أجوبة العلامة ابن باز عن الجماعات

الشيخ ابن بازهذه الأسئلة جزء من حوار أجرته مجلة “الإصلاح” مع الشيخ-رحمه الله-، وقد نشر في فتاواه المجموعة جـ 8 صـ139 وما بعدها، وكانت منها بعض الأسئلة المتعلقة بالجماعات الإسلامية، وفهم حديث حذيفة -رضي الله عنه- رأينا إفرادها بالنشر؛ توضيحًا لموقف الشيخ –رحمه الله- من هذه القضية.

حكم التعاون والتآزر في أمر الدعوة إلى الله:

س – ما حكم التعاون والتآزر والتعاضد في أمر الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-، خاصة وأن البعض يقول: إنه من البدع المحدثة؟

ج- التعاون مطلوب في الدعوة إلى الله، وفي كل خير، كما قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة:3). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ؛ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ)، والله -سبحانه- يقول: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:1-3). فإذا ذهب جماعة للدعوة إلى الله؛ فعليهم أن يتعاونوا -في أي بلد، أو في أي مكان- على البر والتقوى، هذا من أحسن الأشياء.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- بعث سبعين من القراء إلى بعض القبائل؛ للدعوة إلى الله والتعليم، وكان يبعث الدعاة إلى الله -أفراد وجماعات- إلى القبائل؛ لتعليمهم، وتفقيههم في الدين، وبعث مصعب بن عمير -رضي الله عنه- إلى المدينة قبل الهجرة؛ لتعليم من أسلم من الأنصار، وتفقيههم في الدين.

المقصود: أن التعاون على الدعوة، وإرشاد الناس من اثنين، أو ثلاثة، أو أكثر؛ ليتعاونوا، ويشجع بعضهم بعضًا، وليتذاكروا فيما يجب من العلم والعمل، ويتبصروا. هذا فيه خير كثير، لكن عليهم أن يتحروا الحق بأدلته، ويحذروا الأساليب المنفرة عنه الحق، وعليهم أن يتحروا الأساليب المفيدة النافعة التي توضح الحق، وتبينه، وترغب فيه، وتحذر من الباطل. فهذا التعاون أمر مطلوب بشرط الإخلاص لله، وعدم الرياء والسمعة، وأن يكونوا على علم وبصيرة.

هل الفرق التي ورد الأمر باعتزالها في حديث حذيفة -رضي الله عنه- في الجماعات إسلامية؟

س- في الساحة من يقول: إن الفرق التي ورد الأمر باعتزالها في حديث حذيفة في الجماعات الإسلامية، كالسلفيين والإخوان والتبليغيين، فما قول سماحتكم في ذلك؟

ج- النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لحذيفة لما قال: يا رسول الله كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد الخير من شر؟ قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: (نَعَمْ). قال حذيفة: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ). قلت: وما دخنه؟ قال: (قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ). فقال حذيفة: يا رسول الله، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا؛ قَذَفُوهُ فِيهَا). قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) -يعني: من العرب-. قلت: يا رسول الله فما تأمرنا عند ذلك؟ قال: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ). قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ). (رواه البخاري ومسلم).

هذا الحديث العظيم يبين لنا أن الواجب على المسلم: لزوم جماعة المسلمين، والتعاون معهم في أي مكان، سواء كان جماعة وجدت في الجزيرة العربية، أو في مصر، أو في الشام، أو في العراق، أو في أمريكا، أو في أوربا، أو في أي مكان.

فمتى وجد المسلم جماعة تدعو إلى الحق؛ ساعدهم، وصار معهم، وأعانهم، وشجعهم، وثبتهم على الحق والبصيرة، فإذا لم يجد جماعة بالكلية؛ فإنه يلزم الحق، وهو الجماعة، ولو كان واحدًا، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه- لعمرو بن ميمون: “الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك”.

فعلى المسلم أن يطلب الحق، فإذا وجد مركزًا إسلاميًّا يدعو إلى الحق، أو جماعة في أي مكان يدعون إلى الحق، أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى العقيدة الطيبة، في أوربا، أو في إفريقيا، أو في أي مكان، فليكن معهم يطلب الحق، ويلتمس الحق، ويصبر عليه، ويكون مع أهله.

هذا هو الواجب على المسلم، فإذا لم يجد من يدعو إلى الحق -لا دولة ولا جماعة-؛ لزم الحق وحده، واستقام عليه، فهو الجماعة حينئذ، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه- لعمرو بن ميمون.

