موقف الشافعي وأصحابه من تعظيم القبور وغيرها من وسائل الشرك. إعداد / أحمد عبد الرحمن

قبورالحمد لله رب العالمين وصلى الله على نينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

أما بعد: فإن الله تعالى أمر بالتوحيد ونهى عن الشرك فقال تعالى ((واعبدوا الله  ولا تشركوا به شيأ)) وكما نهى عن الشرك فقد نهى عن وسائله وذرائعه, ومن ذلك تعظيم القبور والبناء عليها وتجصيصها والنذر لها والطواف حولها, وتعظيم الملوك والرؤساء, فقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال :   [أن من كان قبلكم يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ],

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم [ أنه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها فقال : إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصورا فيها تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ]

وفي المسند وصحيح بن حبان عنه صلى الله عليه وسلم قال : [ أن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين اتخذوا القبور مساجد ]

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ]

وفي الموطأ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد, اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ]

وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ].

وعند ابن ماجة وغيره [أن معاذا لما قدم من الشام , سجد للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما هذا يا معاذ ؟ قال : أتيت الشام , فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها].

وغير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المعنى, وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان يمتثلون بهذه النصوص ويقطعون وسائل الشرك من جذورها, فلم يُبرز لأحدهم قبر ولم يُعمل مشهدٌ ومزارُ على قبره في تلك القرون المفضلة, وكان من هؤلاء السلف الذين سلكوا هذا الطريق الإمام الشافعي: محمد بن إدريس المطلبي (ت204هـ), وكان رحمه الله -كغيره من علماء السلف- شديد النهي عن تعظيم القبور للنهي الوارد فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم, وكان أصحابه خاصة الأوائل منهم سلكوا نفس هذا الطريق.

وهذا بحث أردت فيه أن أستكشف موقفهم من هذا الأمر, والذي حملني على ذلك هو ظن كثير من الناس أن الطرق الصوفية القبورية من أتباع الشافعي حقا, فمن هنا أحببت أن أبين أنه لا علاقة بين هؤلاء وبين الامام الشافعي, فهو بريء من الطرق الصوفية وبريء مما يفعلونه عند القبور من الشركيات, مهما زعموا أنهم من أتباع الشافعي, فليسوا منه وليس منهم, وكذلك هو بريء من عقيدة الأشاعرة المؤولين لبعض الصفات الإلهية, فعقيدة الإمام الشافعي هي عقيدة السلف أهل السنة والجماعة, ولكى نعرف موقفه وموقف أصحابه من تعظيم القبور فإني سأنقل هنا بعضا من كلامهم:

قال الإمام الشافعي في كتابه الأم (1/ 278)  “وأكره أن يبنى على القبر مسجد, وأن يسوى أو يصلى عليه وهو غير مسوى أو يصلى إليه”

وقال أيضا في الأم (1/ 316) “وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها, فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك”.

وقال أيضا رحمه الله “وأكره ان يعظم مخلوق حتي يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلي من بعده من الناس”. انظر: المجموع شرح المهذب (5/ 314)

وقال النووي في المجموع (5/ 298) “قال الشافعي والاصحاب: يكره ان يجصص القبر, وان يكتب عليه اسم صاحبه أو غير ذلك, وان يبني عليه, وهذا لا خلاف فيه عندنا, وبه قال مالك واحمد وداود وجماهير العلماء”

وقال في المنهاج (ص: 85) “ويكره تجصيص القبر والبناء والكتابة عليه. ولو بني في مقبرة مسبلة هدم”.

وقال في شرح مسلم (5/ 13)  “قال العلماء انما نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا؛ خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به, فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الامم الخالية, ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه؛ ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله, لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام, ويؤدي المحذور, ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر, ولهذا قال في الحديث (ولولا ذلك لأبرز قبره, غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا)

وقال البغوي “يكره أن يضرب علي القبر مظلة, لان عمر رضى الله عنه رأى مظلة علي قبر فامر برفعها وقال دعوه يظله عمله”. انظر: المجموع (5/ 298).

