهض الأمة ، ويتنزل النصر .
إن الدعوة من أسباب النجاة من الخسارة العظيمة المذكورة في سورة( العصر) ، وأعظم خسارة هي من خسر الدنيا والآخرة ،وذلك هو الخسران المبين.

التعليقات مغلقة