وفي زمننا هذا -والحمد لله- توجد الجماعات الكثيرة الداعية إلى الحق، كما في الجزيرة العربية: الحكومة السعودية، وفي اليمن والخليج، وفي مصر والشام، وفي إفريقيا وأوربا وأمريكا، وفي والهند وباكستان، وغير ذلك من أنحاء العالم، توجد جماعات كثيرة، ومراكز إسلامية، وجمعيات إسلامية تدعو إلى الحق، وتبشر به، وتحذر من خلافه.  فعلى المسلم الطالب للحق في أي مكان أن يبحث عن هذه الجماعات، فإذا وجد جماعة، أو مركزًا، أو جمعية تدعو إلى كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- تبعها ولزمها، “كأنصار السنة” في مصر والسودان، و”جمعية أهل الحديث” في باكستان والهند، وغيرهم ممن يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويخلص العبادة لله وحده، ولا يدعو معه سواه من أصحاب القبور، ولا غيرهم. 

الذي يقول: بأن الجماعات الإسلامية من الفرق التي أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- باعتزالها، هل فهمه غير صحيح؟

س- يا شيخنا الكريم، الذي يقول:بأن الجماعات الإسلامية من الفرق التي تدعو إلى جهنم، والتي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- باعتزالها فهمه على كلامكم غير صحيح؟

ج- الذي يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليس من الفرق الضالة، بل هو من الفرق الناجية المذكورة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه واليوم وأصحابي) وفي لفظ: (هي الجماعة).

والمعنى: أن الفرقة الناجية هي: الجماعة المستقيمة على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- من توحيد الله، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، والاستقامة على ذلك قولاً وعملاً وعقيدة، هم أهل الحق، وهم دعاة الهدى، ولو تفرقوا في البلاد، يكون منهم في الجزيرة العربية، ويكون منهم في الشام، ويكون منهم في أمريكا، ويكون منهم في مصر، ويكون منهم في دول إفريقيا، ويكون منهم في آسيا، فهم جماعات كثيرة يعرفون بعقيدتهم وأعمالهم، فإذا كانوا على طريقة التوحيد والإيمان بالله ورسوله، والاستقامة على دين الله الذي جاء به الكتاب وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهم أهل السنة و الجماعة، وإن كانوا في جهات كثيرة، ولكن في آخر الزمان يقلون جدًّا.

 

فالحاصل: أن الضابط هو استقامتهم على الحق، فإذا وجد إنسان أو جماعة تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وتدعو إلى توحيد الله واتباع شريعته؛ فهؤلاء هم الجماعة، وهم من القرقة الناجية، وأما من دعا إلى غير كتاب الله، أو إلى غير سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهذا ليس من الجماعة، بل من الفرق الضالة الهالكة، وإنما الفرقة الناجية: دعاة الكتاب والسنة، وإن كانت منهم جماعة هنا جماعة هناك ما دام الهدف والعقيدة واحدة؛ فلا يضر كون هذه تسمى: أنصار السنة، وهذه تسمى: الإخوان المسلمين، وهذه تسمى: كذا، المهم عقيدتهم وعملهم، فإذا استقاموا على الحق، وعلى توحيد الله، والإخلاص له، واتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قولاً وعملاً وعقيدة، فالأسماء لا تضرهم، لكن عليهم أن يتقوا الله، وأن يصدقوا في ذلك، وإذا تسمى بعضهم بـ: “أنصار السنة”، وتسمى بعضهم بـ: “السلفيين”، أو: “بالإخوان المسلمين”، أو تسمى بعضهم بـ: جماعة كذا، لا يضر إذا جاء الصدق، واستقاموا عليهما عقيدة وقولاً وعملاً، وإذا أخطأت الجماعة في شيء؛ فالواجب على أهل العلم تنبيهها، وإرشادها إلى الحق إذا اتضح دليله.

والمقصود: أنه لا بد أن نتعاون على البر والتقوى، وأن نعالج مشاكلنا بالعلم، والحكمة، والأسلوب الحسن، فمن أخطأ في شيء من هذه الجماعات أو غيرهم مما يتعلق بالعقيدة، أو بما أوجب الله، أو ما حرم الله؛ نبهوا بالأدلة الشرعية بالرفق، والحكمة، والأسلوب الحسن، حتى ينصاعوا إلى الحق، وحتى يقبلوه، وحتى لا ينفروا منه، هذا هو الواجب على أهل الإسلام أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتناصحوا فيما بينهم، وأن لا يتخاذلوا؛ فيطمع فيهم العدو.

المصدر: www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

التعليقات مغلقة