وفي الباعث على إنكار البدع والحوادث للشيخ عبد الرحمن بن إسماعيل أبو شامة الشافعي (ص: 26) “فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها, وينوطون بها المسامير والخرق فاقطعوها فهي ذات أنواط”.

وقال الماوردي في الحاوي (3/ 27)  “أما تجصيص القبور حكمه فممنوع منه في ملكه وغير ملكه ؛ لرواية أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن تجصيص القبور”.

وفي المجموع (5/ 311) “قال أبو موسى: وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا وجه الميت يسلم ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه, فإن ذلك عادة النصارى (قال) وما ذكروه صحيح لأنه قد صح النهى عن تعظيم القبور, ولأنه إذا لم يستحب استلام الركنين الشاميين من اركان الكعبة لكونه لم يسن مع استحباب استلام الركنين الآخرين فلأن لا يستحب مسّ القبور أولي”.

وقال النووي “وأما ما يفعله عوام الفقراء وشبههم من سجودهم بين يدى المشايخ وربما كانوا محدثين, فهو حرام بإجماع المسلمين, وسواء في ذلك كان متطهرا أو غيره وسواء استقبل القبلة أم لا, وقد يتخيل كثير منهم أن ذلك تواضع وكسر للنفس, وهذا خطأ فاحش وغباوة ظاهرة, فكيف تكسر النفوس أو تتقرب إلى الله تعالى بما حرمه, وربما اغتر بعضهم بقوله تعالى (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا) والآية منسوخة أو متأولة كما هو معروف في كتب العلماء,  وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن هذا السجود الذى قدمناه, فقال: هو من عظائم الذنوب ونخشى أن يكون كفرا” انظر: المجموع (2/ 67)

وقال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ( 384) “ الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون : اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج عليها ، واتخاذها أوثانا ، والطواف بها ، واستلامها ، والصلاة إليها” ثم ذكر الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك, وأطال في سردها, ثم قال:

“تنبيه : عدُّ هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية, وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من هذه الأحاديث ، ووجه أخذ اتخاذ القبر مسجدا منها واضح ، لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه, وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية : (يحذر ما صنعوا) : أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك فيلعنوا كما لعنوا؛ واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه” ثم قال: “وأما اتخاذها أوثانا فجاء النهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم : (لا تتخذوا قبري وثنا يعبد بعدي) أي لا تعظموه تعظيم غيركم لأوثانهم بالسجود له أو نحوه, والقول بالكراهة محمول على غير ذلك –يعني: التحريم- إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور, إذ هي أضر من مسجد الضرار, لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأنه نهى عن ذلك وأمر صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة ، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره“.اهـ

وبعد: فهذا ما رمت جمعه من كلامهم مما يكشف جليا موقفهم من هذه القضية, وبُعدهم من أفعال هؤلاء عباد القبور, وننبه هنا إلى أن الأئمة الشافعية القدماء كانوا قريبين دائما إلى الأدلة, بل أئمتهم هم أكثر من خدم السنة من علماء المذاهب, فالمؤلفون في كتب الحديث وشروحه وفنونه أكثرهم شافعية, ولذلك قال الذهبي في كتابه زغل العلم (ص: 36) “الفقهاء الشافعية أكيس الناس وأعلم من غيرهم بالدين، فأسّ مذهبهم مبني على اتباع الأحاديث المتصلة، وإمامهم من رؤوس أصحاب الحديث ومناقبه جمة، فإن حصلت يا فلان مذهبه لتدين الله به, وتدفع عن نفسك الجهل؛ فأنت بخير، وإن كانت همتك كهمة اخوانك من الفقهاء البطالين، الذين قصدهم المناصب والمدارس والدنيا والرفاهية والثياب الفاخرة، فما ذا بركة العلم“.

رحم الله الإمام الذهبي, فقد وصف ونصح, ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا بما ينفعنا.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله.

 

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة