التفكك الأسري عند الجاليات المسلمة – الدكتور يحيى سيد يوسف

التفكك-الأسري-بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين على أمور الدنيا والآخرة والدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فأقدم بين أيديكم مشكلة اجتماعية خطيرة، وهي مشكلة “التفكك الأسري”، وذلك في النقاط التالية:

أولاً: أهمية الأسرة:

      إن الأسرة هي المحضن الأول للنشء وبداية تربيتهم؛ لأنها البيئة الاجتماعية الأولى التي تستقبل الإنسان منذ ولادته ومع انتقاله من مرحلة إلى مرحلة، بل يمكن القول بأن الأسرة هي التي تحدد مصير النوع الإنساني أكثر من غيرها.

   والأسرة هي الخلية الحيوية الأساسية التي يتكون منها المجتمع البشري، فصلاحها صلاح للمجتمع كله، وفسادها فساد للمجتمع كله.

والإنسان يتعلم من الأسرة، أفضل أخلاقه الاجتماعية، وهي التي تهيئه ليكون عضواً فعالا في مجتمعه.

  واهتمام الإسلام بالأسرة يدل دلالة واضحة على أهميتها.

ثانياً: ماهية الظاهرة:

   إن المجتمعات المسلمة تواجه كماً هائلاً من التحديات والمشكلات، سواء من داخلها أو خارجها، ومن تلكم المشكلات: مشكلة التفكك الأسري، ويعاني من هذه المشكلة كثيرٌ من الأسر المسلمة، في المجتمعات الإسلامية المختلفة، وقد تختلف أسبابها من مجتمع لآخر، أو يختلف حجمها من بلد لآخر.

  فإذا كانت الدول المسلمة تعاني من هذه المشكلة فما ظنكم بالأقلية المسلمة في الدول غير المسلمة، فلا شك أن المشكلة تزداد حجماً بما يُثيره الأعداء ضدّ تعاليم الإسلام في الأسرة عموماً وفي المرأة المسلمة خصوصاً.

  إن الأسرة المسلمة في الأقليات المسلمة تعاني من مشكلات أسرية متعددة، فخللٌ في بنية الأسرة الترابطية، وضعفُ الاحترام والتقدير، وتقصيرٌ في أداء الحقوق، وإخفاقٌ في الواجبات، وضعفٌ في عوامل التواد والتراحم، وفقدان العطف والحنان، وغطرسة الرجل، ونشوز المرأة، والشجار والخلاف حتى في الأمور الأساسية المتفق عليها، والهجران، وانتشار الشبه والشكوك وتضاؤل الثقة، مما قد يؤدي في النهاية إلى الطلاق، أو طلبه من جهة المرأة، أو التهديد به من جهة الرجل، وتأثرٌ بالمجتمعات غير الإسلامية وادعاءات الغرب.

  ويشتدّ الأمر وتعظم المشكلة عندما يصل إلى أبعد من ذلك، حينما يخرج الأمر إلى خارج الأسرة، وقد ينتج من ذلك حرب بين قرابة الرجل وقرابة المرأة، لعدم فهم مصدر المشكلة، فيتهم كل طرف للآخر، فتتعقد الأمور.

ثالثاً: مفهوم التفكك الأسري:

   التفكك: (فَكَّ) الشيء: فكّاً: فَصَل أجزاءه. و(فَكَّ) المَفْصِلُ- فَكَكاً: استرخى وضعُف.

ويُقَال: تفككت شخصية فلان: ضعفت. وفلان يتفكك في مشيه وكلامه: يضطرب فيهما. (المعجم الوسيط ص698).

  وأما المراد بالتفكك الأسري: فيتضح من خلال المعنى اللغوي، فهو لا يأتي فجأة بل شيئاً فشيئاً، فالأسرة عبارة عن مجموعة من اللبنات الحسية والمعنوية، فتضعف هذه اللبنات وتضطرب وتنحل لبنة لبنة حتى يتلاشى كيان الأسرة وينهار تماماً.

 

رابعاً: مظاهر التفكك الأسري:

  1. كثرة الطلاق.

  2. العقوق.

  3. العنف الأسري (التشاجر، والخلافات).

  4. القطيعة.

  5. كثرة الحالات الواردة على المشائخ.

خامساً: أسباب التفكك الأسري:

هناك مجموعة من الأسباب لظاهرة التفكك الأسري، ومنها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، ومن هذه الأسباب – حسب نظر الكاتب – ما يلي:

أولا: الأسباب الداخلية:

  • القصور في الاختيار.

  • ضعف القوامة.

  • ضعف تطبيق الشريعة في المحيط الأسري.

  • عدم المعرفة الكافية للحقوق والواجبات التي على عاتق كل واحد من أفراد الأسرة، والقصور في أداءها.

  • التربية الخاطئة من الأبوين.

  • إخراج أسرار الأسرة إلى خارجها.

  • رفض تعدد الزوجات.

  • التأخر في الإنجاب، (حالات نادرة يكون سبباً للخلافات أو الطلاق).

  • عدم وضوح الهدف من تكوين الأسرة.

ثانياً: الأسباب الخارجية:

  • التدخل في الأمور الأسرية الخاصة من جهة الأقارب أو الجيران أو غيرهما.

  • الفساد الموجود في البيئة الاجتماعية المحيطة بالأسرة.

  • ضعف أداء التعليم الإسلامي لدوره التربوي.

  • التأثر بادعاءات الغرب (حرية المرأة مثلاً)، والغزو الفكري.

  • القوانين الداعمة لادعاءات الغرب، مثل القوانين المؤيدة لادعاءات (الحرية، حقوق الإنسان …إلخ).

سادساً: حلول وعلاج:

  إن الحل والعلاج لهذه المشكلة هو الحل الرباني المتمثل باتباع شرع الله تعالى في جميع أمور الأسرة المسلمة؛ لأن الله تعالى جعل للأسرة نظاماً لا يبلى بمرّ الزمان، ولا يختلّ بتجدد الأشياء واختلاف الأمكنة، بل يبقى تحدياً لأي نظام آخر مهما كان، ثبات في التأسيس، ومرونة في التعامل، وصدّ للذرائع، وعدل في الواجبات والمهام، فحمّل الزوج بما يناسبه من الواجبات والمهام، وأوجب له من الحقوق ما يُعينه على أداء واجباته ومهامه، وكذلك الزوجة، وأوجب للأولاد حقوقهم من الرعاية والحضانة والنفقة والتربية، وغير ذلك، إما على الأبوين أو على القائمين بالتربية والتعليم، كما أمر الأولاد ببرّ الوالدين وأداء حقوقهما لا سيما عند الكِبَر.

 وفي ظلّ هذا النظام الرباني يمكن ذكرُ بعضٍ من الحلول والعلاج – لا الحصر- فيما يلي:

  • حسن الاختيار:

    إن التأسيس الحسن للأسرة يساعد في استقراها وتماسكها، والعكس صحيح، لذا فلا بدّ من مراعاة الضوابط التي ذكرها الإسلام، ومن أهمها: الدين والخلق، ولكن يُخطئ كثير من الناس عندما يراعي الدين والخلق في الزوج أو الزوجة فقط، ويغفل عن أسرتهما؛ لأن بعض المشاكل تأتي من جهة أقرباء الزوج أو الزوجة، فينبغي أن تكون مراعاة الدين والخلق في أسرة الزوج أو الزوجة –أيضاً-.

    جاء في الحديث: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» (سنن الترمذي وصححه الألباني)، وفي الحديث الآخر: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» (متفق عليه).

 ووجود الدين والخلق حل لمشاكل أسرية متعددة.

ومن المهم –أيضاً- وجود القناعة لدى كل واحد من الطرفين؛ لأنه يساعد على التوافق الأسري.

  • التطبيق العملي لتعاليم الإسلام في الأسرة ونشر ثقافة نظام الأسرة في الإسلام:

  إن الأسرة المسلمة تختلف عن غيرها من الأسر في كونها تسير وفق منهج رباني واضح، بعيداً عن النظريات والادعاءات الغربية، فلا بدّ أن تظهر تعاليم الإسلام العملية في ممارسة حياتها الأسرية، ولا تكون الأسرة المسلمة إمعة تلهث وراء كل ناعق، بل تلتزم تلك التعاليم الرشيدة، ولا يصلح أمر الأسرة المسلمة إلا بهذا النظام الرباني.

  • لفت انتباه أفراد الأسرة إلى أهمية العلم والمعرفة في المجال الأسري:

  إن كثيراً من المشكلات تنبع في الحقيقة عن عدم المعرفة والعلم بالحقوق والواجبات، والقصور في أداءها، ولهذا فإنه من الواجب نشر أهمية العلم بأحكام الأسرة، والعلاقات الأسرية، وغير ذلك، حتى يكون الإنسان على علم بالحقوق والواجبات التي عليه، أو الحقوق التي له، وحتى لا يفرط في أداء الحقوق التي عليه، ولا يطالب بما ليس له.

  • التحصُّن:

-بالتربية الصحيحة وبإيجاد جوّ تربوي هادئ للأسرة.

– وبالابتعاد عن الشبه ورفقاء السوء والجار السيئ.

  • تحقيق القوامة الزوجية:

إن قوامة الرجل المتمثلة بالحزم وحسن التدبير وتحمل المسؤولية، والصبر والحلم تأخذ دورها الفاعل في حلّ كثير من مشاكل الأسرة، وضعف هذه القوامة تؤدي إلى خلل في الكيان الأسري، فيحصل أن بعضاً من الأزواج يتسم بضعفٍ في اتخاذ القرار، وانكسارٍ أمام المشاكل، وفشل في حلها، ولا شك أن لتخلي الرجل عن دوره أثر كبير في تفكك الأسرة وعدم استقرارها.

ومما ينبغي التنبيه عليه: أن رجولة الرجل لا تكمن في شدته وقوته وقهره!!! وإنما تكمن في حسن تصرُّفه وتدبيره، وتَحمُّله للمسؤولية، وصبره وحلمه، وحزمه، وقدرته على حلّ المشاكل بحكمة، وقدرته على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وهذه هي صفات الرجولة.

  • حفظ الأسرار الأسرية:

يوجد في أيِّ مجتمع من المجتمعات بعضٌ من الحساد والمفسدين ، سَعْيُهم في نشر أسباب الفرقة والقطيعة بين أفراد المجتمع، ولا سيما بين أفراد الأسرة، فنشر أسرار الأسرة تمكين للمفسدين من تفكيكها وهدمها، ولهذا فإن حفظ أسرار الأسرة وعدم نشرها واجب على أفرادها، لضمان الاستقرار وصدّ أسباب الفرقة والفساد.

  • وضوح الهدف من تكوين الأسرة:

   إن عدم وضوح الهدف من الزواج والجهل بغاياته، قد يكون سبباً لبعض المشاكل الأسرية، وذلك أن الإسلام جعل للأسرة غايات ترمي إليها، ومنها:

–       طلب العفة.

–       طلب الولد الصالح.

–       تلبية لأمر الشارع.

–       تكثير لسواد الأمة المحمدية.

–       السكون النفسي.

  فعندما تتضح الصورة لدى الطرفين بخصوص هذه الأهداف فإن ذلك يؤدي إلى توافق أسري، يقوم بدوره في الاستقرار.

    أما عندما يتزوج المرء لا لتحقيق هذه الأهداف، وإنما مجرد قضاء الشهوة فقط، فهذا

لا شك أنه يسبب بعض المشاكل الأسرية.

  • أن يقوم التعليم الإسلامي بدوره التربوي من خلال تضمين المفاهيم الأسرية وتفعيلها في المناهج والأنشطة وغيرها، ويقوم – أيضاً – بنشر ثقافة الحقوق الاجتماعية، وهذا يساهم في حلّ مشكلة التفكك الأسري.

  • تفعيل دور المؤسسات التربوية والتعليمية الإسلامية في الإصلاح الاجتماعي مما يساعد على الإصلاح الأسري.

  • محاربة الغزو الفكري وادعاءات الغرب بنشر تعاليم الإسلام ومحاسنه، في جميع المجالات ومنها المجال الأسري.

  • استشارة العلماء والمصلحين وأهل الخبرة في حلّ المشكلات الأسرية إذا احتاج الأمر إلى ذالك.

  • تقديم بحوث ودراسات بخصوص هذا الموضوع.

هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ا
الدكتور يحيى سيد يوسف: طالب في مرحلة الدكتوراة بقسم التربية من كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

عدد التعليقات 4

  • مصطفى شيخ محمودقال:

    أشكر شيخي الدكتور يحيلى على هذا المقال الجميل الذي سلط الضوء فيع على قضية تربوية مهمة وعالجها بطريقة منهجية وفق الكتاب والسنة وعلى وفق ما قاله العلملء الأفاضل ممن كان لهم السبق في هذا المجال ولست هنا لأقيم عمل الشيخ بل لأشكره وأطلب منه زيادة في هذا المجال …
    قسم الاسرة في حاجة لمثل هذه المقالات والبحوث …

  • دكتور يحي بارك الله فيك المقال رائع جدا وقد تطرقت الى أمور مهمة تحتاجة كل اسرة مسلمة جزيت خيرا وبورك فيك

  • آدم شيخ عليقال:

    بارك الله فيك أخي الدكتور يحيى سيد، لا شك أن معرفة أسباب التفكك الأسري وما يخلفه من تدمير للناشئة مما يساعد في الأخذ بوسائل الوقاية منه

  • محمد حسن عمر محمد المدنيقال:

    ما شاء الله تبارك الله جزاك الله خيراً على هذا المقال الذي وقع في محله, والأمة ما أشد حاجتها إلى هذا الموضوع, شكراً ونطمع منكم المزيد في مثله من المواضيع التربوية.